العنوان المجتمع التربوي- العدد (1193)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 26-مارس-1996
مشاهدات 83
نشر في العدد 1193
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 26-مارس-1996
وقفة تربوية
الألم المحسوس واللذة المغيبة (1)
عندما سئل سيدنا بلال -رضي الله عنه- عن السر في تحمله للعذاب الشديد الذي تعرض له في بداية انتشار الإسلام قال: كنت أمزج حلاوة الإيمان بمرارة العذاب، فكانت حلاوة الإيمان تتغلب على مرارة العذاب فلا أشعر بالألم»، إن تحمل أعباء الدعوة التي أبت السموات والأرض والجبال أن يحملنها، والآلام الناتجة عن التبليغ لها والصبر عليها تحتاج إلى المبالغة بالشعور بلذة أعظم وأعمق من ذلك الألم المؤقت في البقعة المؤقتة، حتى يزول ذلك الألم المحسوس عندما يتغلب عليه الشعور باللذة المغيبة مما أعده الله لعباده السائرين على دربه، وهذا ما دأب القرآن الكريم والسنة المطهرة على ذكره وتأصيله في نفوس أتباعه ومن ذلك قوله تعالي: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (آل عمران: 169-170)
فأبلغ ألم يتلقاه الإنسان في الدنيا أن يراق دمه ويقتل، ولكنه يقبل على هذا الألم بكل حماسة وهو يعلم أنه أبلغ الألم عندما يخلط ذلك بالشعور باللذة الغيبية بأنه يموت فقط في عرف البشر، ولكنه لا يموت أبدًا عند الله، بل يحيا ويرزق خيرا من رزق الدنيا، ويفرح فرحًا لم يعهده في دار الدنيا لما يرى من الفضل والنعمة التي أعدها الله له من التأمين من الفزع الأكبر ومن التزويج باثنتين وسبعين من الحور العين ومن تاج الوقار الذي يوضع على رأسه الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ومن المغفرة التامة عند أول دفقة دم ومن التشفيع بسبعين من أقاربه، وغيره من النعم هذا الشعور هو الذي جعل الصحابة الكرام ومن بعدهم من الصالحين يتسابقون على الموت في سبيل الله بحماسة منقطعة النظير.
أبو خلاد
سفينة الحياة
الناس في هذه الحياة أصناف عدة، فمنهم الكافر الذي يعيش بلا هدف ولا غاية ومنهم المسلم الذي ينتظر منه أن يكون عيشه لهدف سام وغاية نبيلة، ولكن تفاوت المسلمون في هذا الأمر، وأصبحوا يعيشون كأصناف عدة، على ظهر سفينة الحياة، فالمتأمل في حال المسلمين يجدهم على مراتب مختلفة، إجمالها في ثلاث حالات:
إحداها: حالة المرء المسلم البعيد عن ربه والمتبع لهواه وملذاته. فهذا كالغريق أو إن شئت فقل كالشخص الذي يتسلق السفينة وجسمه أو بعض من جسمه يغمره ماء اليم وتتلاعب به المياه وتنهش من جسمه الحيتان والأسماك، وهذا مثل العاصي الذي كلما انغمس في الرذائل والكبائر، فحاله كحال الذي يعرض نفسه لهذه المخلوقات البحرية لتزيد في الأمة، وربما أنهكته معاصيه فهاك بفعل ذلك وغرق في اليم، وهناك آخرون من هذا الصنف اكتفوا ببعض المعاصي والصغائر فحالهم ليست بعيدة عن ذلك، فهم مغرمون ببرودة الماء ومعرضون لتجمع الصغائر عليهم بإصرارهم عليها حتى توقعهم في الكبائر كمثل من سبقوهم، فجميعهم على خطر إن لم يتغمدهم الله برحمته ويعودوا إليه من ذلك الطريق،
أما الحالة الثانية فهي حالة ذلك المسلم الذي تخلى عن الذنوب، والصغائر، ولكنه اقتصر عمله على القيام بأيسر الفروض والواجبات التي تتحملها نفسه، ولم يسع في طلب الخير أو الاستزادة منه وتحصين نفسه من الأهواء، فهو وإن كان على خير بصعوده على حافة السفينة أو ركويه على سطحها، ولكن أمره على خطر من رياح البحر وتلاطم الأمواج، أو أن يجره أحد من متسلقي السفينة أهل الغواية والمعاصي فيهوي إلى البحر بغفلته وتساهله عن تمكين نفسه على ظهر السفينة، فهذا يخشى على حاله وماله.
أما الصنف الثالث: من المسلمين صنف بداخل السفينة، ولكنهم لم يأمنوا الخطر فسعوا إلى مطلب التمكين والثبات على ظهر السفينة، كما وضعوا نصب أعينهم المخاطر المحيطة بهم، وعملوا باحتمال تعرضهم للغرق فوطنوا أنفسهم على تعلم السباحة وأخذ الحيطة والحذر ممن حولهم على سطح السفينة أو خارجها، فجدوا في العبادة والطاعة لتحصين أنفسهم من الوقوع في الزلل، وعاشوا لهدف سام وغاية نبيلة فأناروا أذهانهم بالعلم والإيمان، وبحثوا عن كوامن الخير فنهلوا منها وعلموا أن من حولهم على سطح السفينة وخارجها إنما هم كالمرضى والغافلين أو قل كالعاجزين عن اكتشاف الخير الذي وجده هؤلاء، فسعوا إلى مد الجسور إليهم لإغاثتهم وإنقاذهم من الغرق، فهم يسعون لإدراك من هو على سطح السفينة وحثه على الخير حتى يأمن ويستقر بها، ولم ينسوا أن يمدوا الحبال لمن هم خارج السفينة، فينتشلوا من استطاعوا -برحمة من الله- إلى داخل السفينة.
فهذه المهمة الأسمى لك أيها الأخ المسلم، ويجب عليك أن توطن نفسك على أن تكون من الصنف الأخير لتقديم الخير لنفسك وتعمل على تحصينها وتطهيرها من الأهواء والرذائل لتعيش في كنف الله وفي مأمن بداخل السفينة، حتى تنقلك إلى بر الأمان، وتنجو من الغرق في يم الظلمة والغواية، وتنقذ من حولك من دياجير الظلمة إلى نور الخير.
حسن على سالم با محرز
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل