العنوان المجتمع التربوي: (العدد: 1234)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 14-يناير-1997
مشاهدات 113
نشر في العدد 1234
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 14-يناير-1997
وقفة تربوية
النظرة السوداوية
يقول الرسول- صلى الله عليه وسلم-: «من قال هلك الناس فهو أهلكهم» رواه مسلم.
يشير النبي- صلى الله عليه وسلم-: إلى فئة من الناس يكثرون من ذكر عيوب الآخرين، ولا يرون في المجتمع إلا العيوب، ولا ينظرون إلى فئات المجتمع إلا من خلال النظرة السوداوية، فلا تسمع في مجالسهم إلا لغة اليأس من المجتمع، فالحكومة سيئة ومؤسساتها لا يرجى لها الشفاء، وأفراد المجتمع فاسدون جهلة، وأحوال البلد من سيئ إلى أسوأ.
إن الداعية الحق هو الذي ينظر إلى مجتمعه نظرة تفاؤل وأمل وثقة بالله وبأحاديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم-المبشرة ببقاء طائفة من أمته على الحق لا يضرهم من خالفهم إلى يوم القيامة.
وهو الذي ينظر إلى مساحات الخير ومساحات الخير ومساحات الشر بعين واحدة، ولا يقصر نظره على مساحات الشر حتى لا يصيبه اليأس، فمن تعود على النظرة السوداوية، فإنما ذلك يدل على يأسه من رحمة الله تعالى، وعلى تعاليه وعجبه بأعماله، واحتقاره لأعمال الآخرين لذلك قال عنه النبي: «فهو أهلكهم»، إشارة وتأكيدًا على التفاؤل، وترك النظرة السوداوية، فمازال في مجتمعاتنا الإسلامية الكثير من جوانب الخير والكثير من مساحات الخير، والفاشل هو الذي لا يرى تلك المساحات فيؤثر الانغلاق والاعتزال يأسًا من الإصلاح.
أبو خلاد
﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ (البقرة ١٨٤).
• إذا كان الله قد أجاز الفطر عند الضرورة رحمة بعباده.. فإن الواجب على المفطر بدون عذر ألا يجاهر بفطره لأنه أشد جرمًا
بقلم أ. د. محمد الدسوقي ([1])
عنوان هذه الكلمة جزء من اية كريمة من آيات الصيام في القرآن هي: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ۚ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (184)﴾ (البقرة ١٨٤) وهذه الآية قد بينت بعض الأعذار المبيحة للإفطار في رمضان وهي كما ذكرت الآية:
١- المرض. ٢- السفر. ٣- عدم استطاعة الصوم إلا بمشقة شديدة.
وهذه الأعذار تؤكد أن الغرض من الصيام ليس تعذيب الأجسام بالجوع والعطش ولكن السمو النفسي والشعوري وتوثيق روابط الإخاء بين المؤمنين بالقرآن.
وأما العذر الأول وهو المرض، فليس في الآية بيان لنوعيته أو درجته، فهو مطلق غير مقيد، ومن ثم يذهب كثير من الأئمة إلى أن مطلق المرض لا يجوز معه الإفطار، وإنما يرخص الإفطار مع المرض الذي يشق على الصائم، أو يثبت أن الصوم يزيد المرض أو يبطئ الشفاء، ويعلم ذلك بقول طبيب ثقة من المسلمين.
وإذا كان المريض في حالة لا يطيق معها الصوم بحال، فعليه الفطر واجبًا، على حين أنه إذا كان في حالة يقدر معها على الصوم فيستحب له الفطر ولا يصوم إلا جاهل كما يقولون[2]، وهذا إذا لم يترتب على الصوم زيادة المرض أو تأخر الشفاء، فالفطر في هذه الحالة واجب لأن لبدنك عليك حقًّا.
التشديد على النفس:
وهنا تجدر الإشارة إلى أن من المسلمين من تدفعهم الغيرة الدينية أو الاعتقاد بأن الفطر مع المرض الشديد لا يجوز حتى مع إخبار الطبيب المسلم الثقة. هؤلاء يشددون على أنفسهم ولا يأخذون بما أباحه الله لهم، والمسلم يؤمن بأن الله تبارك وتعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه أي أن المولى جل جلاله يحب من عبده أن يحافظ على ما تفضل به عليه من التيسير والترخيص كما يحب منه أن يحافظ على ما فرض عليه من الفرائض والواجبات ولكن بعض المسلمين يرون في الفطر مع المرض الشديد جريمة نكراء فهم يصرون على الصيام ولا يأبهون بنصح طبيب أو إرشاد خبير وما دروا أن الله يثيب على إتيان الرخص كما يثيب على إتيان العزائم وهذا فضل من الله ورحمة والله ذو الفضل العظيم.
وقد حدثني بعض الإخوة أنه في المستشفيات العامة والخاصة يواجه الأطباء متاعب كثيرة من بعض المرضى لأن هؤلاء يصرون على الصيام وطبيعة المرض تفرض الفطر وتعاطي الدواء في فترات زمنية محددة ليلًا ونهارًا، وكم جنى مريض على نفسه لإصراره على مخالفة نصح الأطباء ح ومع احترام الدافع النفسي والاعتقادي لهؤلاء المرضى، فإنهم بما يفعلون قد تجاوزوا حدود القصد والاعتدال وشددوا على أنفسهم ولن يشاد أحد هذا الدين إلا غلبه، كما يقول رسولنا الكريم، فعلينا بالسداد والتوسط ونفي الحرج، وإعطاء كل ذي حق حقه.
رخصة السفر:
وأما السفر فهو رخصة تبيح الإفطار كذلك. وكما جاء المرض في الآية الكريمة مطلقًا جاء السفر أيضًا مطلقًا، ومن ثم يشمل الطويل والقصير وسفر الطاعة والمعصية، ولهذا ذهب أكثر الفقهاء إلى أن مطلق السفر لا يجوز معه الإفطار، وإنما يجوز مع السفر المباح ومع السفر الذي تقصر فيه الصلاة.
وقد روى ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: خرج رسول الله من المدينة إلى مكة فصام حتى بلغ عسفان قرية بين مكة والمدينة، ثم دعا بماء فرفعه إلى يديه ليريه للناس، فأفطر حتى قدم مكة وذلك في رمضان، فكان ابن عباس يقول: قد صام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفطر، فمن شاء صام ومن شاء أفطر[3].
وقد ورد أن الصحابة كانوا يسافرون مع النبي صلى الله عليه وسلم منهم المفطر ومنهم الصائم لا يعيب أحد على الآخر، وأنه عليه السلام كان يأمرهم بالإفطار عند توقع المشقة أو فوت واجب كالاستعداد للجهاد مثلًا، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سافرنا مع رسول الله إلى مكة ونحن صيام قال: فنزلنا منزلًا فقال رسول صلى الله عليه وسلم: «إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم، فكانت رخصة، فمنا من صام ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلًا آخر فقال لنا إنكم مصبحو عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا» وكانت عزمة فأفطرنا ثم قال: لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر[4] .
ويؤخذ من الحديث وجوب الفطر في السفر عند الضرورة مثل الجهاد والمشقة التي لا يقوى الصائم معها على الصيام، ولهذا يقول بعض الفقهاء بأفضلية الصوم للمسافر يقدر إن كان عليه من غير مشقة.
وعلى المرضى والمسافرين إذا أفطروا أن يصوموا في أيام أخر بقدر ما أفطروا وليس عليهم فدية ولا كفارة وهذا الصريح قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (البقرة ١٨٤).
وأما العذر الثالث فهو خاص بهؤلاء الذين لا يقدرون على الصيام إلا بمشقة شديدة بسبب مرض مزمن أو شيخوخة متقدمة هؤلاء لهم الإفطار وليس عليهم إلا فدية يؤدونها.
وهذا العذر هو ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ (البقرة:١٨٤)، والعلماء في تفسير هذا الجزء من الآية عدة أراء ولكن أهمها ما أخذ به جمهور المفسرين والفقهاء، وهو رأي ينطلق من المفهوم اللغوي لكلمة «يطيقونه»، فالكلمة تستعمل في اللغة حيث يجد الإنسان في الشيء جهدًا ومشقة غير عادية.
قال الراغب في المفردات في غريب القرآن- الطاقة أسم المقدار ما يمكن للإنسان أن يفعله بمشقة وذلك تشبيه بالطوق المحيط بالشيء. فقوله: ما لا طاقة لنا به أي ما يصعب علينا مزاولته وليس معناه ما لا قدرة لنا به، ولهذا يقال: هو يطيق حمل قنطار من الحديد ولا يقال هو يطيق حمل ريشة أو نواة، ومثل يطيق في هذا يجتهد، فلا يقال هو يجتهد في الشيء إلا إذا كان يبذل فيه جهدًا ومشقة.
وعلى هذا يقال للشيخ الهرم والضعيف البنية الهزيل الجسم وللمريض بالمرض المزمن هم يطيقون الصوم، أي يحتملونه بجهد ومشقة غير عادية للملابسات التي تحيط بهم، ولا يقال للسليم المقيم الذي لا تحيط به ملابسات ضعف أو مرض هو يطيق الصوم لأنه لا يجد فيه مشقة غير عادية.
فالذين يطيقون الصوم هم الذين يستطيعون أن يصوموا، ولكن بمشقة شديدة ولا رجاء لهم في أيام مستقبلة فعذرهم دائم ومن رحمة الله وحكمته أنه فرق بين من يحرجهم الصوم العذر وقتي وبين ت من يحرجهم الصوم العذر مستمر، فأوجب على- الأولين القضاء وأوجب على الآخرين الفدية فحسب، وقد روى عن ابن عباس[5] قال: رخص بـ للشيخ الكبير أن يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينًا ولا قضاء عليه، وروي عنه أيضًا أنه قال: وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ليست بمنسوخة: هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن ويصوما، ولهما أن يطعما في كل يوم مسكينًا.
ضمير الإنسان:
على أن هناك مسألة تجدر الإشارة إليها من وهي أنه من كانت طبيعة عملهم تقتضي مشقة أو جهدًا متصلًا مثل عمال المصانع أو المناجم- وسائقي السيارات والقطارات، فهؤلاء بحكم – الفهم لهذا العمل، ويحكم أنه بالنسبة لهم يعد عملًا عاديًّا، ومن ثم لا يجوز لأمثال هؤلاء الإفطار، ومع هذا يرجع الأمر إلى ضمير الإنسان؛ لأن الأعذار المبيحة للإفطار إنما ترجع في اعتبارها أعذارًا حقيقية إلى الصائم وضميره، فهو الذي يدرك تمام الإدراك متى يكون مضطرًا إلى الإفطار ومتى لا يكون والصائم الذي يرجو من وراء صيامه طاعة ربه وسمو روحه ونفسه وتهذيب خلقه وسلوكه لن يفرط أو يهرب من أداء هذه الفريضة أخذًا بأسباب ليس لها قوة التأثير في قدرته وإن كانت من الناحية الشكلية أسبابًا نصبها الشارع أعذارًا تبيح الإفطار، وذلك لأنه يؤمن بأن الله العليم الخبير لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء...
والخلاصة أن المؤمنين على أقسام في الصوم:
الأول: المقيم الصحيح القادر على الصوم بلا ضرر يلحقه ولا مشقة ترهقه، والصوم واجب عليه حتمًا.
الثاني: المريض والمسافر ويلحق بهما الحامل والمرضع، ويباح لهما الإفطار مع وجوب القضاء لأن من شأن المرض والسفر التعرض للمشقة العارضة، فإذا تعرضا للضرر بالفعل ظنا ظنًّا قويًّا بأن الصوم يضرهما وجب الإفطار.
الثالث: من يشق عليه الصوم لسبب لا يرجى زواله كالهرم والمرض المزمن الذي لا يرجى برؤه هؤلاء لهم أن يفطروا ويطعموا بدلًا عن كل يوم مسكينًا[6].
وإذا كان الله سبحانه قد أجاز الفطر عند الضرورة رحمة بعباده، ودلالة على أن ما افترضه عليهم إنما هو لمصلحتهم؛ لأنه إن أدى في بعض الحالات إلى ضرر أو خطر حرم إتيانه، فأي عذر لهؤلاء الذين يتباهون بالفطر، وهم أصحاب قوة وفتوة، وليسوا على سفر، وإذا دعوا إلى مراعاة شعور غيرهم من الصائمين ليخفوا إفطارهم «وإذا بليتم فاستتروا» تشدقوا بكلمات الحرية والرجعية والتقدمية.
إن الصيام كما هو معلوم سر بين العبد وريه، فلا يعلم الصائم من المفطر إلا الله، فليتق الله من يجاهرون بالإثم، فقد أضافوا إلى وزي الإفطار وزر المجاهرة والعلانية وهو أشد جرمًا لأنه ينبئ عن استهانته بما كتب الله ويغري الضعفاء والناشئة بانتهاك حرمات الله.
وإلى هؤلاء الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أذكرهم بما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالصوم فإنه لا مثل له»[7] (۷) و«من أفطر يومًا من رمضان من غير عذر ولا مرض لم يقضه صيام الدهر وإن صامه»[8]
شهر رمضان.. ميدان الجهاد ضد شهوات النفس الإنسانية
● ليكن شهر رمضان فرصة- للانشغال بالنفس ومحاسبتها- على أداء التقصير في- الواجبات وفعل الخيرات.
● لنفر إلى الله قبل فوات الأوان وندعوه دعاء المضطر المشرف على الغرق الذي لا ينجيه إلا التعلق بحبل الله- سبحانه وتعالى.
بقلم: د. مجدي الهلالي
ها هي ذي الأيام تمضي ويهل علينا شهر رمضان بخيره وبركته، فهل سنفاجأ بقدومه أم أننا قد أعددنا العدة لاستقباله؟ فالسعيد منا من رتب أوراقه وهيأ نفسه للاستفادة من هذا الشهر المبارك من أول يوم يهل علينا فيه، ولم لا ومعظمنا يشكو- من ضعف إيمانه وقسوة قلبه، فالسجدة بلا روح، والصلاة بلا خشوع، وآيات والقرآن تقرأ بلا تدبر.
لقد شغلتنا الدنيا عن الآخرة وأحاطت بنا مباهجها وزخارفها، ومن رحمة الله وفضله علينا أن جعل لنا في هذه الدنيا محطات نقف فيها مع أنفسنا لنحاسبها على تقصيرها في جنب الله، ولنقوي فها إيماننا ونجلو الصدأ من على مرآة قلوبنا. ومن هذه المحطات الرئيسية.. شهر رمضان
يقول صلى الله عليه وسلم: «رغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم أنسلخ قبل أن يغفر له... » الحديث[9].
فمن لم يغفر له في رمضان فمتى يغفر له؟! أيغفر له وهو غارق في بحر الدنيا بعيد عن الآخرة أم يغفر له وهو يلهث وراء الدرهم والدينار وطلبات الزوجة والأولاد؟
نحن لا نتأله على الله، ولكن للمغفرة أسبابًا. ولدخول الجنة تكاليف، فليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، ولقد بينت الكثير من الآيات والأحاديث أن للجنة ثمنًا لابد أن يوفى ممن يريد دخولها، يقول تعالى: ﴿۞ وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) (آل عمران: 133-135).
فهل من مشمر للجنة؟
يقول صلى الله عليه وسلم: «ألا هل من مشمر للجنة، فإن الجنة لا خطر لها، هي ورب الكعبة نور يتلألأ. وريحانة تهتز وقصر مشيد، ونهر مطرد، وثمرة نضيجة، وزوجة جميلة، وحلل كثيرة، ومقام في أبد في دار سليمة، وفاكهة وخضرة وحبرة ونعمة في حلة عالية بهية، قالوا: يا رسول الله نحن المشعرون لها، قال: قولوا إن شاء الله، قال القوم إن شاء الله»[10].
إن دخول الجنة يحتاج منا بعد التعلق برحمة الله كثيرًا من المجهود تبذله في طاعة الله، ولم لا وما هي إلا أيامًا معدودات نمكنها في هذه الحياة الدنيا، ثم يعقبها سنوات طوال في ظلمة القبور، ثم البعث والحساب، ودخول إحدى
الدارين: الجنة أم النار.
ليتخيل كل منا الندم والحسرة التي تملأ قلوب الغافلين عندما يتعرضون للحساب الرهيب جزاء تقصيرهم في عبادة خالقهم ومولاهم. يقول تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (113) قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ۖ لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (114) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115)﴾ (المؤمنون: 113-115).
نحن لا زلنا في الدنيا، والفرصة سانحة أمامنا للتزود لما بعد الموت، وها هو شهر رمضان يدعونا لذلك، فهيا بنا نشمر عن سواعدنا ونهجر فراشنا ونوقظ أهلنا وترفع راية الجهاد ضد أنفسنا ورغباتها وشهواتها.
هيا نتواص بالاجتهاد في فعل الخيرات:
فلنعمل على:
- المحافظة التامة على أداء الصلوات الخمس في المسجد، ولتبكر في الذهاب إليه، ولننتظر الأذان، ولتشهد تكبيرة الإحرام، ولنتذكر أن من صلى أربعين يومًا في المسجد لا تفوته تكبيرة- الإحرام، كتبت له براءة من النار وبراءة من النفاق ورمضان فرصة عظيمة نحو تحقيق ذلك.
- إحياء السنن التي كثيرًا ما ننشغل عنها طوال العام مثل: الجلوس في المسجد بعد صلاة الفجر حتى شروق الشمس نذكر الله ونقرأ القرآن، والمحافظة على أذكار الصباح والمساء وأذكار الأحوال، وصلاة الضحى، واتباع. الجنائز، واستعمال السواك وانتظار الصلاة وترديد الأذان والتبكير لصلاة الجمعة.
- ختم القرآن أكثر من مرة فرمضان شهر القرآن قال تعالى ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ ﴾ (البقرة:185).
فنختم القرآن مرة في البيت مع الزوجة والأولاد، ومرة في المسجد، ولو أتيحت لنا فرصة أداء العمرة وزيارة مسجد النبي الله فلتكن لنا ختمة في الحرم النبوي، وأخرى في المكي، فلقد كان السلف يضيف إلى مناقب الشخص عدد مرات ختمه للقرآن في الحرم النبوي وفي الروضة الشريفة وفي الطواف حول الكعبة.
- مراجعة المحفوظ من القرآن فمعظمنا نسي الكثير مما حفظه، ورمضان فرصة عظيمة لاستعادته، فليضع كل منا لنفسه خطة لذلك. وليتذكر أن صاحب القرآن يقال له يوم القيامة: اقرأ ورتل وارق، كما كنت ترتل في الدنيا، فمنزلتك عند آخر آية تقرؤها، ولنتذكر جميعًا أن من ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب.
- المحافظة التامة على صلاة التراويح ولنبكر في الذهاب إلى المسجد ولنصل في الصفوف الأولى، ولنجتهد في إتمامها، ولا ننصرف حتى ينصرف الإمام لننال الأجر الذي وعدنا به الرسول صلى الله عليه وسلم، ولتصحب معنا الزوجة والأولاد كلما تيسر ذلك.
- الإقلال من الطعام والشراب والنوم والمخالطة والكلام- ما أمكن ذلك- فلقد أكلنا كثيرًا، وشربنا كثيرًا، وضاعت منا الكثير من الساعات في النوم واللغو والسمر واللهو. ولا يخفى عن الكثير منا أن هذا كله من أدوات النفس للسيطرة علينا فهي تجد راحتها ولذتها في هذه الأشياء، فمن أراد أن يسيطر على نفسه ويمتلكها فعليه تضييق هذه المنافذ فلا يتكلم إلا لضرورة، ولا يأكل إلا ما يحفظ به صحته، ولا ينام إلا القدر المعقول، ولا يخالط الناس إلا في الخير فقط وهذا لن يتم إلا إذا توفرت الأجواء المناسبة لذلك، وأي جو أنسب من جو رمضان حيث الصيام بالنهار والقيام بالليل والقرآن يملأ جنبات النفس والشياطين مصفدة، وأبواب الجنة مفتحة، وأبواب النار مغلقة؟
- التنافس مع أهل البيت في العبادة وقراءة القرآن والذكر ولا ترهقهم بطلب إعداد الولائم والموائد فرمضان شهر التسابق في فعل الخير وليس شهر التلذذ بطيب الطعام، فيكفي صنف أو صنفان نتناولهما عند إفطارنا وسحورنا لتتفرغ الزوجات والبنات للعبادة.
- لنتذكر الفقراء والمساكين طوال هذا الشهر تذكرة عملية فنعد لهم وجبات الإفطار ونجلس معهم نشاركهم طعامهم ونشعرهم بأخوتنا لهم. ومع تذكرنا للفقراء والمحتاجين حولنا لا ينبغي أن ننسى إخواننا المكروبين في أنحاء العالم في الصومال، وإريتريا، والبوسنة وطاجيكستان، وغير ذلك من البلدان الإسلامية التي يعاني أهلها من الظلم والاضطهاد والجوع والحرمان، فنرسل إليهم من الأموال ما يكفي حاجتهم ويسد جوعهم، ولنتذكر بشرى الرسول له بأن من فطر صائمًا كان له مثل أجره.
- ليكن لكل منا ورد خاص من الذكر المطلق بجوار أذكار الأحوال، فعلى سبيل المثال: استغفار ألف مرة- تسبيح ألف مرة- صلاة على الرسول ألف مرة.
- الحرص على بر الوالدين وتلبية طلباتهما والعمل على راحتهما والاجتهاد في ذلك، فمن توفي أحد أبويه أو كلاهما فليكثر من الدعاء لهما والتصدق وقراءة القرآن، وإطعام الطعام، وليهب ثواب ذلك كله لهما.
ومع الحرص على بر الوالدين لا ينبغي لنا أن ننسى أرحامنا فلنتفقد الأقارب، ونسأل عن الغائب، ونعطي المحتاج، ونعود المريض، ونسعى في قضاء حوائجهم وتصلح بينهم.
- ليكن رمضان فرصة للعفو والصفح عن الآخرين فنعفو عمن ظلمنا، ونصل من قطعنا ونعطي من حرمنا، ولنحرص على سلامة صدورنا تجاه الآخرين، ولنكن نحن البادئين بالسلام والعفو والصفح
- مداومة الإنفاق في سبيل الله، وليكن لنا كل يوم صدقة. وإن كانت قليلة- نخرجها الله لنربي أنفسنا على هذا الخلق الكريم، ليكون بعد ذلك طبعًا راسخًا داخلنا، ولتكتب أسماؤنا مع المتصدقين طوال رمضان ولنتذكر أن الرسول-صلى الله عليه وسلم كان أجود ما يكون في رمضان
الانشغال بالنفس:
- الانشغال بالنفس ومحاسبتها على ما مضى من أعمال، ولكي تسهل عملية الحساب علينا تحديد جوانب تلك المحاسبة، فنحاسبها على الجانب العبادي، وهل أدينا العبادة على الوجه المطلوب أم كان هناك تقصير؟ ونحاسبها على الجانب الإيماني، فنسأل أنفسنا: هل كنا مداومين على التوبة إلى الله؟ وهل كنا نخشاه حق الخشية، ونتوكل عليه حق التوكل، وهل كنا نتحاكم إليه ونتخاصم من أجله، وننيب إليه؟
ونحاسبها على الجانب الأخلاقي والسلوكي؛ هل كنا نؤدي الأمانة، ونفي بالوعد، ونقبل العذر ونحرص على الصدق، ونصفح عن الآخرين ونحلم عليهم، ونسارع في خدمة المحتاج، ونجدة الملهوف، ونصرة المظلوم
ونحاسبها كذلك على حقوق الآخرين علينا مثل حقوق الوالدين والزوجة والأولاد والأقارب والجيران
ونسألها عن واجب الدعوة إلى الله، وهل كانت الدعوة هي شغلنا الشاغل؟!. ولا ننس حسابها عن الجانب المهني من ناحية الإتقان والورع والأمانة.
فبهذا الحساب يعرف كل منا أين يضع قدميه، وفي أي الطرق يسير، فإن وجد أنه قد انحرف عن الصراط كانت هذه المحاسبة هي البداية لتصحيح المسار.
وتأتي أهمية إجراء هذه المحاسبة في رمضان لأن الجو العام يساعد على ذلك فالشياطين مصفدة والأجواء مشبعة بالقرآن والذكر، والنفوس طيعة، فمن لم يستطع أن يحاسب نفسه في هذه الأيام فمتى يحاسبها؟ أفي الأسواق أم في المنتزهات؟ أم بين مشاكل الحياة التي لا تنتهي؟!.
- الإكثار من الدعاء إلى الله بذل وخشوع عساه- جل وعلا- أن يفك أسرنا ويفرج كربنا ويعيننا على أنفسنا، ولتكن لكل منا دعوتان ثابتتان يدعو بهما في كل وقت بجوار ما يفتح الله عليه من أدعية أخرى، ولتكن إحداهما عامة للمسلمين والأخرى خاصة بكل منا.
وليكن دعاؤنا كدعاء المضطر المشرف على الغرق الذي لا ينجبه إلا تعلقه بالحبل المتين، والركن الشديد، الفعال لما يريد، القائل للشيء كن فيكون.
- استصحاب نية الاعتكاف عند دخول المسجد في أي وقت ولو للصلاة فقط ولنحرص على الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، فإن لم نتمكن فالليالي الوترية فإن لم نتمكن ففي أي وقت تسمح ظروفنا بالاعتكاف فيه، فالمقصد هو إحياء سنة الاعتكاف والحرص على بلوغ العناية منه، وهو عكوف القلب على الله والانجذاب التام إليه وطرد الدنيا بخواطرها وزخارفها من قلوبنا وتجريد القلوب لله، وتحقيق معنى الافتقار إليه كما قال تعالى: ﴿﴿ ۞ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾﴾ (فاطر: 15)
وفي النهاية أذكر نفسي وإياكم بأننا فقط المستفيدون من تطبيق هذا كله فالله غني عنا وعن أعمالنا، ومع غناه عنا فإنه عز وجل يمنحنا الفرصة تلو الفرصة لنعيد حساباتنا ونفر إليه قبل فوات الأوان
يقول تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ ۚ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ ۚ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (99)﴾ (التوبة: ٩٩).
الهامش:
[1]- أستاذ ورئيس قسم الفقه والأصول كلية الشريعة. جامعة قطر.
[2]- انظر أحكام القرآن لابن العربي ج ۱ ص ۳۳.
[3]- رواه الإمام الترمذي.
[4]- رواه الإمام مسلم.
[5]- انظر تفسير القرطبي ج ۲ ص ٢٦٨
[6] - انظر تفسير المنار ج ۲ ص ١٦٨، وتفسير المراغي ج ۲ ص ۷۲.
[7] - رواه الإمام الترمذي.
[8] - رواه الإمام الترمذي.
[9] - رواه أحمد والترمذي رغم انف الصق بالتراب كتابة عن حصول الذل.
[10] - رواه ابن ماجه.