العنوان المجتمع التربوي- العدد (1360)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يوليو-1999
مشاهدات 70
نشر في العدد 1360
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 27-يوليو-1999
وقفة تربوية
حلاوة الطاعة
كم نسمع عن حلاوة الطاعة ولا نجدها.
وكم نقرأ عن حلاوة الطاعة ونفتقدها.
وكم نتمنى أن نجد حلاوة الطاعة ولا ندركها.
فالسماع والقراءة والتمني لا يمكن أن تتحول إلى واقع ما لم يتواكب ذلك كله مع بذل لأسباب جلب هذه الحلاوة المنشودة، والابتعاد عن كل قول وعمل يبعدها.
وأول هذه الأسباب- لاستجلاب حلاوة الإيمان- الإخلاص لله- تعالى- في كل أعمالنا، وألا نبتغي من أي عمل نقوم به وجهًا سوى وجه الله تعالى.
أما الطاعات فلا يمكن أن توجد حلاوة الإيمان بعد الإخلاص إلا باجتناب المعاصي، صغائرها وكبائرها، فمع كل معصية نكتة سوداء على القلب تحجب شيئًا من هذه الحلاوة.
ومن الأمور التي تحجب هذه الحلاوة كذلك، شكوانا- عندما نقع في المصائب- لغير الله تعالى.
يقول الإمام الزاهد شقيق البلخي: «من شكا مصيبة إلى غير الله، لم يجد حلاوة الطاعة» «سير الأعلام 9/٣١٥».
فكيف إذن بالمعاصي الواضحة؟ كم تذهب من هذه الحلاوة؟
أبو خلاد
بين الشورى والاستشارة
لم يكن هناك من هو أكثر استشارة للرجال من الرسول برغم أنه مسدد بالوحي.
شرع الإسلام الشورى بين المسلمين فيما لم ينزل فيه وحي أو نص، وجعلها من الأسس المهمة في علاقة الحكام مع محكوميهم، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران: 159).
فسار على هذا النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه من بعده، فروى البعض عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: «ما رأيت رجلًا أكثر استشارة للرجال من رسول الله صلى الله عليه وسلم»، برغم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يحتاج إلى مشورة ولا رأي لنزول الوحي عليه، وتسديد خطاه وأقواله، فلا ينطق عن الهوى، غير أن عمله صلى الله عليه وسلم هذا كان سنة للمسلمين من بعده، وتشريعًا لهم.
قال علي رضي الله عنه: «لمشورة قبل العمل تغنيك عن الندم»، وقال الحسن: «التشاور يهدي القوم لأفضل أمورهم».
وقد مدح الله تعالى الشورى بين المسلمين بقوله: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (الشورى: 38).
حكم الشورى: اختلف العلماء في حكم قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: 159)، فمنهم من قال إن الأمر للوجوب، ومنهم من قال الأمر للندب لا وجوب فيه.
ويمكن طرح الموضوع من وجهين: الأول إلزامية الشورى للحاكم، والثاني إلزام الحاكم بتنفيذ رأي الشورى.
والوجه الأولى حول الزامية الحاكم لأخذ المشورة من أهل الرأي، فقد أجمع أهل الفقه والمفسرون على أن الشورى واجبة لقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾(آل عمران: 159) هو للوجوب.. أمر الله تعالى نبيه أن يشاور أصحابه مع استغنائه عن ذلك لكمال عقله، وجزالة رأيه، ونزول الوحي، ووجوب طاعته على الخلق فيما أحبوا وكرهوا.
وكان أمره- تعالى- لأسباب عدة، أجمع عليها المفسرون، كما ورد في تفسير الخازن، والبغوي، والألوسي، والجصاص، والبيضاوي، وغيرهم، إذ قالوا: يشاورهم فيما ليس فيه نص، وقيل: «إنها تطييب لنفوسهم، ورفعة لقدرهم ومكانتهم»، وهو قول قتادة والربيع بن أنس ومحمد بن إسحاق ومقاتل.
وهناك قول ثان هو أنه أمره بها لتكون سنة لأمته من بعده، ليقتدى به، وهو قول سفيان بن عيينة والحسن.
والقول الثالث: هو أن الله- تعالى- أمره بالمشاورة تطييبًا للنفوس، واستظهارًا لرأيهم، ولتكون سنة لأمته من بعده، ويؤيد ذلك ما ذكره البيهقي وابن عدي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما إن الله ورسوله لغنيان عنها، ولكن جعلها الله- تعالى- رحمة لأمتي، فمن استشار منهم لم يعدم رشدًا، أو من تركها لم يعدم غيًا».
أما الوجه الثاني: وهو عن إلزام الحاكم بالتزامرأي الأكثرية إذا كان له فيه رأي آخر غير رأيهم يرى فيه الحق، فالحاكم واجب عليه التزام الحق حيث يجده، والمضي فيه دون الالتفات إلى رأي الشورى، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (آل عمران: 159)، أي إذا عزمت على رأي مهما كان فامض فيه، وتوكل على الله، وهذا قول كبار المفسرين كالبيضاوي، والبغوي، والخازن، والطبري، وابن تيمية وغيرهم، وقالوا إن قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: 159)، ليس فيه أي دليل على إلزامية الشورى للحاكم برأيه بعد الاستشارة، وفيها دعوة لأن يمضي إلى أي رأي وجد فيه الحق والصواب، سواء وافق رأي الشورى أم لم يوافقه.
أما قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: 38)، في الآية الثانية ففيه معنى المدح للمسلمين؛ لأنهم يتصفون بالشورى، وليس فيه دليل على إلزامية الشورى للحاكم، وفي فعل النبي صلى الله عليه وسلم خلال حياته ما يؤيد ما ذهبنا إليه، فهو كان يستشير أصحابه وأهل الرأي، ثم يمضي إلى رأيه؛ لأنه يراه الحق دون الالتفات إلى الأكثرية من المسلمين، ومجرد حدوث ذلك ولو مرة واحدة دليل على عدم إلزامية الشورى للحاكم أبدًا، ومن هذه الحوادث صلح الحديبية كما ذكرها البخاري في صحيحه، إذ إن النبي رجع عن كتابة اسمه «محمد رسول الله» إلى «محمد بن عبد الله» كما أراد سهيل بن عمرو على رغم اعتراض الصحابة على ذلك، ومنها قول عمر والصحابة: علام نعطي الدنية في ديننا؟ وقوله: كيف يرد الرجل إلى المشركين بعد إسلامه؟ ومضى النبي صلى الله عليه وسلم في إبرام العقد على رغم ذلك.
كما أشارت عليه أم سلمة- رضي الله عنها- أن ينحر ويحلق أمام الناس ففعل، فتبعه المسلمون، وموقعة أحد كانت متعددة الوجوه، إذ استشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه؛ فأشاروا عليه بالخروج فكره ذلك، ولكن رجع إلى رأيهم بالخروج.
وخلاصة القول: إن انفراد الخليفة المسلم برأيه ومخالفته للأغلبية هما من الحوادث النادرة والمعدودة، بينما الأمثلة الغالبة هي التزام الخليفة رأي أهل المشورة والأغلبية.
والسبب في ذلك أن الحاكم والمحكومين يستمدون آراءهم ومواقفهم من مصادر واحدة هي كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ويجتهدون مستهدفين الحق والصواب في آرائهم خشية لله- تعالى- وابتغاء مرضاته، وتنفيذًا لأوامره لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (االأنفال: 46)، وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا».
مصطفى الصوفي- سورية
كيف نتربى بالدعوة ونتدرج في سلمها؟
الانتظار قبل الاندفاع.. البناء قبل التجميع.. والتأهيل قبل البلوغ
الدعوة إلى الله- عز وجل- منحة إلهية يوفق لها من ملك القدرة على استيعاب منهج الأنبياء والمرسلين، وكيف وفقوا في انتشال العباد من عبادة العباد والأهواء إلى عبادة رب العباد، ذلك أن حرفة الأنبياء دعوة الناس إلى الحق، وإرشادهم إلى ما به صلاح الدارين.
إن مبدأ دعوة الإسلام ومنتهاها أن يتصل الناس بالله صلة حقيقية تطهر من ذنوبهم، وتغير من نفوسهم، وأن يتعرفوه تعرفًا حقيقيًا، وهي الغاية التي قامت عليها السماوات والأرض، وبعث لأجلها النبيون، فالناس لا ينصلحون ولا تنصلح أحوالهم إلا إذا عرفوا ربهم، فإذا لامست معرفة الله قلب الإنسان تحول من حال إلى حال، وإذا تحول القلب تحول الفرد، وإذا تحول الفرد تحولت الأسرة، وإذا تحولت الأسرة تحولت الأمة، وما الأمة إلا مجموعة أسر وأفراد.
فإذا كان الله- سبحانه وتعالى- قد فطر المرسلين على هذه الخصلة الرفيعة، وعصمهم من كل ما يحول دون تحقيق هذه الغاية، فإن أتباعهم مطالبون شرعًا وعقلًا بالأخذ بكل ما يمكنهم من تحقيق هذه التبعية، فهي صناعة لا يجيدها إلا من امتلك المؤهلات.
والداعية الذي نريده يردد مع الفاروق دعاءه المأثور: «اللهم إني أعوذ بك من جلد الفاجر وعجز الثقة».
فالدعاة كثير عددهم في كل مكان، لكننا لو علمناهم إتعاب النفس، وإرهاقها، والصبر على سهر الليالي وحني الظهور لتدارس هذا الفقه لوعى منهم جيل كثير.
فهل رأيت يومًا ما رجلًا يصلح جهازًا إلكترونيًا دون تدريب مسبق أهله لذلك؟ بل هل رأيت يومًا مدرسًا يلقي على تلاميذه درسًا في العلوم دون أن يخضع لتعليم ارتقى فيه سنة بعد أخرى؟ وهذا يجرنا إلى القول إن الداعية إلى الله لا بد أن يرتقي في سلم الدعوة إذا كان يريد حقًا إجادة هذه التبعية للأنبياء.
وقد تحدث لهذا الداعية هنات وهو يتدرج في هذا السلم، إلا أن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتي، والكيس الفطن من كان بناؤه الدعوي على أساس تجارب الأولين الذين لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا الكنز الثمين في حقل الدعوة إلى الله.
منها التدرج في الخطوات، وانتظار الزمن، وعدم التسرع بالنتائج، فلكل أجل كتاب، فالانتظار علاج يحمي الدعوة من الاندفاع والتورط، وانظر سيرة خالد وعمرو بن العاص، تأخر إسلامهما، وألحقا ضررًا فادحًا بالدعوة في مهدها، ولكن صارا من أكثر المؤمنين خيرًا، فلا بد من طول الصبر وحسن العرض.
ولا بد من أن يجمع الداعية إلى الله وهو يترقى بين تراث السلف الصالح من علماء الأمة ودعاتها المخلصين، دون أن ينسى ما طرأ على واقع الناس من مستجدات تدفع بالدعوة إلى تجديد أساليبها، ووسائلها الموازية لظروف العصر، والملاحظ في حقل الدعوة أن الكثير من المعوقات والسلبيات في صفوف الدعاة إلى الله، كان بالإمكان تفاديها لو عدنا إلى الأصول والقواعد الشرعية التي رسم معالمها علماء السلف، إذ من خلالها يتسنى لنا تحقيق سلم الأولويات، فتعرف ما يستحق التقديم أو التأخير، ونفقه باب تعارض المصالح، وكيف نرجح مصلحة على أخرى، فقد يورط الداعية نفسه بحسن نية في معضلات لا قبل له بها، تعوق مسيرته الدعوية، لا لشيء إلا لأنه استعجل الثمرة، واندفع نحو مهمة سامية لم يتهيأ لها من قبل، وقد لا تنعكس النتائج عليه وحده، بل ربما تتجاوزه إلى غيره، فيهدم من حيث يظن أنه يبني، فحسن النية ليس شرطًا وحيدًا لتحقيق الغاية والقيام بالواجب.
والمطالبة باحترام سلم الدعوة، لا يكون ذريعة للانطواء وتحميل الغير هذه المهمة، فنحن أمة لا تعرف رجال الدين، فكل مسلم رجل لدينه، ومن هنا بات من اللازم أن يكون كل مسلم داعية إلى الله، وبناء على قاعدة «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب»، فنحن مطالبون أولًا بمعرفة الأولويات في هذه الدعوة، ثم العمل الجاد لتحقيق الغاية الكبرى التي مهد لها الأنبياء والمرسلون، وعلى رأسهم محمد عليه الصلاة والسلام.
فالمتأمل في سيرته العطرة يجد بوضوح تام كيف تدرج- عليه الصلاة والسلام- بأصحابه، وأخذ بأيديهم إلى شاطئ النجاة، بل كلفهم بانتشال الآخرين ليبلغ الحاضر الغائب، ولكن على أساس استغلال عنصر الزمن، ومراعاة الأولوية في البناء.
وبناء على ما سبق، بات من الواجب أن يتدرج الداعية إلى الله في سلم الدعوة، إذ يترتب على ذلك قراءة جديدة متفحصة متأملة في تجارب الأولين، ومزجها مع الواقع المعاش، كما أن على الداعية أن يعلم أن نفسه التي بين جنبيه أولى من غيرها في الرعاية والتهذيب، باعتبارها منطلق الرعاية الدعوية، إذ لا يمكن أن يترك الداعية الفوضى الروحية والفكرية والأخلاقية تعشعش داخل نفسه، ثم تراه مهتمًا بغيره، ورحم الله من قال: «أقيموا الإسلام في قلوبكم يقم على أرضكم».
كما أن هذا الاهتمام يجب أن يكون شاملًا شمول الإسلام والدعوة إليه، فإذا تحققت هذه الغاية، واستطاع الداعية أن يقود نفسه إلى شاطئ النجاة، فلا شك في أن أنوارها ستشع على من حوله بالصفاء الروحي، والتحصيل العلمي، والتعامل الاجتماعي، فلعل أول من ينتفع بهذه الأنوار ذووه وأهله، ويتوسع النور الدعوي إلى طوائف المجتمع، فيكون هذا الأخير الرعاية الثالثة في الاهتمام.
وصفوة القول إنه لا بد للداعية من أن يعيد النظر من حين لآخر فيما أقدم عليه من مهمة جليلة شريفة، فالدعوة ليست بالكم، وإنما بالكيف، فالقليل الدائم خير من الكثير المنقطع، كما أنها بالبناء قبل التجميع، والتأهيل قبل التبليغ، ومن هنا يكون الداعية قد بدأ يترقى في سلم الدعوة إلى الله.
فتح الله نوار
قطوف تربوية من قصة صاحب الجنتين
قراءة في مفردات خطاب ديني
تكرار كلمة «صاحبه» ورحابة صدر المؤمن لكلام الكافر دليل على اعتماد مبدأ الحوار إلى أبعد مدى
الحركة الإسلامية تقبل بتعدد الأحزاب، وتداول السلطة ما دامت السيادة للشريعة
بقلم: د. حمدي شعيب
تناولنا في الحلقة الماضية مفردات الخطاب العلماني الذي مثله حديث الرجل الكافر، وعرضه لأفكاره.
والآن جاء دور الرجل المؤمن ليعرض أفكاره وردوده وآراءه التي تمثل بعض سمات ومرتكزات الخطاب الديني، وتعتبر المداخلة الثانية في هذه القصة.
قال تعالى: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا لَّٰكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ۚ إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا فَعَسَىٰ رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ (الكهف: 37-41).
قضية الآخر
١– لقد عرض الرجل الكافر رأيه في حرية تامة، وفي إسهاب ملحوظ، وتطاول فيه على كل شيء، بما فيه ثوابت الرجل المؤمن، وعقيدته، ولم يقاطعه الرجل المؤمن.
وهي صورة تشي بمدى أدب صاحبه المؤمن، وإيمانه بحرية الحوار، وسماع الرأي الآخر إلى أبعد مدى.
وتدبر ما قاله الحبيب صلى الله عليه وسلم لعتبة بن ربيعة في بداية الحوار: «قل يا أبا الوليد أسمع»، ثم قال له بعد أن فرغ من عروضه: «أفرغت يا أبا الوليد؟» قال: نعم. قال: «فاستمع مني»، قال: أفعل.
وفي هذا الرد الكافي على المرجفين في مدينة الفكر والإعلام، واتهاماتهم بأن التيار الديني أحادي التوجه، وخطي المنهجية، فلا يقبل النقد، ولا يقبل الآخر، وأنه يستغل القنوات «الديمقراطية» من أجل الوصول، ثم بعد ذلك سيتعامل من منظور يقيد التعددية، وينحى المنحىى «الأتوقراطي» الاستبدادي الإرغامي.
وعندما جلس الرجل المؤمن يستمع لصاحبه دون مقاطعة، وكذلك صلى الله عليه وسلم دليل على قبول التيار الديني بمبدأ الحوار والتعايش مع الآخر.
وهذا ما نلمحه من تكرار كلمة «صاحبه» وكذلك في رحابة صدره- صلى الله عليه وسلم - وتكنية عتبة بما يحب «يا أبا الوليد».
وقضية قبول الآخر من القضايا التي يجب أن يرفع لواءها التيار الديني، لأنها إحدى علامات سعة المنهج ومرونة الشريعة، وكذلك من علامات نضج حاملي هذا المنهج، وثقتهم في سمو وعلو فكرتهم التي يدعون إليها، وهي أيضًا دلالة بارزة على سعة أفق دعاة مشروعه الحضاري.
وإذا كان لهذه القضايا أهميتها في الماضي، فإن هذه الأهمية تتضاعف في حلقة الصراع والتدافع الحضاري المعاصرة، أمام تيارات ومشاريع مناوئة، يلقي حاملوها بالتهم جزافًا على حاملي المشروع الحضاري الإسلامي، ويتهمونهم بالجمود والتحجر وأحادية النظرة، وعدم قبول الآخر.
وهذه القضية ترتبط بقضية أخرى يجب أن يتبناها التيار الديني داخليًا، ألا وهي قضية تعدد الصواب، وهي نفس قضية مشروعية الاجتهاد في الفروع، وضرورة وقوع الخلاف فيها، واعتبار كلًا من المتخالفين معذورًا ومثابًا، وذلك كما نراه في الواقعة المشهورة عندما عاد الحبيب- صلى الله عليه وسلم- من غزوة الخندق، ووضع السلاح واغتسل، فأتاه جبريل- عليه السلام- بالأمر الإلهي بغزو يهود لغدرهم بالعهود، فقال: «قد وضعت السلاح؟! والله ما وضعناه فأخرج إليهم، قال: فإلی أین؟ قال: ههنا، وأشار إلى بني قريظة»، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم إليهم([1]) ثم نادى صلى الله عليه وسلم في المسلمين ألا لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة، فسار الناس، فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي، ولم يرد منا ذلك، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فلم يعنف أحدًا منهم([2])، فتدبر موقفه صلى الله عليه وسلم من المتخالفين، وإقراره بجواز صحة كل منهما.
وهناك قضية أخرى، تأتي المناسبة للحديث عنها، وهي قضية أو فكرة التعددية، وخاصة الجانب الأهم منها، وهو التعددية السياسية؛ لأنها قضية الساعة، وموضع القدح والنقد من قبل الطاعنين في المشروع الإسلامي.
والتعددية تعني في جوهرها: التسليم بالاختلاف الذي لا يسع عاقلًا إنكاره، والتسليم بكونه حقًا للمختلفين لا يملك أحد أو سلطة حرمانهم منه.
والتعددية السياسية، تشير إلى عناصر تنظيم الكيان السياسي بما يمكن التوجهات السياسية والفكرية المختلفة من الحفاظ على أطروحاتها الخاصة بها، وحقها في المشاركة في العملية السياسية بفاعلية، وكذلك حقها في إنشاء مؤسساتها ومنظماتها الخاصة لتحقيق أهدافها المنشودة.
وللدكتور يوسف القرضاوي- وهو من أعلام التيار الديني، ودعاة المشروع الحضاري الإسلامي- شعار رائع يدلل على أهمية التعددية السياسية من باب مشروعية التعددية الفقهية، فيقول: «المذاهب أحزاب في الفقه، كما أن الأحزاب مذاهب في السياسة».
وللدكتور عبد الغفار عزيز، رأي في رسالة دكتوراه بعنوان «الدعوة والدولة في صدر الإسلام» حول تاريخ التعددية السياسية، يرى فيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان زعيمًا لمعارضة نظام الحكم في مكة، كما أنه- صلى الله عليه وسلم- قد سمح بها، وفتح مناقشة آراء المعارضة في بدر وأحد وحصار المدينة وغزوة الخندق، وكان بلال- رضي الله عنه- زعيمًا من زعماء المعارضة في عهد عمر- رضي الله عنه- وكان له أتباع وأعوان من بعض كبار الصحابة– رضوان الله عليهم– مثل عبد الرحمن بن عوف- رضي الله عنه- وكان الفاروق- رضي الله عنه- لا يستطيع شيئًا مع الرأي الآخر إلا أن يقول: «اللهم اكفني بلالًا وأصحابه»([3]).
ومن باب الحيادية، ومن أجل تفعيل حركة التدافع الفكري الآرائي، فمن الواجب أن نورد رأي الحركة الإسلامية المعاصرة، حتى يتبين لنا أطروحاتها حول هذه القضية، لذا فإننا نؤمن بتعدد الأحزاب في المجتمع الإسلامي، وأنه لا حاجة لأن تضع السلطة قيودًا من جانبها على تكوين ونشاط الجماعات أو الأحزاب السياسية، وإنما يترك لكل فئة أن تعلن ما تدعو إليه، وتوضح منهجها، ما دامت الشريعة الإسلامية هي الدستور الأسمى، كما أننا نرى أن قبول تعدد الأحزاب في المجتمع الإسلامي على النحو الذي أسلفنا يتضمن قبول تداول السلطة بين الجماعات والأحزاب السياسية، وذلك عن طريق انتخابات دورية([4]).
وبعد، فإن الحديث عن تلك القضايا، والتنبيه إليها يأتي في موضعه، فإذا تبناها التيار الديني المعاصر، ودعاة المشروع الحضاري الإسلامي، فإنما فيه الدلالة على مدى سعة ومرونة الشريعة، ورحابة الفكرة التي يقوم عليها مشروعهم، وفي الوقت نفسه يتبين الفرق بينه وبين المشاريع الأخرى القائمة على الأفكار الاستئصالية لحرية الآخر، فلا يسمح له ولو بصحيفة يعلن فيها رأيه، والتي تقوم أيضًا على النزعة الاستقصائية لوجود الآخر، فلا يسمح إلا بوجود من يدور في فلكه.
الثبات وفكر الأزمة
لقد بادر الرجل الكافر بالحوار، وهو الملمح الذي تستشعر معه أن صاحبه الرجل المؤمن كان ثابتًا على أفكاره، واثقًا من طريقه، وهو الأمر الذي أثار حفيظة الرجل الكافر؛ فأراد أن يلفت نظره إلى ملكه الواسع، لعله يتراجع عما يحمله من آراء.
وأمر الثبات على المبدأ بدا واضحًا في خطاب الرجل المؤمن، عندما قال: ﴿لَّٰكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ (الكهف:٣٨) .
وتدبر هذا الموقف، إن عتبة بن ربيعة- كان سيدًا- قال يومًا وهو جالس في نادي قريش، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمد فأكلمه، وأعرض عليه أمورًا لعله يقبل بعضها؛ فنعطيه أيها شاء ويكف عنا؟ وذلك حين أسلم حمزة- رضي الله عنه- ورأوا أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون، فقالوا: «بلى يا أبا الوليد فقم إليه نكلمه».
وتدبر قوله صلى الله عليه وسلم في نهاية المقابلة، رافضًا عروض عتبة: «قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك».
إنه الثبات على الحق، والتمسك بالفكرة، فقريش تجلس كلها في ناديها، ويجلس الداعية وحده، وعلى الرغم من ذلك يشعرهم بقوة التحدي والثبات، وهو الأمر الذي نتج عنه خلخلة الصف المعادي، مما أدى إلى بروز بعض الأصوات العاقلة داخل معسكر الكفر، التي تؤمن بمبدأ الحوار والتفاوض، وحق الآخر في التعبير عن رأيه.
إذن فثبات أبناء التيار الديني هو الصخرة التي تتحطم عليها أمواج التيار المادي العالية؛ فتذهب جفاء، ويبقى الحق شامخًا، لينفع الناس، ويعمر الأرض: ﴿فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَیَذۡهَبُ جُفَاۤءࣰۖ وَأَمَّا مَا یَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَیَمۡكُثُ فِی ٱلۡأَرۡضِۚ﴾ (الرعد: ۱۷).
والثبات أيضًا هو المنارة التي يؤوب إليها كل شارد، ويهتدي على نورها كل باحث عن الحقيقة في أسواق المبادئ والأفكار، وقد جلب بعضهم بضاعات مزجاة استوردوها من فتات موائد الغرب.
وهذا الثبات، إذا اعتبرناه علامة الثقة في الطريق من حيث الفكرة والوسيلة والغاية؛ فإنه لا ينفي المرونة الحركية، والسعة الفكرية عند قبول الحوار، وشجاعة المشاركة في عملية التدافع الفكري الآرائي؛ لأنه يقي أبناء التيار الديني من بعض الإصابات التي أصابت العمل الإسلامي في مقتل، وأهمها ذلك الفكر الذي جاء إفرازًا لما تعرضت له الحركة الإسلامية من أزمات، ومحن، ومطاردات، مما يمكن أن نطلق عليه: فكر المواجهة، أو فكر الأزمة الذي جاء ثمرة لظرف وزمن معينين، وقد لا تكون المشكلة في فكر الأزمة، لأنه استجابة طبيعية للمواجهة، لكن المشكلة في العقلية التي حاولت تعميمه، وتخليده على الزمن، ووقعت في أزمة الفكر، وعدم القدرة على الإنتاج الفكري الملائم والمطلوب للمرحلة وبذلك نشأ كثير من الأفراد نشأة غير سوية نتيجة التربية غير السوية، وبسبب الهواجس الأمنية، وهواجس المواجهة، فأصبحت تستدعي المواجهة وتفترضها، وتعتبرها الأصل الدائم، بل ومقياس الصواب في العمل، لقد افتقدت الحرية في الفكر، والحركة، والممارسة، واصطحب كل فرد سجانه، ومراقبه الأمني داخله، حتى أصبحت فترات الحوار والاسترخاء هي الاستثناء، وفرصة للاستعداد لجولة جديدة»([5]).
خطوط حمراء
لقد كانت أولى كلمات الرجل المؤمن، وأشدها ألفاظًا، دفاعه عن ثوابته العقدية، وهي النقطة التي لا تقبل التفاوض والمرونة: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ (الكهف: ٣٧)، وكأننا به يحذره: ويحك، لقد تجاوزت الخطوط الحمراء بكفرك بالخالق والمصور سبحانه!
وهي النقطة التي تبين منطلق الرجل المؤمن ممثلًا للتيار الديني، وهي الإيمان بالله.
وهو المنطلق أو الأصل الذي يتفرع منه كل شيء، وهو الأساس الذي يبنى عليه البنيان الصحيح القويم.
فإذا اختل هذا الأصل، اختل كل شيء، وإذا ضعف هذا الأساس، ضعف أو انهار كل البنيان ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (التوبة: ١٠٩).
وعند الحوار، ومن خلال حرية الرأي، كل الأمور تكون قابلة للحوار والالتقاء، إلا ثوابت العقيدة.
لذا كانت تلك الإشارة الحمراء التي وضعها الرجل المؤمن، ليعلن لصاحبه الكافر، ألا يتجاوز حدوده، وحدود الحوار.
وهذا ما يبرر الموقف الصلب للتيار الديني المعاصر، من رفض تلك الكتابات العلمانية المادية اللا دينية، وفضح أهدافها، وكشف ستر أصحابها.
الهوامش
([1]) متفق عليه واللفظ للبخاري.
([2]) رواه البخاري.
([3]) مقتطفات من ندوة مركز الدراسات الحضارية بالقاهرة حول التعددية السياسية- رؤية إسلامية- في أغسطس 1996م، المركز الإعلامي العربي.
([4]) رسالة: المرأة المسلمة في المجتمع المسلم، والشورى وتعدد الأحزاب، 39-40، بتصرف.
([5]) مراجعات في الفكر والدعوة والحركة: عمر عبيد حسنة- طبعة المعهد العالمي للفكر الإسلامي- سلسلة قضايا الفكر الإسلامي «7» 116.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل