العنوان المجتمع التربوي- العدد (1214)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 27-أغسطس-1996
مشاهدات 77
نشر في العدد 1214
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 27-أغسطس-1996
وقفة تربوية: كيف نتحرر من الكآبة؟!
يقول العالم النفساني روبرت راجونك: «إن جريان الدَّم أثناء الحزن والغضب لا يمنع وصول الأكسجين إلى الدماغ فحسب، إنما يولد أيضًا عدم توازن كيمياوي من خلال منع وصول وسائل هرمونية حيوية، إن أدمغتنا تتذكر أن الابتسام يترافق مع كوننا سعداء، وإن الضحك أو الابتسام يجعل الدماغ يتحرر من الكآبة، ويتحول إلى السعادة «من کتاب شخصية جليسك ص ۷۱».
لقد علم الرسول صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ صحابته الكرام خطورة الغضب لما فيه من النتائج السلبية في الدنيا والآخرة. وقد أدرك ذلك الصحابي الجليل الذي قال له النبي صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ «لا تغضب...» (أخرجه البخاري (6116)، والترمذي (2020)، وأحمد (8744) واللفظ له) ثلاث مرات خطورة هذا الأمر عندما جلس مع نفسه متفكرًا بصغر هذه الوصية، فقال «تفكرت فيها فوجدت أن الشر كله ينبع منها» فإذا كان الشر الذي عناه ذلك الصحابي هو الشر في الدين، فالعلم يخبرنا هذه الأيام بالشر الذي يلحق بصحة ذلك الغاضب وعلاج الغضب إنما يتم بتذكر التقدير الذي قدره الله على العبد بحكمة منه، وليس للعبد أن يعترض، إنما يحمد الله على قدره، فيقول الحمد لله على كل حال، ويقول «قدر الله وما شاء فعل» ويتم بالصبر الذي يجزى عليه الجزاء الكبير ويحب من يقوم به حيث يقول تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (آل عِمْرَان:146) ويتم بالاستعاذة من الشيطان الرجيم من أول لحظات الغضب ويتم بالوضوء لإطفاء نار الغضب، ويتم أيضًا بالابتسامة في وجه من تحبه في الله لتدخل السرور إلى نفسك ونفسه وتؤجر لقيامك بهذا المعروف، حيث يقول الرسول صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ: «لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق» «رواه مسلم».
أبو خلاد
الحملات على الدعوة والداعية في العهد النبوي
بقلم: شوقي محمود الأسطل
لقد تعرض رسول الله صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ ودعوته لأعنف حملة شريرة من قوى الظلام والتخلف في عصره وكان الطعن والتشكيل من أبرز معالمها
قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112)﴾ (الانعام: ۱۱۲).
يعقب الشهيد سيد قطب - رحمه الله- على هذه الآية فيقول: إنها معركة تتجمع فيها قوى الشر في هذا الكون.. تتجمع في تعاون وتناسق لإمضاء خطة مقررة هي عداء الحق.. خطة مقررة فيها وسائلها .. يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا .. يمد بعضهم بعضًا بوسائل الخداع والغواية.. إن الشياطين يتعاونون فيمًا بينهم ويعين بعضهم بعضًا على الضلال أيضًا، وهي ظاهرة ملحوظة في كل تجمع للشر في حرب الحق وأهله ومشهد التجمع على خطة مقررة من الشياطين جدير بأن يسترعي وعي أصحاب الحق ليعرفوا طبيعة الخطة ووسائلها، ومشهد إحاطة مشيئة الله وقدره بخطة الشياطين جدير كذلك بأن يملأ قلوب أصحاب الحق بالثقة والطمأنينة واليقين وأن يعلق قلوبهم وأبصارهم بالقدرة القاهرة والقدر النافذ وأن يمضوا في طريقهم يبنون الحق في واقع الخلق بعد بنائه في قلوبهم هم وفي حياتهم، أما عداوة الشياطين وكيد الشياطين، فليدعوهما للمشيئة المحيطة والقدر النافذة «الظلال جـ٣ ص ۱۱۹۱».
فأهل الباطل يحاولون تزيين باطلهم بكل ما أوتوا من قوة عساه يصادف القبول ويحظى بالرضا عند الذين لا يوقنون، يقول ابن القيم- رحمه الله « وأخرج أرباب البدع جميعهم بدعهم في قوالب متنوعة بحسب تلك البدع فكل صاحب باطل لا يتمكن من ترويج باطله إلا بإخراجه في قالب حق، لقد تعرضت دعوات الحق على مدار التاريخ لكيد الكائدين ومكر الماكرين وأذى الطغاة المتجبرين فلم يضرها ذلك ومضت في طريقها تحوطها عناية الله حاملة مشاعل الحق وأنوار الهداية للقلوب والعقول حتى فتح الله بها قلوبًا غلفًا، وآذانًا صماء وأعينا عميًا، والناظر في سيرة نبينا صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ يجد أنه تعرض ودعوته لأعنف وأشرس حملة شريرة من قوى التخلف والظلام في عصره تنوعت وسائلها واتفقت أهدافها، فكان من ضمن وسائل أهل الباطل للصد عن هذه الدعوة المباركة وسيلة الطعن والتشكيك في الدعوة ذاتها تارة وفي شخص حامل لوائها تارة أخرى وسنعرض هنا صورًا من ذلك في هذا الوقت الذي اشتدت فيه الحملات الإعلامية المشككة في الإسلام ودعاته قوة وشراسة وخبثًا ليكون في هذا العرض تسلية لأهل الحق إذ إن لهم في الداعية الأعظم صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ والذي واجه في عصره أسياد هؤلاء المشككين اليوم لهم فيه خير قدوة وأعظم بها من قدوة.
١ - التشكيك في المنهج وما جاء فيه ومن ذلك:
- إثارة الشبهة حول مصدره وقد حكى القرآن عنهم ذلك فقال: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ (103)﴾ (النحل: ۱۰۳)، وما أسخفها من شبهة لا تنطلي حتى على ضعاف العقول فمَا بالك بالعقلاء، هذا القرآن الذي وقف أمامه أساطين الفصاحة وأرباب البلاغة من الأمة التي عبدت البيان - أمة العرب- عاجزين مقرين بضعفهم أمامه وعدم قدرتهم على محاكاته يكون مصدره غلام اعجمي لا يجيد العربية ولا يكاد يبين فيها إلى أي منطق يحتكم أصحاب هذه الفرية؟! ولكن متى كان الباطل يبحث عن المنطق وما يستقيم في العقول؟! إنها شبهة تثار وكفى، ألم يقل أخ لهم من قبل للسحرة الذين استجابوا لنداء الحق إن موسى هو الذي علمهم السحر؟ وموسى لم يعرف قط أحدًا منهم وما رآهم إلا يوم التحدي.
ولما كانت هذه الفرية هنا ضد القرآن مما لا تقبله العقول ولا يرتضيه أصحابها فقد تولى الحق تبارك وتعالى نقضها من خلال البرهان العقلي الجلي الذي يجعل المعاند عاجزًا عن الرد ومقرًا بتهافت حجته وسخف دليله وانحطاط تفكيره ﴿... لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ (103) ﴾. (النحل: 103).
- ادعاء وجود التناقض فيه فقد جاء عن ابن عباس: لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98)﴾ شق ذلك على كفار قريش وقالوا : شتم آلهتنا وأتوا ابن الزبعرى وأخبروه فقال: لو حضرته لرددت عليه قالوا : وما كنت تقول له؟ قال أقول له: هذا المسيح تعبده النصارى وهذا عزير تعبده اليهود أفهما من حصب جهنم؟ فعجبت قريش من مقالته ورأوا أن محمدًا قد خصم فأنزل الله قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَىٰ أُولَٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101) ﴾ (الأنبياء:101) (انظر صفوة التفاسير ج ۲، ص۲۷۲) فهذا الغبي صورت له أوهامه أن هناك تناقضًا في المنهج إذ أساء فهمًا فأساء حكمًا ظانًا أنه قد أتى ما لم تستطعه الأوائل إذ كيف يثني القرآن على هذين ثم تأتي أية يفهم منها هو لقصور عقله وضعف إدراكه أنهما في النار وقد غاب عنه أنهما قد عبدا بغير رضاهما فليس من عدل الله أن يحاسبهما على جرم ارتكبه الاتباع ولم يرتضياه إذ لا تزر وازرة وزر أخرى.
- الزعم بأنه مقتبس عن السابقين ولا جديد فيه وذلك للتقليل من شأنه والتهوين من أمره وصرف الناس عن الإقبال عليه أو التأثير به ولذا فإنه - في تصورهم - يفقد وهجه وبريقه وسلطانه على العقول والقلوب وكأني بهؤلاء من أنصار التجديد الذين يرون الماضي تخلفًا وجمودًا ورجعية وهم في زعمهم لم يجدوا في هذا المنهج جديدًا ما يستحق أن يستمع إليه فقالوا: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: 5] فهو إذن خرافات وقصص منقولة عن الأمم السابقة ويمكنهم النسج على منوالها لذا فقد قام أحد زعمائهم وهو النضر بن الحارث فقال: «يا معشر قريش والله لقد نزل بكم أمر ما أوتيتم له بحيلة بعد، قد كان محمد فيكم غلامًا حدثًا أرضاكم فيكم وأصدقكم حديثًا، وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب، وجاءكم بما جاءكم به، قلتم ساحرًا لا والله ما هو بساحر، لقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم وقلتم كاهن.. لا والله ما هو بكاهن، قد رأينا الكهنة وتخالجهم وسمعنا سجعهم، وقلتم شاعر، لا والله ما هو بشاعر، قد رأينا الشعر وسمعنا أصنافه كلها هزجه ورجزه، وقلتم مجنون ... لا والله ما هو بمجنون لقد رأينا الجنون فما هو بخنقه ولا وسوسته ولا تخليطه يا معشر قريش فانظروا في شأنكم فإنه والله لقد نزل بكم أمر عظيم، ثم ذهب إلى الحيرة فتعلم بها أحاديث ملوك الفرس ثم عاد إلى مكة ليقول للمضللين والمخدوعين من سفهاء الأحلام والله ما محمد بأحسن حديثًا مني «الرحيق المختوم ص٩٦».
إنها وسيلة شيطانية ماكرة من وسائل الصد عن سبيل الله لجأ إليها هذا الأفاك ويلجأ إليها وإلى امثالها أتباعه في كل عصر ومصر ولكن مكرهم إلى بوار إذ ليس لما تزرع يد الله من حاصد.
د - إثارة الشبهات لعدم نزوله دفعة واحدة كالتوراة والإنجيل فقالوا ما دام محمد يزعم أنه قد أرسل كما أرسل من قبله فلماذا لا يأتي بكتابه كاملًا كما أتوا وكانت محاولة لإثارة الشكوك حول كون القرآن من عند الله إذ لو كان كذلك لنزل جملة كالكتب التي سبقته، وقد تولى الله تبارك وتعالى الرد على هذه الشبهة التافهة فقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (32)﴾ (الفرقان:32)، وبذا فقد طاش سهمهم وضل سعيهم فيما راموه من وراء هذه الشبهة التي قد تنطلي على الذين لا يوقنون.
٢ - التشكيك في الداعية صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ: إذ بسقوط هيبته تسقط هيبة دعوته تلقائيًا، وهو أسلوب ماكر حين يلجأ إليه الطغاة قديمًا وحديثًا ضد حملة المبادئ ودعاة الفضيلة فيتم من خلاله تتبع الشخصية المستهدفة والبحث الدائب والمستميت من أجل العثور على ما يشينها ويحطم هيبتها ويحط من مكانتها لتهتز الثقة في الفكرة التي تحملها وتدعو إليها ومن صور ذلك في العهد النبوي:
أ- زعم مخالفته للأنبياء وعدم التزامه بمنهاجهم فقد قال اليهود يومًا كيف يزعم محمد أنه على دين إبراهيم ويأكل لحوم الإبل ويشرب ألبانها وهي محرمة في دينه، وإنها لشبهة خبيثة قد تجد لها آذانًا صاغية وقلوبًا مفتونة لذا فإنه لا ينبغي تجاهلها فجاء قول الحق - عز وجل: ﴿۞ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ ۗ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (آل عِمْرَان:93) إذ لم تكن هذه محرمة في دين إبراهيم عليه السلام وإنما حرمها يعقوب على نفسه خاصة لنذر نذره عندما كان مريضًا حيث نذر إن شفاه الله أن يترك أحب الطعام والشراب إليه وكانت لحوم الإبل وألبانها من أحب الأطعمة والأشربة إليه فتركها باجتهاد منه وليس شرعًا .
ب - زعم مخالفته للمنهاج الذي يدعو إليه ومن ذلك:
- استغلال ما وقع من قتال في الشهر الحرام في رجب سنة ٢ هـ في تشويه الدعوة والإساءة إلى شخص صاحبها والزعم بمخالفته للتعاليم التي يحملها كتابه وتفصيل ذلك أن رسول الله صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ قد بعث عبد الله بن جحش إلى نخلة مكان بين مكة والطائف ومعه جمع من المسلمين فقالوا نحن في آخر يوم من رجب فإن قاتلناهم انتهكنا الشهر الحرام وإن تركناهم دخلوا الحرم، ثم اجتمعوا على قتالهم فقتلوا أحدهم وأسروا اثنين ثم قدموا المدينة فأنكر عليهم النبي صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ وقال «ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام». (أخرجه البيهقي (18449)، والخطيب في ((الكفاية)) (ص312) باختلاف يسير، وأخرجه البخاري معلقا قبل حديث (64) بنحوه مختصراً)
وقد استغل أهل مكة هذه الحادثة أسوء استغلال وأخذوا يشنعون على النبي لله قائلين: لقد استحل محمد الشهر الحرام وسفك فيه الدماء، ومعلوم مقدار تعظيم العرب للأشهر الحرم، فوجدت هذه الدعاية المضللة طريقها في الإساءة إلى الدعوة والداعية حتى نزل قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ... (217)﴾ (البقرة: ۲۱۷) فهذه الضجة المفتعلة، وهذه الحملة الظالمة الشريرة لا مبرر لهما مادام أن السبب هو زعم الحرص على المقدسات، إذ إن هذه المقدسات كلها قد انتهكت في محاربة الإسلام واضطهاد اتباعه وإخراجهم من ديارهم وسلبهم أموالهم على أيدي هؤلاء الباكين عليها في زعمهم فالقتال في الشهر الحرام لا يعدل جرائمهم الكثيرة التي عميت عنها أعينهم، بينما أبصرت مخالفة واحدة من خصومهم فأين العدل والإنصاف لديهم، وصدق من قال « ما تتبع أحد عورات غيره إلا من غفلة غفلها عن نفسه». وما زالت أبواق أهل الباطل تهول من شأن أي حادث مهما كان بسيطًا مادام يمكن من خلاله الإساءة إلى جند الحق وتشويه صورتهم والتنفير منهم متظاهرة بالحرص على المصلحة العامة، ولهم في فرعون الأسوة إذ يقول بلسان الحريص على الدين والوطن ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (26) ﴾ (غافر: ٢٦).
لقد غدا فرعون نصيرًا للدين وحاميًا بينما موسى من المعادين للدين والمتآمرين عليه!! ولا عجب فإنه منطق الطغيان في كل زمان ومكان.
أسباب انتشار الفساد والرشوة في العالم الثالث
بقلم: عبد القادر بن محمد العماري([1])
انتشار الفساد الاقتصادي والإداري في العالم الثالث أمر معلوم ومشهور، لكن أن يبلغ الفساد إلى درجة أن يصل إلى أجهزة القضاء والأمن فهذا هو الأمر المستغرب والخطير جدًا والكارثة المحققة.
فمهما كانت الحكومات فاسدة إلا أنها بقدر الإمكان تحاول إبعاد الفساد عن هذين الجهازين، لأنه لو امتد إليهما لم يعد هناك أمل في إصلاح شيء إطلاقًا ولعمت الفوضى، وكان الانهيار الكامل للدولة والمجتمع، فمما يثير القلق والانزعاج أنه في إحدى دول العالم الثالث أعلن عن تورط عدد من ضباط الشرطة ورجال القضاء في قضايا رشوة وفساد بعد إلقاء القبض على عصابة من تجار المخدرات، كما أن بعض هذه الدول قد بلغت سمعة هذين الجهازين فيها «القضاء والأمن» إلى الحضيض، وإن لم يكشف النقاب عن قضايا معينة ومع الأسف أن يكون هذا في بلدان تدين بالإسلام الذي جاء حربًا على الفساد وأرسى قواعد العدل وغرس فضائل العفة والنزاهة.
قد يقال إن سبب هذا الفساد هو الفقر صحيح أن الفقر له دور في الفساد لكن على الدول الفقيرة أن تحرص أكثر من غيرها على محاربة الفساد حتى لا تتضاعف عليها المصائب وتحل بها الكارثة.
والمشكلة الأساسية أن تتهاوى القيم وتتحلل الضوابط وتنتشر ظاهرة التسيب التي تجعل الإنسان في حالة يرى أن له الحق أن يفعل أي شيء وكل شيء لا فرق في ذلك بين من يرتشي ومن يكسب رزقه بالحلال.
ولا شك أن الانحراف قد أصبح مشكلة عالمية، وهو يرتبط بالعوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وبرامج التعليم والتنشئة الاجتماعية والتربية، ومن أهم أسبابه القصور في الأجهزة المشرفة على الرقابة والرعاية، وفي دول العالم الثالث انتشرت جرائم في مختلف قطاعات الوظيفة الحكومية في شكل قضايا اختلاس واتفاق على التسهيلات غير المشروعة وما أطلق عليه بالإكراميات وهي في الواقع رشاوى مستترة وهي تتمثل في تلاقي رغبتين تنتهيان بتحقيق الجريمة المستهدفة وهي رغبة بعض اصحاب رؤوس الأموال في تحقيق أقصى ربح ممكن بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة ورغبة بعض ذوي النفوس الضعيفة في الإدارات الحكومية الذين تهيأت نفوسهم لقبول كل ما يعرض عليهم من إغراءات.
فكانت الجريمة التي بدأت من الرشوة والاختلاس ومخالفة القوانين والاتجار بالممنوعات وجريمة الرشوة على وجه الخصوص قد وجدت لها بيئة خصبة في المجتمعات التي تغيرت فيها القيم تبعًا للتطورات الاقتصادية والسياسية، وقد جاء في بعض تقارير الأجهزة المختصة في إحدى دول العالم الثالث ما يلي: « وقد كشفت التحقيقات التي تمت عن أن عددًا من البنوك لم يلتزم الدقة في التحري عن مركز العميل المالي وجدية تعاملاته وحجم الضمانات المقدمة منه ومتابعة انتظامه في السداد في مراحل التنفيذ العملية، مما أدى إلى حصول البعض على ملايين الجنيهات من المصارف كقروض وتسهيلات ائتمانية لم يتم سدادها بل هرب البعض بما حصل عليه إلى خارج البلاد».
انظر كتاب الرشوة للدكتور حسين مدكور والذي يتضمن أيضًا ما يفيد ويؤكد أن سبب انتشار الفساد والتسيب في أي بلد بالدرجة الأولى هو أن يفضل المسؤول أهواء الشخصية على المصلحة العامة، فهنا يكمن الخطر وتتداعى الأمور ويستشري الفساد في أنحاء الجسم، ويصبح مثل الشجرة التي بقيت واقفة أمام الناس على الرغم من أن جذورها تآكلت شيئًا فشيئًا وهذا يعني أن الخلل بدأ يتسرب في داخلها ويهدد بقاءها وإن كانت مازالت واقفة وكل ذلك بسبب تداخل الصور عند الأشخاص، فلم يعد هناك تمييز بين الأبيض والأسود، والمجتمع الذي تتهيأ فيه الفرص للرشوة تختفي فيه الفضائل، وقل أن تجد فيه من يتصف بالأمانة والصدق. وإذا دخلت الرشوة إلى البيت من باب خرجت الأمانة من الباب الآخر:
إذا رشوة من باب بيت تقحمت ***لتدخل فيه والأمانة فيه
سعت رهبًا منه وولت كـأنها ***حليم تنحى عن جوار ســفــيــه
فالفساد والصلاح لا يجتمعان كما أن الحق والباطل لا يجتمعان وقد جعل الإسلام الرشوة من الباطل قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (188)﴾ (البقرة: ۱۸۸).
لعنة الرشوة:
كما أن النبي صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ لعن الراشي والمرتشي والرائش وهو الواسطة بينهما في أحاديث صحيحة ويدخل في الرشوة الهدايا التي تعطى للولاة والقضاة ممن لا يعتاد الإهداء إليه قبل عمله.
ففي البخاري استعمل النبي صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ رجلًا من بني أسد يقال له ابن اللتبية على صدقة فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي إلي فقام النبي صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ وصعد المنبر وبعد أن حمد الله وأثنى عليه قال ما بال العامل نبعثه فيأتي فيقول هذا لكم وهذا أهدي إلي فهلا جلس في بيت أمه وأبيه فينظر أيهدى له أم لا، والذي نفسي بيده لا يأتي بشيء إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيرًا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر، ثم رفع يديه قال الراوي: حتى رأينا عفرتي إبطيه، وقال الا هل بلغت «ثلاثا».
رفع الإسلام مستوى القيم والأخلاق في المجتمعات وقضى على الفساد بجميع أشكاله، ولم تعد الرشوة ولا النصب ولا الاحتيال من شأن المسلمين، وإنما ذلك من شأن أهل الكفر والنفاق الذين وصفهم القرآن بقوله: ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ (المائدة:42) ومع الأسف أن تبتلى مجتمعات العرب والمسلمين اليوم بهذا الفساد أكثر مما ابتلي به أهل الغرب، خاصة بعد أن جاء الثوريون وتظاهروا بالنزاهة والحرص على مصالح الشعوب، فإذا هم ينقضون على أموال الناس كالذئاب الجائعة باسم التأميم، وإنصاف العمال وحفظ المال العام وأخذوا المساعدات التي تأتي من الدول باسم إقامة مشروعات التنمية فتقاسموها وهربوا الأموال إلى الخارج في البنوك بأسماء مختلفة، وعندما هربوا بعد أن سقطت الأنظمة الثورية بسقوط الاتحاد السوفييتي وجدوا أمامهم تلك الأموال المسروقة التي لا تعد ولا تحصى جعلتهم يسكنون في أفخم الفنادق ويتمتعون بكل المتع، وتركوا شعوبهم بعد أن أفقروها وأهانوها وعذبوها وأهلكوا الحرث والنسل فيها وبعد أن ملأوا الدنيا بالشعارات ﴿و وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206)﴾ (البقرة: ٢٠٤-٢٠٦).
الدرس من الاتحاد السوفييتي:
بعد سقوط الاتحاد السوفييتي تكشفت الحقائق وتبين أن الذين كانوا يحكمون روسيا والدول الدائرة في فلكها من الشيوعيين إنما كانوا عصابات أنتجت أفكار أشخاصها الجريمة المنظمة التي مركزها روسيا الآن.
فالفساد المستشري في روسيا الآن هو نتيجة نشاط هذه العصابات بالدرجة الأولى، فبيع الأطفال والدعارة، وتجارة المخدرات من أهم أنشطتها، فقد بدءوا بالإلحاد والكفر والاستهزاء بالأديان عندما كانوا يدعون الثقافة والاشتراكية العلمية، ثم مارسوا الطغيان والظلم ونهب الأموال عندما تمكنوا من السيطرة على الحكم بمساعدات خارجية، ثم تحولوا بعد سقوطهم إلى عصابات انتهازية تخون أوطانها وتمارس الفساد بكل أشكاله وألوانه، وقل أن تجد منهم من يعلن توبته عما اقترفه من ذنوب ويستسمح من ظلمهم من أهله وإخوانه وجيرًانه وأهل بلده ويكفر عن ذنبه ويعود إلى الصراط المستقيم.
بعض هؤلاء عندما تنصحه وتدعوه إلى الطريق القويم ليترك أفكار ماركس ولينيين بعد أن تبين زيفها يقول لك: إن الخطأ في التطبيق لا في النظرية، ويصر على فكره القديم ويقول لك: «إن الشيوعية يمكن أن تعود عن طريق الديمقراطية بدليل الأصوات الضخمة التي حصل عليها مرشح الحزب الشيوعي كانت بسبب كثرة الانتهازيين في الجانب الآخر وسوء تصرفات حكومة الذين يسمون انفسهم ديمقراطيين والأوضاع السيئة في الفترة الانتقالية التي أفرزتها مبادئ الشيوعية وأنظمتها التي كانت سائدة قبل ذلك فليس التخلي عن الشيوعية هو السبب في هذه الأوضاع وإنما السبب الشيوعية نفسها التي كانت مفروضة بالكبت والإرهاب».
الإنجاز الوحيد:
الحق أنها صورة بشعة وقبيحة جدًا على أن هذا الخراب الذي أصاب البلاد في كل مرافقها وكل مظاهر الحياة فيها هو الإنجاز الوحيد الذي أنجزته هذه المدرسة الرديئة من مدارس الحكم والسياسة في العالم العربي، فقد انجزت هذه المدرسة الحاكمة إنجازًا اخر فقد قتلت كل زعمائها البارزين الذين يمثلون القيادة التاريخية وهم من جملة الطغاة مثلهم مثل زملائهم بعد أن جعل الله بأسهم بينهم شديدًا ﴿وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (129)﴾ (الأنعام: ۱۲۹)،
﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ۚ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا ۖ وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ۚ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (2) ﴾ (الحشر: 2). ﴿إِنَّا كَذَٰلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (34) إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35) ﴾ (الصافات: 34-35).
إن كل أولئك ينطلقون من المبدأ الشيوعي «لا إله والحياة مادة» كما ينطلقون في معاملتهم لشعوبهم من مبدأ العنف الثوري ولكن الله انتقم منهم لعباده المؤمنين الذين لا ذنب لهم إلا أن أغناهم الله من فضله أو قالوا ربنا الله: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (البروج:8)، ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ ۚ ﴾ (التوبة:74) ولكن ربك بالمرصاد لكل الظالمين والفاسدين والمفسدين.
﴿فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا ۖ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47)﴾ (الروم:47).
يلاحظ أن العناصر الشيوعية التي سقطت تحاول أن تجمع صفوفها وتستعيد سيطرتها في العالم العربي عن طريق مد الجسور مع أمريكا وإسرائيل بحجة محاربة الأصولية، ولكن هيهات هيهات لقد عرفت الشعوب تاريخهم في الفساد والطغيان ولن تنفعهم أمريكا، ولن تنفعهم إسرائيل: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا ۚ بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (11)﴾ (الفتح: ١١).
فإذا كانوا يتصورون أنهم يستعيدون قوتهم عن طريق الخيانة بالتعاون مع أمريكا وإسرائيل فهم واهمون: ﴿ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52)﴾ (يوسف:52) ﴿ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14) ﴾ (الفجر: ١١-١٤) .
كلمة إلى الدعاة: سلامة الصدر
بقلم: عبد الرحمن اللعبون([2])
قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾ (الشعراء: ۸۸ -۸۹) في ذلك اليوم الذي يجمع له الناس لا ينفع عند الله - عز وجل - إلا من يأتي ربه بهذا القلب الذي سلم لله رب العالمين، وخلص من الشوائب التي تكدر على القلب سلامة اعتقاده والشبهات التي تحيد به عن الطريق وتجلب الفتن ويتبع ذلك سلامته في مروره في هذه الحياة الدنيا بما يحفظه من المشوشات التي يدفع بها الشيطان بكل خيله ورجله.
وسلامة الصدر في النظر إلى ماهية الحياة والتعامل مع الناس تفتح على المسلم أبواب الخير وتغلق أبواب الشر، فيعذر من حوله إذا أخطأوا في حقه، ولا يعتب إذا قصروا في واجب له عليهم، فيتبع سلامة الصدر سلامة جميع جوارحه فلا تنطلق إلا إلى الخير ولا تحجم إلا عن الشر، فلا يقحمها في قول أو فعل لا يجد عاقبته عند الله حسنًا، بل ويبعد نفسه أن يكون في وضع يفتح للناس فيه عليه مقالًا فيأثموا، بينما كان معروف الكرخي جالسًا مع أصحابه على ضفاف النهر إذ مر بهم مركب به مجموعة من الفتيان يشربون ويطبلون ويصفقون ويغنون، فقال الأصحاب لمعروف: «ادع عليهم، فقال: اللهم كما فرحتهم في الدنيا ففرحهم في الآخرة، قال الأصحاب: وكيف ذلك..؟ قال: إذا فرحهم في الآخرة تاب عليهم في الدنيا ولم يضركم شيء»، حرص على إخوانه ألا يصيبهم سوء ما عملوا، مع خلاص من العجلة، ودعوة بالخير غلبت دعوة الشر فيها طهارة للقلب وتبصرة.
ويحكى أن أعرج وأعمى كانا يسيرًان سويًا فجعل الناس ينظرون إليهما ويضحكون فتضجر الأعرج من فعلهم السيئ فقال له الأعمى ما ضرنا لو سلموا وسلمنا، ليمش كل منا منفردًا لنحفظ الناس عن الإساءة ونرفع أنفسنا عن الأذى.
قال الرسول الكريم صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ: « إن الشيطان آيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم» «سلسلة الأحاديث عن جابر بن عبدالله، رقم الحديث ١٦٠٨»، وستأتيك إساءة من أخيك ولا بد فتحزن لها وتضيق بها وتفكر في قطع صاحبها لما اجتراه عليك، فيأخذ الشيطان نصيبه الأوفر منها ويفرح لها ولكن الله تعالى لا يرضى أن تؤول الرابطة بين المسلم وأخيه إلى هذا المال، لذا كان توجيه الرسول صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ: «لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانًا» «مختصر صحيح مسلم، كتاب البر والصلة، باب النهي عن التحاسد والتباغض والتدابر عن أنس بن مالك رقم الحديث ۱۸۰۰).
سرق للربيع بن خيثم فرس أعطي به عشرين ألفًا، فقالوا له: ادع الله تعالى، فقال: اللهم إن كان غنيًا فاغفر له وإن كان فقيرًا فأغنه، وأصيب يومًا بحجر في راسه فشجه، فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول اللهم اغفر له فإنه لم يتعمدني.
وصاحب الإساءة مريض في خلقه بما يغنيه عن أن يزيده أحد علة، فتراه يسيئ إلى نفسه الدنيا ويجني الخسران في دار الحساب فيتجرع الغصص الزمن الطويل على تركه ضبط جماح نفسه لثواني معدودة، ومواجهة ما يسيئ بما يحسن فيه محبة الخير لصاحبك، وتأكيد لاستمرارية المواجهة مع الشيطان ونزغاته، وعدم الانجراف في متاهات تكدر الصفو فلا يجمل أن يقف المؤمن في صف عدو الله في مواجهة أخيه، قيل لرجل: ادع على ظالمك. فقال: ما ظلمني أحد، ثم قال: إنما ظلم نفسه، ألا يكفيه المسكين ظلم نفسه حتى ازيده شرًا.
وإن الذي بيني وبين بني أبي *** وبين بني عمي لمختلف جدًا
إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم *** وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدًا
ولا أحمل الحقد القديم عليهم *** وليس كبير القوم من يحمل الحقدا
قال أحمد بن أبي الحواري: قال لي أبو سليمان الداراني: من أي وجه أزال العاقل اللائمة عمن أساء إليه..؟ قلت: لا أدري، قال: من أنه علم أن الله تعالى هو الذي ابتلاه به .
([1]) قاضي في المحكمة الشرعية العليا في قطر.
([2]) كاتب سعودي.