; المجتمع التربوي (العدد 1147) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (العدد 1147)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 25-أبريل-1995

مشاهدات 108

نشر في العدد 1147

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 25-أبريل-1995

وقفة تربوية

مشيئة الله في نشر الفضيلة

نتألم معشر الدعاة عندما نتعرض للفتن، سواء كان ذلك التضييق في المنع من الكلام أو النشر، أو تقييد الحريات بإيقاف النشاط، أو أحيانًا بإيداع البعض في السجون؛ لمنعه من التحرك في سبيل الله، وتغيب عنا في زحمة هذه الفتن الحكم الكثيرة التي يريدها الله -سبحانه وتعالى- من وراء هذه الفتن، فمن أعجب الحكم التي تغيب عن الكثير من الدعاة أن بعض هذه الفتن تكون سببًا في نشر الخير والحق الذي مُنع الدعاة من نشره، وهذا واضح في قصة الغلام المؤمن مع الملك الظالم، فقد كان قتل الغلام بسهمه سببًا في دخول جميع الناس في الإسلام عندما سمعوا الملك يقول: «باسم رب هذا الغلام» قبل أن يرميه بالسهم ولم يستطع قتله من قبل.

لقد دخل كثير من الغربيين والأمريكان الإسلام عندما شاهدوا فيلم «الرسالة» بالرغم مما حواه من الإساءة، ودخل الكثير من الأمريكان في الإسلام عندما اشتد الإعلام ضد الإسلام في أمريكا بسبب حادثة الرهائن الأمريكية، ودخل آلاف الشباب المسلم في الحركة الإسلامية عندما زج بقيادات العمل الإسلامي في الستينيات والسبعينيات في السجون العربية، وكما انتشرت كتب الأستاذ سيد قطب عندما منعت وصودرت. يقول الشاعر حبيب الطائي:

وإذا أراد الله نشر فضيلة                               طويت أتاح لها لسان حسود

لولا اشتعال النار فيما جاورت                    ما كان يعرف طيبُ عرف العود

فإننا نرى النار ناشبة بالعود لكن طيبه لا يخرج منه إلا عندما يتعرض للنار الحارقة، هذه هي سنة الله عندما يريد نشر بعض الفضائل.

أبو بلال

العاملون للإسلام.. وتحديات المرحلة (2)

العاملون للإسلام وكيفية إدارة الصراع

بقلم الدكتور: أحمد العسال (*)

·       حركة التجديد في الأمة لم تنطفئ شعلتها، بل ظلت يتلقفها جيل بعد جيل لتظل الأمة شاهدة على الناس.

من نافلة القول التأكيد على أن حركة الحياة والمجتمعات تخضع لقانون السُنن والنواميس، وأن أي أمة اجتمع لها القدر الكافي من هذه النواميس والسُنن تفوقت على الأمم الأخرى، التي أصبح حظها من هذه السُنن أقل وزنًا وأدنى مستوى، وصدق الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَٰكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (يونس: 44)، ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنفال: 53)، ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (النحل: 112).

ومن هنا تمر الأمم في مراحل من المد والجَزر، وتعمل السُنن والنواميس عملها، وتمضي قوانين الله لتعطي الجزاء العادل لمن استوفى قدرًا من هذه السُنن أو فرط في الأخذ بها، فالجزاء ماض في الجانبين الإيجابي والسلبي على حد سواء، وصدق الله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ (هود: 117)، ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَاۖ فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًاۖ وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ (القصص: 58)، وقد نزل بالصحابة -رضوان الله عليهم- ومنهم سيد الخلق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هذا القانون في «أُحد» و«حنين»، وسجل القرآن ذلك في سورتي آل عمران والتوبة: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَاۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْۗ إِنَّ اللَّهَ لَا شَكَّ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران: 165)، ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ (التوبة: 25).

شعلة التجديد لم يَخل منها عصر

ولذا كانت حركة التجديد في هذه الأمة حركة دائمة دائبة لم يخل منها عصر، ولم تنطفئ لها شعلة، وظلت جذوتها متقدة يتلقفها جيل بعد جيل، وأئمة بعد أئمة؛ ليتم وعد الله -عز وجل- بأن تظل أمة الإسلام شاهدة على الناس، قائمة بأمر الحق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴾ (الحج: 77-78)، والحديث الصحيح: «إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة دينها»، و«لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك».

الحركة الإسلامية تتسلم الراية في وقت صعب

وقد تسلمت الحركة الإسلامية المعاصرة راية التجديد في الربع الثاني من هذا القرن، وقد اختلت في حياة الأمة منظومة السُنن والقوانين الحاكمة لسيرها، ونُقضت عرى الإسلام عروة عروة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة أولها نقضًا الحكم وآخرها الصلاة»، فزُحزح الإسلام عن دور القيادة بإحلال القوانين الوضعية محل الشريعة الإسلامية، وأُلغيت الخلافة الإسلامية، ونقضت عروة الإخاء التي كانت تلتحم بها الأمة ويتراص بها المؤمنون، وحلت محلها الوطنية الضيقة، وذر قرن القومية، وتلبست لباس الاشتراكية المادية العمياء، ودخلت الأمة سرداب التقاليد الغربية المظلم بتقليد الغرب في الفنون والآداب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لتتبعن سنن من قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه»، ونادى في الناس أحد أدباء الأمة المرموقين وأحد عمدائها المشهورين أنه «لا يمكن لنا التقدم إلا إذا أخذنا الحضارة الغربية خيرها وشرها، وما يحلو منها وما يمر، وما يضر منها وما ينفع».

تلك هي الحالة التي وصلت إليها هذه الأمة عندما تسلمت الحركة الإسلامية المعاصرة الراية من المجاهدين السابقين ومن المجددين الراحلين، فكان الخطب عظيمًا، وأمر الإصلاح كبيرًا يحتاج أولي العزم وأصحاب القلوب الكبيرة والعقول المستوعبة حركة التاريخ سياقه وسباقه، فكان لابد من عملين أساسيين: دحض الشبهات التي ألصقتها الغارة الغربية بالإسلام من أنه دين لا يصلح للحياة، وأن دور الدين قد ولى، وأن الإسلام شأنه شأن المسيحية لابد أن يكون دوره قاصرًا على المسجد، وشأنه شأنًا فرديًّا، وأنه صلة بين العبد وربه؛ لذا فلا يتدخل في أمر الدولة والحكم، وليس من شأنه أن ينظم المجتمع أو يحكم الأخلاق؛ هذا هو العمل الأول.

أما العمل الثاني فهو إعادة تربية المسلم على الإسلام، وتغيير ما لحقه من ضعف وهوان، واستعادته الثقة في نفسه بالإيمان الحي يتلألأ بين جنبيه، فيتعرف على ربه وبارئه، ويسطع فقه الإسلام في عقله وفكره، فيدرك دور رسالة الإسلام في مجتمعه وأمته، ومن ثم يبدأ مسيرة التجديد مع إخوانه المؤمنين، ويتحول من حال الهوان والضعف إلى حال العزة والقوة، وهذا وايم الله لم يكن عملًا سهلاً ولا طريقًا معبَّدًا؛ أن تُغيّر حال الناس من إلف الحياة العادية ونسقها الرتيب إلى حال من الحركة والتكاليف والجهاد والمجاهدة.

الابتلاء والصراع سُنة ماضية

لقد كان هذا شأن الرعيل الأول: دعوة وبلاغ، وتربية وتكوين، والعدو ماض في طريقه، مستمر في تغريب الأمة وصدها عن سبيل الله بأخذه النخبة المثقفة والطليعة الحاكمة، وإطعامهم طعامه وإرضاعهم لبانه.. وهكذا مضت الحركة الإسلامية فقابلتها المِحن والابتلاءات لمناداتها بالإسلام، وإصرارها على الدفاع عن أرض الإسلام في فلسطين والقتال، ووقوفها مع المؤمنين في كل مكان، وتعبيرها عن ضمير الأمة وحقوقها ووجودها بين الأمم، فلم يرقَ ذلك لمن قرروا تمزيقها وتفريقها في معاهداتهم السرية وتصريحاتهم العلنية، وظن البعض أن الحركة هي التي جرت على نفسها ذلك الضرب من المِحن واستدعت ذلك السيل من الابتلاءات، ونسي هؤلاء أن قضية الصراع بين الحق والباطل، والكفر والإيمان سُنة ماضية إلى يوم القيامة قابلها الأنبياء -عليهم السلام: (قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ) الشعراء: 167)، وقابلها النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم منذ اليوم الأول للوحي حين أخذته خديجة أم المؤمنين -رضي الله عنها- وذهبت به إلى ورقة بن نوفل، فلما قص عليه قصة نزول الملك جبريل -عليه السلام- قال له: «هذا الناموس الذي أنزله الله على موسى -عليه السلام»، ثم أردف قائلًا: «ليتني أكون حيًّا إذ يخرجك قومك»، فقال النبي الكريم: «أو مخرجي هم»؟ فقال ورقة: «ما جاء نبي بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا». وتعرض الصحابة للإيذاء والابتلاء في أنفسهم وأبدانهم وهاجروا من وطنهم وتركوا ديارهم.

فأمر الصراع والتدافع ماض لا محيد عنه ولا سبيل إلى تجنبه: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة: 251)، ويمكن أن يخطئ الدعاة والعاملون في وسائل الصراع تعجلاً وغلبة ظن، فيصبح الأمر حينئذ أمر تقويم ومراجعة، وأمر توبة وإقلاع، وهذا شأن الاجتهاد البشري معرض للوقوع في الخطأ، وكل واحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم، والأمور هنا تحسم بالظرف الذي يمر به العاملون وأوضاع الأمة، فلكل مرحلة وسائلها وآلياتها؛ فالبلاغ والتكوين والتربية غاية مستمرة وعمل دائم، ومرحلة التمكين حكم وتشريع وقضاء وجهاد، والأولى وسيلتها البلاغ وإعداد الأمة لتحمل أعباء الرسالة والنهوض بمهمة الشهادة، وليس فيها إلا الدعوة إلى الله بكل سبيل ممكن وشعارها وحداؤها: «صبرًا آل ياسر إن موعدكم الجنة»، وقول الله: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (النساء: 77)، ولذا فإن أول التحديات التي تواجه العاملين هي كيفية إدارة الصراع، وكيف يضبط المسلم نفسه ويعرف واجبه، وينأى بها عن الانفعال وردود الأفعال التي تورطه وتورده موارد الهلكة والضياع، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

(*) نائب رئيس الجامعة الإسلامية العالمية في إسلام آباد.


 

النافذة التربوية

قانون الجذب الكوني

أثبت علماء الطبيعة أن هناك قوة جذب بين كل جسمين في هذا الكون الواسع سواء أكان هذا الجسم نجمًا ضخمًا كالشمس أو ذرة صغيرة كذرة الهيدروجين، ويقولون: إن قوة الجذب هذه تتناسب طرديًّا مع كتلتي الجسمين وعكسيًّا مع مربع المسافة بينهما، وذلك يعني زيادة هذه القوة عندما تكون كتلة أحدهما كبيرة، وزيادتها كلما قلّت المسافة بينهما.

معاشر المربين: إن واقعنا يشهد مثل هذه الحقيقة، ونستطيع أن نطبق عليه مثل هذا القانون الفيزيائي؛ فلو اعتبرنا أن الكتلة هنا تمثل العلم والحلم وسعة الأفق والإدراك للمواقع وقبل ذلك الإخلاص وتقوى الله -وهي بعض صفات المربي الناجح- فإن زيادة هذه الصفات فيه تزيد من جاذبيته لأفراده مما ينعكس على تأثيره عليهم، فيسهل عليه بعد ذلك حل مشاكلهم وتغيير واقعهم إلى ما هو أفضل، ويستطيع بهذه الجاذبية أن يبعث الأمل في نفوس الأفراد بأن المستقبل لهذا الدين، فينطلقون بعد ذلك بروح عالية للبذل والعطاء.

أخي المربي.. كلما كنت قريبًا من المدعوين، وتتحسس مشاكلهم، وتتعرف على نفسياتهم؛ كلما زادت المحبة ووجدت أن التأثير يكون مع المحبة وصفاء القلوب أكثر منه عند ضدهما، وكلما ابتعدت عنهم ضعف تأثيرك عليهم، وقلّت جاذبيتك.

إنه التناسق العجيب بين ذرات هذا الكون العظيم، فسبحان من أبدعه.

عبداللطيف الصريخ

الرابط المختصر :