; المجتمع التربوي- العدد (1315) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي- العدد (1315)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 01-سبتمبر-1998

مشاهدات 76

نشر في العدد 1315

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 01-سبتمبر-1998

وقفة تربوية: أين القائد ؟

كنت في لقاء مع أحد الإخوة الدعاة، وتذاكرنا أحوال الأمة، وما آلت إليه، وتكالب الأمم عليها، وكثرة المؤامرات على هذا الدين.

فتنهد صاحبي وقال: آه لو أن لنا قائداً يلتف حوله الناس فينقذنا مما نحن فيه قلت له: وما فائدة هذا القائد الذي تريد، إذا لم يكن له جنود؟ قال: إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.

قلت: إن هذا صحيح، ولكن المشكلة التي نعانيها ليست في عدم وجود القائد، بقدر ما هي في أنفسنا نحن ما زالت نفوس معظمنا خاوية، وما زالت الدنيا أكبر همنا ومبلغ علمنا .. وما لم نغير هذه النفوس فلن يمنحنا الله قائداً يقودنا للخلاص من هذا الواقع المر.

تذكرت عند هذا الحوار حديث ذلك الرجل الذي جاء متسائلاً لعلي بن أبي طالب وهو يقول: يا علي لماذا كثرت الفتن في عهدك، ولم تكن موجودة في عهد عمر - رضي الله عنه - فقال له علي بن أبي طالب - رضي الله عنه لأن عمر كان يعتمد على رجال مثلي وأنا أعتمد على رجال مثلك.

إن القائد بالرغم من أهميته إلا أنه لن يستطيع عمل شيء من غير جنود على مستوى المهمة التي هم بصددها ..

أبو خلاد

رؤية في استثمار طاقاتنا البشرية

رعاية المتميزين .. فريضة وضرورة

بقلم: علاء حسني المزين

صنفان بين البارزين ، بين البارزين من البشر في أي ميدان من ميادين الحياة صنفان، لا تخطئ العين حقيقتهما بشيء يسير من التفحص في حياة كل منهما.

فأولهما ذلك الصنف العصامي، الذي اعتمد . بعد الله تعالى - على نفسه، واستند إلى إمكاناته التي وهبه الله في الوصول إلى ما وصل إليه من مكانة، وما أنجزه من آمال، رغم ما أحاط به من ظروف معاكسة، وأجواء غير مستقرة، أما الصنف الثاني من أولئك المبرزين فهو الذي هيئت له سبل، ووفرت بين يديه ظروف أمكنته من حسن استغلال كفاءاته، وتحقيق طموحاته، بمعاناة أقل - نوعاً ما . من تلك التي عاناها الصنف الأول في مسيرته.

فالصنفان - إذن - لا يخلوان من استعدادات متميزة ومواهب غير عادية في الغالب، لكن الفرق بينهما يكمن في طبيعة الظروف التي تحرك فيها كل منهما، فصنف بدا لنا وكأنه ينحت الصخر بأظافره - كما يقال - ويكابد الأمرين، ويغالب إحباطات الظروف المثبطة حتى يبلغ ما كتب له، وصنف يجد من الوسائل والتيسيرات ما أعانه  على تحقيق ما أراد بكفاءة أعلى، وزمن أقل.

طريق أي الصنفين أقوم؟ : إن سؤالا منطقياً تبديه أذهاننا مباشرة بعد تلكم الخلاصة المسحية لواقع البشر في هذا المضمار أي الصنفين أجدر بأن يحتذى سبيله. ويقتدى به؟ وبمعنى آخر أيهما تصقل قدراته وإمكاناته بشكل أفضل يؤهله لأداء دور أكبر بكفاءة أعلى، فتكون طريقة إعداده أقوم، ونهجه أرشد وفي المحصلة التي تهم التربويين الإسلاميين إلى أي الأسلوبين ينبغي أن نميل في إعداد ذوي الكفاءات النوعية من شبابنا وناشئتنا ممن سيكونون بإذن الله عدة التغيير المرتقب، وحماته ومسيري حركته بل السؤال الأكثر عملية كيف تكون صياغة أسلوب الإعداد الأمثل في ضوء المستفاد من ذلك الاستقراء الواقعي؟

 العصامية خير.. ولكن.. مما لا شك فيه أن النوع العصامي الذي اعتمد على نفسه في شق طريقه إلى قمة مجتمعه غالباً ما يكتسب من خلال عصاميته، ومكابداته خصالاً أخلاقية حميدة من تلك التي تبنى في أحضانها أمجاد الأمم، وتشاد الدول، وتؤثل الحضارات من الاعتداد بالنفس والصبر والمثابرة، والجد والحزم والتقشف ونحوها، غير أنه لا ينبغي أن ننسى الجهد والوقت الذي استنفد في رحلته، وماذا كان يمكن أن يكون لو وفر قدراً من هذا الجهد وذلك الوقت، ولا ننسى كذلك أن من الكفاءات والمواهب ما قد لا يكتشفه المرء بنفسه ومن ثم فاعتماد ذلك الأسلوب وحده يفوت عليه فرصة الاستفادة بكل ما وهبه الله، كما لا ينبغي أن ننسى أنه بجوار تلك الأخلاق الكريمة التي تكسبها العصامية صاحبها، فقد يكتسب معها أخلاقاً غير حميدة نتيجة افتقاد التوجيه وتراكم مرارات المعاناة. 

توفير الرعاية أولى، وربما كنا نحن البشر الموسومين بضعف العزيمة في حاجة لأن نرى العصاميين بيننا من حين لآخر نستحيي بهم الهمم، ونستثير العزائم ممن فترت عزائمهم معاول الإحباط الداهمة.

غير أن السبيل الأمثل والأحزم بل الأوجب - فيما أرى . توفير الظروف المناسبة الضامنة لحسن استغلال الطاقات البشرية التي لا تقل في أهميتها - إن لم تزد - عن الطاقات الطبيعية التي حبانا الله بها، وكما لا يتمارى اثنان في أن توفير الظروف المادية لازمة ضرورية لانتفاعنا بمواردنا الطبيعية، والحيلولة دون إهدارها، فإنه بالمثل تبرز الضرورة الماسة ذاتها فيما يتعلق بالطاقات البشرية.

لماذا العناية بالمتميزين : إن الطاقات البشرية لأمة من الأمم هي كل أبنائها بغير ما تمييز، ومن ثم فإن الكثرة العددية لأي دولة هي مغنم في ذاته، غير أنها لا تكون مغنماً حقيقياً بمنظور استراتيجي، ومعاملاً من معاملات الرقي على سلم الحضارة إلا إذا تحولت عن طريق جهد تربوي منظم من مجرد أرقام عددية متراصة بلا فاعلية، وبلا نظام، إلى قيم نوعية منتظمة ذات أدوار واضحة في معادلة النمو الحضاري. فللشيوخ دور، والشباب دور وللمرأة دور كما للرجل دور، والمتميزين دور كما لأوساط الناس دور، بل حتى المتخلفين يعطون أدواراً مقدرة، فالجميع كخلية نحل تنتظمهم خطة عمل واحدة موحدة.

ولا ضير - ثمة - أن تحظى فئة المتميزين بمواهب خاصة من كل مجموعة سنية بعناية أكبر نوعاً من تلك التي يحظى بها سواد كل مجموعة، فهؤلاء المتميزين تتحرك القافلة في الاتجاه الصحيح، وهؤلاء المتميزين تدار المؤسسات الحضارية التي تضمن للأمة بقاءها واستقرارها، في مضمار الرقي الحضاري. هدي النبي ومنهج الأمة، لقد ظل الاعتناء بالنجباء ذوي التميز هدياً ثابتاً ملحوظاً في سيرة نبينا الله فيما عانيناه من رعايته لأصحابه، وبخاصة ذوي الكفاءات المتميزة منهم سياسية كانت أو اقتصادية أو عسكرية أو علمية، حتى ليمكننا أن نلمس نوعاً من التربية الخاصة المناسبة لكل صنف، ولقد أثمرت هذه التربية النبوية أينع الثمار متمثلة في هذه الكوكبة الفريدة التي عبقت بسيرتها تاريخ البشرية، واستحقت عن جدارة مقعد السيادة والريادة بين الأمم. بل إن مبدأ الاصطفاء والانتقاء الذي سارت الدعوة في بداياتها الأولى على أساسه ليعد إشارة مبكرة على وضوح هذا المبدأ الحيوي في الهدي النبوي القويم. وعلى هذا النهج - نهج العناية بالتميز والمتميزين.

سارت الأمة وبخاصة في فترات ازدهارها والرائع في الأمر أنه لم يكن مجرد توجه قيادة أو نخبة، ولكنه كان عقيدة في نفوس أغلب العامة، فرأينا من يوقف أوقافاً للإنفاق على العلماء أو علماء فئة خاصة ورأينا نجيباً فقيراً يدفعه إلى المقدمة أقرباء أثرياء، أما رعاية سابقي العلماء لمن يتوسمون فيهم مخايل النجابة، فقد بلغت حد الإنفاق على أسرة بكاملها ليرضى عائلها بتفرغ أحد أبنائه للعلم، ومن وراء ذلك كله خلفاء يقدرون أهمية التفوق والتميز في حياة الأمم، وبقاء الدول، فيولونه العناية اللائقة التي قد تصل إلى حدود المبالغة أحياناً. ولم يزل ذلك شأن الأمة في فترات قوتها وازدهارها، وحيثما افتقدت هذا الوعي الحضاري - أو أبرز معالمه - كانت تجري عليها السنة الإلهية الماضية من ذهاب الريح، وهوان الأمر. 

سر سبق الغرب، ومن المثير للأسف والتأمل معاً، أن تقرر أن الغربيين وقد وعوا عنا، فيما وعوا، هذا الأساس الركين من أسس تميزنا السالف، فقد بلغوا اليوم شأواً بعيداً في مجال استغلال الطاقات البشرية، ليس فقط عن طريق سرقة طاقات أمتنا العلمية فيما يعرف بهجرة العقول أو سرقة العقول - في الحقيقة - وإنما بالارتقاء بطاقات، وكفاءات المتميزين منهم منذ نعومة أظفارهم بأساليب علمية منتجة.

ولا شك في أن ذلك من أهم أسباب تفوقهم الراهن، وسبقهم لنا في مجالات العلم والتكنولوجيا وبناء مؤسسات الحياة المدنية المستقرة.

أين نحن من تلك الحقائق؟ إن هذه الحقائق البينة تاريخية، وواقعية، لتضعنا أمام السؤال الكبير أين نحن من ذلك كله؟ وبمعنى آخر إلى أي مدى استطعنا ترجمة خبراتنا التاريخية ومعارفنا النظرية إلى برامج عملية أو مؤسسية، إن التمكين على مستوى الأمة - وهو الأمل المنشود - أو على مستوى التجمعات المتحركة بهذا الدين إلى آفاق ولا شك في أن لدى الإسلاميين خلال خبرتهم التربوية الطويلة من الأوعية والمحاضن التربوية. فضلاً عن الأفكار والأساليب ما يمكن أن يكون له دور مهم في هذا الصدد، لا يقف عند حدود اكتشاف الحالة الشخص المتميز، ودعمها معنوياً. وإنما يمتد إلى توفير الظروف الموضوعية التي تذلل الصعاب، وتساعد في تحقيق الإنجاز المرغوب غير إن الطاقات المطلوب اكتشافها، ثم تعهدها بالرعاية لیست محصورة في مجالات العمل الدعوي والحركي على أهميتها، وإنما المقصود هنا كل الحاجة ماسة إلى مؤسسة تندب نفسها لاكتشاف الطاقات الموهوبة في شتى المجالات وتدريبها وتطويرها بما يخدم الأمة الطاقات المتميزة التي تحتاجها الأمة في عملية إعادة البناء الحضاري واستعادة عافيتها وذاتيتها المفتقدة، ومن ثم ريادتها وأستاذيتها في هذه الأرض. إن لدينا الكثير من المؤسسات التربوية الإسلامية من ثمرات مرحلة الصحوة اليانعة التي نعيشها على امتداد العالم الإسلامي، بل في أعماق المجتمع الغربي ذاته، فإلى أي مدى يجد هذا المعلم الإسلامي الحضاري، صداه في برامجها ومناهجها، وإني لأتساءل: أو لم يحن الوقت بعد للقيام بخطوة إيجابية على طريق التعاون البناء المثمر، وتبادل الخبرات في كل المجالات، وفي مقدمتها مجال رعاية المتميزين من أبناء الأمة الإسلامية في إطار خطة - جامعة - موحدة؟ إن الحاجة ماسة إلى مؤسسة تندب نفسها لهذه الثغرة، لتقف عليها فتقوم على هذه المهام الضخام نيابة عن الأمة، ولكم استبشرت بذلك المشروع الذي أعلنت عنه لجنة العالم الإسلامي التابعة لجمعية الإصلاح الاجتماعي بالكويت، وإنه الخطوة في الاتجاه الصحيح، ندعو الله أن تؤتي ثمارها، وأن تكون على مستوى الآمال الكبار

والتحديات الضخمة أداء وإنجازاً. 

المربي الأمل، وإذا كان الأمل ابتداء في میدان اكتشاف الطاقات المتميزة، وتوجيهها من بعد معقوداً بناصية المربي الحصيف ذي البصيرة النافذة، فإن إيجاد مثل هذا المربي في صفوف الإسلاميين، وفي مؤسساتهم التربوية، ضرورة

ملحة وفريضة أكيدة، وإني لأعجب إذ أقرأ بعض مناهج إعداد المربين، فلا أجدها تشتمل على أحدث ما انتجته الخبرة البشرية من أساليب في مجال اكتشاف وتقويم وتوجيه الموهوبين والمتميزين مع تدريبات عملية منهجية على هذه الأساليب، ليبلغ المربي فيها حد الإتقان المطلوب لا مجرد الإلمام العابر، فإذا أضيفت إلى شخصية المرء وخبراته مثل هذه الأساليب، فإنها ستكون رفداً وإثراء لرصيده الإيماني المميز، وطرائقه المعتبرة المقدرة من التفرس والاستبصار وغيرها مما يجعل رؤيته أوسع، وكفاءته أرفع. وتبقى نقطة لا بد من ذكرها في هذا الموضع، وهي أن المربي ليس هو المنوط وحده بعملية اكتشاف أو تطوير الطاقات وإنما المسؤولية مشتركة بين من يؤلف بينهم رباط الحب والأخوة، ففي مثل هذه الأجواء النقية، يكون كل امرئ عوناً لأخيه، وعيناً له تبصر ما لا يبصر لنفسه، وتكشف منه ما قد يخفى عليه، وكم من صاحب موهبة لم يعرف ما وهب إلا من نصيحة أخ ناصح محب، وكم من طاقة مبدعة اكتشفت في أنوار المحبة الزاهية، فالأخوة عامل فعال كذلك في هذا المجال، وكم لها من بركات وثمرات، وعلى كل، فالمربي الحكيم من وراء ذلك كله يصطنع الأجواء النقية والرجال الأنقياء !!

أمل للمستقبل، ومهمة للشباب : إن الشباب الإسلامي الطموح لخدمة أمته تتحرق نفسه شوقاً إلى دور فعال في ميدان الإصلاح الاجتماعي الإنهاض الأمة من كبوتها، وها هو ميدان فسيح للحركة والإنتاج.

فإذا استطاع الشاب المسلم أن يستنقذ من براثن الضياع شاباً ذكياً من أقرانه ليقفه في صفوف الذابين عن دين الأمة، العاملين لنهضتها فإنه بذلك يكون قد أنجز إنجازاً هائلاً، وإذا استطاع شاب أن ينصح أخاً له لاستثمار كفاءة أو موهبة لاحظ وجودها فيه، فقد أفاد وأحسن. وإذا استطاع أن يكون له مع أخيه ذاك دور أكبر بتقديم مزيد من الدعم والعون والمساندة بكل صورة ممكنة فقد أبلغ.

وإذا تجمع ثلة من الشباب الواعين في مدينة أو قرية في صورة وحدة تخصصية، تجعل همها ومشغلتها اكتشاف المتميزين من الأطفال والشبان ثم تعمل جاهدة لتوجيههم وإرشادهم بأساليب علمية سديدة إلى طرق تنمية مواهبهم، وتدعمهم بسبل الدعم الممكنة، لكانوا بهذا الجهد البناء يتحركون في اتجاه تحقيق شرط من شروط استنزال نصر الله المرتقب

مسؤولية تسع الأمة، وأخيراً يبقى تنبيه له أهميته، وهو ما يتعلق بحدود مسؤولية الحركة الإسلامية في هذا الصدد، إذ لا ينبغي أن تحصر اهتمامها في المتميزين ممن اختاروا الانتماء إلى صفوفها، بل عليها أن تفتح ذراعيها الحانيتين لتضم كل الطاقات المتميزة من أبناء أمتنا على اختلاف توجهاتهم ومشاربهم، ومن الضروري أن تبلور مشروعاً وخطة عمل تكفل الاستفادة بهذه الطاقات جميعاً وتوظيفها في مشروعها الحضاري الكبير..

أبو بكر الصديق وإدارة الأزمات:

  • حتى تعبير الرؤيا استخدمه الصديق رضي الله عنه في الدعوة إلى الله

  • كان أبو بكر رضي الله عنه . وحده جديراً بحمل صفة الصديقية، التي هي رتبة لا يعلوها إلا رتبة النبوة والرسالة، وذلك ما أهله لمزيد من القربى والمزيد من محبة الله ورسوله

بقلم: عبد السلام الهراس-  كاتب مغربي.

اشتهر - رضي الله عنه . بكنيته هذه، حتى إن غير المختصين لا يعرفون أن اسمه عبد الله بن عثمان واشتهر بكنية أبي قحافة وينتهي نسبه إلى تيم بن مرة، وأمه أم الخير سلمى بنت صخر وتلتقي زوجها في كعب بن سعد بن تيم بن مرة، ولقب أبو بكر بعتيق لحسن وجهه، أو لكونه عتيقاً من النار، طبقات ابن سعد ١٦٩/٩ - ۱۷۰ ، صحيح سنن الترمذي ۲۰۳/۳.

 وكان صديقاً لرسول الله صلي الله عليه وسلم قبل الإسلام، فعلم من صدقه وأمانته وحسن سجاياه وكرم أخلاقه وبعده عن حياة الجاهلية وبدعها ما يمنعه من الكذب لذلك لما نزل الوحي على الرسول الكريم من ربه الأكرم، بدأ دعوته بأقرب الناس إليه أهل بيته خديجة وعلي وأسامة وصديقه أبي بكر رضي الله عنهم جميعا.

فكان - رضي الله عنه - أول من أسلم من الرجال الأحرار، ولم يتردد في الاستجابة لدعوة صديقه النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال في حقه - رضي الله عنه - : «ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت عنده كبوة وتردد ونظر إلا أبا بكر ما عكم عنه حين ذكرته ولا تردد فيه» البداية ٢٧/٣.

 وجاء في صحيح البخاري أن رسول الله صلي الله عليه وسلم  قال: إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت، وقال أبو بكر: صدق... ۳۷/۹.

وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن أبا بكر قال - ولعل ذلك بمناسبة السقيفة - : ألست أحق الناس بها ألست أول من أسلم... الترمذي ٢٠/٣ البداية ۲۷/۳، وانظر ص : ۲۸، وصفوة الصفوة ٢٣٦/١.

عندما أسلم أبو بكر أظهر إسلامه وانطلق يدعو إليه، وقد أعانه على نجاحه في دعوته أنه كان تاجراً ذا خلق معروف وكان رجال قومه يحترمونه ويكثرون الاتصال به لخصاله الحميدة ولكونه متألفاً لهم محبا سهلاً صادقاً في تجارته حسناً في مجالسته، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بما كان فيها من خير وشر ابن هشام ۲۸۸/۱ البداية ٢٩/٣، الطبري ٢١٥/١.

قد أهله خلقه الكريم، وحسن معاملته التجارية والروابط الطيبة بمن يتعامل معه وكونه مألوفاً لهم محبباً وسهلاً في التجارة، وكونه عالماً بأنساب قريش يعرف خيرهم وشرهم، وعلى وعي بمن هو قريب إلى الفطرة والاستجابة للدعوة مع صدقه وإخلاصه وتفانيه وصبره أهله ذلك ليكون أول داعية للإسلام من صحابة رسول الله  صلى الله عليه وسلم، وقد اتجه في دعوته إلى اتجاهين الاتجاه الأول اختياره للوسط القرشي العريق السليم من الأغراض القريب من الفطرة والمنطق.

الاتجاه الثاني اختياره لوسط الفقراء والعبيد والمظلومين من غير القرشيين. وقد أصاب نجاحاً باهراً في المجالين معاً. فأسلم على يديه عثمان بن عفان، والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله، فجاء بهم إلى رسول الله  صلي الله عليه وسلم  حين استجابوا له فأسلموا وصلوا. قال ابن إسحاق فكان هؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا الناس بالإسلام فصلوا وصدقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما جاءه من الله سيرة ابن هشام ۲۸۹/۱.

ثم تتابع الدخول في الإسلام فكان من أهم من أسلم أبو عبيدة بن الجراح، وأبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد، والأرقم بن أبي الأرقم، وسعيد بن زيد وزوجه فاطمة بنت الخطاب، وأسماء وعائشة وعبد الله بن قيس بن حارثة، وصهيب الرومي وخباب بن الأرت، وعبد الله بن مسعود، ونعيم بن عبد الله النحام، وعمار بن ياسر وأمه ووالده وغيرهم.

ومن الملاحظ أن أهم عناصر عشائر قريش سارعت إلى الإسلام، مع عناصر عربية أخرى، كما أسلم جماعة من العبيد كبلال، وعامر بن فهيرة وقصة بلال من أروع ما يحكى كما هو مبسوط في كتب السيرة. وقد اشتراه أبو بكر وهو مدفون في الحجارة الحارة في يوم شديد القيظ يعذبه جاهلي فظ بخمس أواق ذهباً، فقال له البائعون: لو أبيت إلا أوقية لبعناك، فرد عليهم بقوله: لو أبيتم إلا مائة أوقية لأخذته، وكان أبو بكر يملك يوم أسلم أربعين ألف درهم، فكان يعتق منها ويقوي المسلمين، وظل كذلك حتى قدم المدينة بخمسة آلاف درهم، ثم كان يفعل فيها ما كان يفعل بمكة ۱۷۲/۹ طبقات ابن سعد.

وقد أعتق أبو بكر سبعة رقاب: بلالاً، وعامر بن فهيرة، وأم شميس، وزئيرة، والنهدية، وابنتها  وجارية لعمر بن الخطاب، وكان يعذبها إبان إشراكه، صفة الصفوة ٢٣٦/١.

وقد حاول والده أن ينصحه بأن يتوخى الأقوياء دون الضعفاء، فقال له: إني أراك تعتق رقاباً ضعافاً، فلو أنك إذ فعلت ما فعلت أعتقت رجالاً جلداً يمنعونك ويقومون دونك، فقال أبو بكر رضي الله عنه، يا أبت إني إنما أريد ما أريد لله عز وجل. فقيل: إنه نزلت فيه الآيات :

﴿فَأَمَّا مَنۡ أَعۡطَىٰ وَٱتَّقَىٰ  وَصَدَّقَ بِٱلۡحُسۡنَىٰ فَسَنُیَسِّرُهُۥ لِلۡیُسۡرَىٰ وَأَمَّا مَنۢ بَخِلَ وَٱسۡتَغۡنَىٰ وَكَذَّبَ بِٱلۡحُسۡنَىٰ فَسَنُیَسِّرُهُۥ لِلۡعُسۡرَىٰ وَمَا یُغۡنِی عَنۡهُ مَالُهُۥۤ إِذَا تَرَدَّىٰۤ إلى آخر سورة الليل). (الليل: ٥-١١) سيرة ابن هشام ٦٨/٢، البداية ٥٨/٣ ويروى أنه لما بلغ المسلمون ثمانية وثلاثين رجلاً ألح أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهور فقال: يا أبا بكر إنا قليل، فلم يزل أبو بكر يلح حتى ظهر رسول الله وتفرق المسلمون في نواحي المسجد، كل رجل في عشيرته، وقام أبو بكر في الناس خطيباً ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، فكان أول خطيب دعا إلى الله جهرة، فثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين، فضربوهم في نواحي المسجد ضرباً شديداً، ونال أبا بكر من ذلك حظاً أشد، ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفتين ويجرفهما لوجهه، ونزا على بطنه حتى ما يعرف بطنه من كتفه، ولولا بنو تميم الذين جاؤوا يتعادون لإنقاذه لهلك، فحملوه في ثوب حتى أدخلوه منزله ولا يشكون في موته، ثم رجعت بنو تميم فدخلوا المسجد وقالوا: والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة بن ربيعة، فرجعوا إلى أبي بكر فجعل أبو قحافة وبنو تميم يكلمون أبا بكر حتى أجاب فتكلم آخر النهار، لكن أول كلمة صدرت منه لم تتعلق بصحته ولا بأهله ولا بماله، ولكنها تعلقت برسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ سأل عن حبيبه رسول الله  صلى الله عليه وسلم،  فقال: ما فعل رسول الله؟ فمسوا منه بألسنتهم وعذلوه، ثم قاموا، وطلبوا من أمه أن تحاول إطعامه أو سقيه شيئاً، فلما خلت به ألحت عليه فلم يجبها لذلك، وإنما أعاد السؤال: ما فعل رسول الله ؟ فقالت: والله ما لي علم بصاحبك، فقال: اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب أخت عمر بن الخطاب فاسأليها عنه، فخرجت حتى جاءت أم جميل فقالت: إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله؟ فقالت: - متجاهلة .. ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله وإن أردت أن أذهب معك إلى ابنك فقالت: نعم فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعاً مشرفاً على الهلاك، فدنت منه وأعلنت بالصياح، وقالت: والله إن قوماً نالوا هذا منك لأهل فسق وكفر. وإني لأرجو أن ينتقم الله لك منهم، فقال لها : ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم،  فأجابته بكل حذر واحتياط هذه أمك تسمع - ولم تكن أسلمت بعد - قال: فلا شيء عليك منها، قالت: سالم صالح.

قال: أين هو؟ قالت: في دار ابن أبي الأرقم قال: فإن لله علي ألا أذوق طعاماً أو أشرب شراباً حتى آتي رسول الله  صلى الله عليه وسلم، وأصر على ذلك، لكن أمه وأم جميل لم تتسرعا في حمله إلى رسول الله حتى هدأت الأزمة وسكن الناس، حينئذ خرجنا به يتكئ عليهما حتى أدخلتاه على رسول الله فأكب عليه رسول الله  صلى الله عليه وسلم،  فقبله وأكب عليه المسلمون ورق له الرسول صلى الله عليه وسلم رقة شديدة واغتنمها أبو بكر فرصة ثمينة وقال: بأبي أنت يا رسول الله ليس بي بأس إلا ما نال الفاسق من وجهي، وهنا نجد أبا بكر رضي الله عنه . وهو في تلك الحالة يغتنم الفرصة لتتحول أمه إلى الإسلام، فقال للرسول : وهذه أمي برة بولدها وأنت مبارك فادعها إلى الله وادع الله لها، عسى الله أن يستنقذها بك من النار.

فدعا لها رسول الله  صلى الله عليه وسلم،  ودعاها إلى الله فأسلمت، وهذا يدل على مدى تغلغل هم الدعوة في أعماق أبي بكر، فقد رأيناه وهو منهوك القوى بسبب الضرب المبرح الذي أوقعه به عتبة بن ربيعة يستميل أمه إلى الإسلام، وينتهز فرصة حدبها عليه وإشفاقها على مصيره وحضورها عند رسول الله ومشاهدتها مدى الحب والعطف الذي يوليه رسول الله وأصحابه لأبي بكر، ليسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو لأمه بأن تسلم ويدعوها للإسلام وكذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم،  فما لبثت أن استجابت لدعوته، فعاد الابن البار مسروراً بإسلام أمه التي زادت سروراً بولدها .

في هذه المرحلة كان قد أسلم تسعة وثلاثون رجلاً، ويبدو أن النساء كن في مثل هذا العدد أو أقل بقليل.. ثم أسلم حمزة وعمر بن الخطاب وأبو ذر وغيرهم، البداية ٣٧/٣.

كان إيذاء قريش لرسول الله ولصحابته مدعاة لنشر دعوة الإسلام في مكة وخارجها، وقد تجرأ بعضهم على رسول الله  صلى الله عليه وسلم،  فأخذ بمجمع ردائه، فقام أبو بكر - رضي الله عنه . دونه، وهو يبكي ويقول: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله سيرة ابن هشام ٣٤/٢ونرى أبا بكر - رضي الله عنه - عندما اتصل به خالد بن سعيد بن العاص وقص عليه رؤياه التي رآها، وملخصها أنه رأى نفسه أنه وقف به على شفير النار، وكأن دافعاً يدفعه فيها، ورأى رسول الله  صلى الله عليه وسلم،  آخذًا بحقويه (كشحيه) حتى لا يقع فيها. ففزع من نومه مدركاً أنها رؤيا حق، وهكذا عبرها له أبو بكر بأن ذلك الذي كان ينقذه هو رسول الله وسرعان ما اقتنع الرجل وذهب معه إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلم،  فأسلم البداية ٣٢/٣ وهذه صفة أخرى من صفات أبي بكر - رضي الله عنه - استعملها في الدعوة إلى الله، وليس تعبير الرؤيا أمراً ميسوراً، لأنه يحتاج إلى العلم والتقوى والفراسة والمعرفة بأحوال النفوس والأرواح.

الهجرة إلى الحبشة:

اشتد الأذى بالمسلمين اشتداداً لم يطقه إلا أولو العزم من صحابة رسول الله  صلى الله عليه وسلم، .

قال ابن إسحاق: فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم،  ما يصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية بمكانه من الله ومن عمه أبي طالب، وأنه لا يقدر أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد. وهي أرض صدق يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله إلى أرض الحبشة. وكان أبو بكر ممن أزمع الهجرة إلى الحبشة بعد أن أذن له رسول الله وفيما هو في طريق خروجه إليها لقيه ابن الدغنة - وهو سيد حلفاء بني زهرة - وذلك في موضع يقال له «برك الغماد» على خمس ليال من مكة إلى الجنوب جهة اليمن، فلما علم قصده، ثناه عن الهجرة والخروج من بلده وقال له: ارجع إلى مكة واعبد ربك ببلادك وأنا لك جار، فرجع أبو بكر في جوار ابن الدغنة الذي أعلن ذلك أمام الملأ من قريش، فوافقت قريش على ذلك شريطة أن يعبد ربه في داره ولا يستعلن. التزم أبو بكر بالشرط، إلا أنه - رضي الله عنه .

وهو الداعية الأول من الصحابة - صار يبلغ الدعوة إلى الله بأسلوب مناسب لا يناقض الشرط، وفي الوقت نفسه لا يحد من الدعوة إلى الإسلام، قالت عائشة وكان لأبي بكر مسجد عند باب داره في بني جمع فكان يصلي فيه وكان رجلاً رقيقاً إذا قرأ القرآن استبكى، فيقف عليه الصبيان والعبيد والنساء، وبذلك صار يؤثر فيمن يسمعه وينصت لقراءته، فخافت قريش على صبيانها ونسائها وعبيدها، وهم أقرب إلى الفطرة والبراءة والتجاوب مع الحق والتأثر به فأسرعت قريش إلى ابن الدغنة مطالبة إياه أن يمنع أبا بكر من قراءة القرآن بهذا المكان المكشوف والمرئي المسموع، وليلزم بيته فمشى إليه المجير وبلغه ما تقول قريش، وقال له: إني لم أجرك لتؤذي قومك، فادخل بيتك واصنع فيه ما شئت فرد عليه أبو بكر - رضي الله عنه -: أو أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله، قال ابن الدغنة: فاردد علي جواري، فرد عليه أبو بكر جواره، وخرج ابن الدغنة ليعلن ذلك على الملأ من قريش.

موقفه من الإسراء والمعراج:

كان ذلك ليلة السابع والعشرين من رجب الفرد فقد أسرى الرب بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ليريه من آياته، كما عرج به في الليلة نفسها من الأرض إلى السموات العلا، وإلى سدرة المنتهى، وكان في هذه الرحلة العظيمة من الأسرار والأنوار والحكم والأحكام ما لا يحصيه عد . لقد كان الإسراء والمعراج من أعظم المكرمات التي أكرم الله بها عبده وأمته الإسلامية، ومن المعجزات الباهرات والآيات البينات لصاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم، وفي الآن نفسه كان اختباراً لإيمان الناس ومدى ثقتهم برسول الله وارتباطهم بربهم الذي آمنوا به وفتنة للناس حتى يثبت من يثبت ويسقط من يسقط، وبهذا الاختبار والتمحيص يتلاشى الزبد ويذهب جفاء، ولا يمكث في الساحة إلا ما ينفع الدعوة من الرجال والنساء.

قال تعالى ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ  (الإسراء : ٦٠).

فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر قريشاً بالإسراء والمعراج وبما شاهد وعاين هنا وهناك. فكذبته زعامة قريش وأتباعها، ووجدوها فرصة للنيل من صدق نبوته وإشاعة الأقاويل عنه. فصادفوا ضعفاً في بعض النفوس المهزوزة التي ارتدت عن الإسلام وأدبرت عن الحق، إذ لم يكن إيمانها ثابتاً ولا يقينها راسخاً، لكن المؤمنين الراسخين الصادقين الذين عرفوا محمداً وخبروا صدقه قبل البعثة وبعدها، ازدادوا إيماناً ويقيناً، وفي مقدمتهم أبو بكر الصديق، الذي أحاط به المشركون وحاولوا إقامة الحجة على أن رسول الله ادعى ما لا يستطاع، وما لا يكون في مقدور بشر ناسين أن الأمر هنا أمر الله القادر الفعال لما يريد. فرد عليهم أبو بكر - رضي الله عنه .. لئن قال ذلك لقد صدق» قالوا: أو تصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح فقال: نعم، إني لأصدقه بما هو أبعد من ذلك، أصدقه في خبر السماء في غدوة أو روحة.. فاستحق بذلك - رضي الله عنه - لقب الصديق. إن هذا التصديق بهذا العمق وبتلك القوة والثبات لهو عين اليقين وحق اليقين بل ويقين اليقين لذلك كان أبو بكر - رضي الله عنه - وحده جديراً بحمل صفة الصديقية، التي هي رتبة لا يعلوها إلا رتبة النبوة والرسالة، وذلك ما أهله لمزيد من القربى ولمزيد من محبة الله ورسوله..

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 28

470

الثلاثاء 22-سبتمبر-1970

لعقلك وقلبك - العدد 28

نشر في العدد 49

135

الثلاثاء 02-مارس-1971

التخطيط للهجرة