; المجتمع التربوي (العدد 1146) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (العدد 1146)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 18-أبريل-1995

مشاهدات 118

نشر في العدد 1146

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 18-أبريل-1995

وقفة تربوية

عندما تفسد علاقتك بالناس

ما دمنا موجودين على هذه الأرض ونتعامل مع البشر، فلابد أن نتعرض للظلم يومًا، ولأذى الناس يومًا، ولحرماننا من حقوقنا يومًا، وللمعاملة القاسية يومًا، وللمخاصمة يومًا، وهكذا كل يوم لا ينفك الإنسان من خير يحصل عليه من الناس، أو أذى يصيبه منهم، وغالب الناس يلجؤون إلى أصحاب الجاه والقوة لينصفوهم ويرجعوا إليهم حقوقهم عندما يتعرضون لذلك الأذى من الآخرين، أو يتصنعون ويداهنون من آذاهم ليحصلوا منهم ما يريدون. وهكذا حال معظم الناس، ومع ذلك فإن النتائج لذلك الصنيع لا تكون مضمونة في جميع الأحوال، وحتى لو نجحت فإن القائم بالمعروف يستعبد من أسدى إليه المعروف، ويرى دائمًا أنه صاحب فضل عليه أو ربما أخذ منه مقابل تلك الخدمة شيئًا ما، وينسى الناس سلوك طريق أسهل بكثير من اللجوء إلى البشر؛ طريق مضمون النتائج.

وطريق لا يكلف صاحب الحاجة إراقة ماء وجهه ولا كثرة التعب الذي يحصل عليه جراء جريه وراء الناس، إنه الطريق إلى الله تعالى، فلا عليه سوى إحسان العلاقة بينه وبين الله تعالى، فيحسن الله علاقته بالناس، إنه ميزان إيماني كان يتعامل به الصحابة الكرام، ومن تبعهم من جيل التابعين، وأصغ لسيد من ساداتهم الإمام القدوة شيخ المدينة سلمة بن دينار وهو يقول لمن اختلت عندهم الموازين: «لا يحسن عبد فيما بينه وبين الله، إلا أحسن الله ما بينه وبين العباد، ولا يعور فيما بينه وبين الله -عز وجل- إلا اعور فيما بينه وبين العباد».

ولَمُصانعة وجه واحد أيسر من مصانعة الوجوه كلها، إنك إذا صانعت هذا الوجه، مالت الوجوه كلها إليك، وإذا أفسدت ما بينك وبينه، شنئتك الوجوه كلها («صفة الصفوة 2/ 157»)،

أو ليس هذا الطريق أسهل بكثير من اللجوء إلى البشر؟

أبو بلال

وقفات مع الإمام الهضيبي

بقلم: شوقي محمود الأسطل

إن لله رجالًا صنعهم على عينه، فحصنهم بالتقوى، وملأ قلوبهم بنوره، وأحياها بذكره، وصانها من الشبهات والشهوات، وأعدها لتحمل الخطوب والملمات والثبات عند البأس وتراكم سحب اليأس واشتداد الظلمات.

لقد اختارت العناية الربانية الصديق -رضي الله عنه- في أحلك اللحظات وأصعب الأوقات ليقود القافلة وسط طريق وعر، صعب المسالك مليء بالأخطار والعقبات. روى ابن كثير في «البداية والنهاية» عن هشام بن عروة عن أبيه قال واصفًا حال المسلمين بعد وفاة نبيهم صوب مبايعة الصديق: «... وقد ارتدت العرب إما عامة وإما خاصة في كل قبيلة، ونجم النفاق، واشرأبت اليهودية والنصرانية، والمسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية لفقد نبيهم صلى الله عليه وسلم وقلتهم وكثرة عدوهم، فقال له الناس: إن هؤلاء جل المسلمين والعرب على ما ترى قد انتقضت بك وليس ينبغي لك أن تفرق عنك جماعة المسلمين، فقال: «والذي نفس أبي بكر بيده لو ظننت أن السباع تخطفني لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو لم يبق في القرى غيري لأنفذته» (رواه: أبو ذر الغفاري، تخريج سير أعلام النبلاء). وأنقذ الله الأمة بأحد رجالها وهي سنة من سننه ونعمة من نعمه تتكرر في كل عصر بأمثال الصديق والفاروق وأحمد وصلاح الدين وابن تيمية والعز بن عبدالسلام..

أولئك آبائي فجئني بمثلهم                             إذا جمعتنا يا جرير المجامع

وإمامنا الذي سنرطب القلوب بذكره واحد من الذين ساروا على نهج أولئك الأماجد فحملوا الراية وقادوا السفينة في خضم بحر متلاطم الأمواج حتى وصلوا بها -بإذن ربها- إلى بر الأمان. فهيا لنتأمل سطورًا من سفر سيرة هذا العلم الشامخ والإمام الرباني المنقذ:

1- قوته في الحق واستعلاؤه بإيمانه: كان رحمه الله يردد دائمًا: «والله لو لم يبق معي على هذا الأمر سوى أخ واحد لبقيت معه»، إنها عزة المؤمن وقوة يقينه وشدته في أمر الله. مرت بزنزانته إحدى لجان التحقيق أيام عبدالناصر فوجدوه قائمًا يصلي فانتظروا حتى أتم الصلاة وقالوا له: هل يلزمك شيء؟ فنظر إليهم نظرة لها مغزاها ثم قال: هذه الزنزانة أرحب من دنياكم كلها، ودخل في صلاته من جديد.

يقول الشاعر جمال فوزي: وأذكر يوم ترحيله من السجن الحربي إلى منزله وكانت زنزانتي بجوار زنزانته فسمعته يقول للضباط: من قال لكم إني أريد أن أخرج من السجن؟! أنا آخر واحد يخرج، فليخرج كل الإخوان قبلي، ووجه لهم ألفاظًا في غاية القسوة..

وفي الأعياد التي كانت تمر بنا ونحن في المعتقل كان رغم ظروفه الصحية يقف ويعانق كل أخ، وكان يتحدث مع كل من يتصل به عن الصبر والثبات.. ويروي الدكتور أحمد الملط: مر حمزة البسيوني بنا ونحن قد اصطففنا نردد أغنية حسب الأوامر والسياط تلهب ظهورنا حتى وصل إلى الأمام الهضيبي وقال: عجبك هذا يا هضيبي؟ فنظر الإمام ثم قال: اسمع.. اذهب إلى عبدالناصر وقل له إن كل الإخوان هؤلاء أرواحهم في يد من خلقهم وليست في يده، امش! فإذا بالمجرم ينسحب ومعه كلابه وبيده كرباجه دون أن ينطق بكلمة واحدة.

وعندما بدأت حملة الاعتقالات في عام 1954م كان رحمه الله في جولة دعوية في بلاد الشام فنصحه أحباؤه والغيورون عليه بالبقاء خدمة للدعوة فرفض ذلك بإباء وأصر على العودة سريعًا ليعطي من نفسه القدوة في المواجهة والصبر والاحتساب وتحمل تبعات القيادة في مثل هذه الظروف.

يقول رفيق رحلته عبدالحكيم عابدين: شعرت بوطأة الزمهرير ساعة أغلق علي باب الزنزانة على الرغم مما كنت أشعر به من قوة وشباب وما كنت متجهزًا به من فرش وأغطية، فرأيت مشاعري كلها مشدودة إلى الإمام لما أعلم من مرضه وكبر سنه ومعاناته من الروماتزم الذي يحتاج أشد الفتيان معه إلى مضاعفة الدفء وقت الشتاء، فعمدت إلى فروة ذات وبر كثيف ودفعت بها إلى الحارس ليسلمها له لقاء أجر أغراه.. غير أن الحارس لم يلبث أن عاد وهي معه ليخبرني أن الهضيبي أمر بإعادتها وأنه لا يشعر بأي برد.. وبعد يومين قابلته أمام دورة المياه فعاتبته، فإذا به يقاطعني: لقد شفيت والله يا عبدالحكيم ببرد هذه الزنزانة من كل ما أثقلني من أمراض في غابر السنوات.

2- المساواة بين الإخوان ورفضه التميز عنهم:

تدهورت حالته الصحية في عام 1957م واشتدت عليه الأمراض فقررت لجنة من الأطباء أنه لا يمكنه تحمل ظروف السجن فصدر قرار بالإفراج عنه، نقل على إثره إلى بيته ليواصل العلاج.. ومرت فترة من الزمن شعر بعدها بتحسن في صحته فأرسل إلى المسؤولين يشعرهم بتحسن حالته ورغبته في العودة إلى السجن ليكون مع إخوانه ووسط محبيه.. أي عظمة هذه؟!

وصدقت يا سيدي يا رسول الله عندما قلت: «أمتي كالغيث لا يدري أوله خير أم آخره» (أخرجه رزين كما في «مشكاة المصابيح» للتبريزي (3/371)). أشفق عليه مدير بالسجن يومًا لكبر سنه وبرودة الجو فأحضر مدفأة إلى زنزانته ولم يكن بداخلها، فلما عاد أخرجها رافضًا التميز عن باقي إخوانه.

في لقاء معه لأحد الإخوان في فترة السجن فإذا بالأخ يسأله عن ابنه إسماعيل الهضيبي وكان مسجونًا، فإذا به يثور في وجهه قائلًا: لماذا إسماعيل؟ كلكم عندي إسماعيل.

3- التجرد والتضحية بما يملك من أجل الدعوة، وتعريض أبنائه جميعًا للاعتقال والتعذيب. وعندما صدر قرار حل الجماعة عام 1948م أيام الإمام البنا بادر بالاتصال به حيث وضع نفسه وبيته وأولاده ومنصبه وماله تحت تصرف الدعوة ورهن إشارة الإمام البنا، وكان قليل الكلام يغلب عليه الصمت، يمقت الظهور ويرفض أن تؤخذ له صورة، كما رفض تسجيل مذكراته إيثارًا لما يحتسبه عند الله من أجر. وكان حريصًا على نقاء الفكرة وصفائها لذا فقد استل قلمه وهو في سجنه ليرد على دعاة التكفير ويسطر كتابه القيم الرائع «دعاة لا قضاة».

4- عفة يده ولسانه:

لم يتناول قرشًا واحدًا من مال الجماعة طيلة فترة تسلمه لمنصب المرشد العام، بل كان حريصًا على دفع اشتراكه كأي أخ، وعندما كان موظفًا لم يكن يستحل لنفسه أن يكتب خطابًا خاصًا على ورقة من الأوراق التي تحت يده، وكان يصر على الحكم وفق الشريعة في جميع ما يقع تحت يده من قضايا. سأله يومًا رئيس محكمة النقض والإبرام: يا حسن ألست معي أن أكثر أحكام التشريع المدني الحديث تقابل أحكامًا في الفقه الإسلامي؟ فقال: بلى، قال الرئيس: فما سبب مطالبتك دائمًا بالرجوع إلى الشريعة وتطبيق أحكامها؟ فقال: إن الله يقول: ﴿وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ﴾ (المائدة: 49)، ولم يقل بمثل ما أنزل الله. وعندما عرض عليه مشروع تنقيح القانون المدني المصري عام 1945م سجل كتابة أنه يرفض مناقشته لأنه لم يقم أساسًا على الكتاب والسنة.

5- مما قيل فيه -رحمه الله:

قال العلامة المحدث الشيخ عبدالفتاح أبو غدة: لقد علم الأجيال عزيمة الأبطال وثبات الرجال، وكانت حياته صورة دعوية إيمانًا وصبرًا ورعاية للحق وجهرًا به وثباتًا عليه.. لقد هزنا نبأ وفاة والدنا الأستاذ المرشد.. وإنا على نهجه لسائرون حتى نلحق به.

ويقول عمر التلمساني -رحمه الله: إن الإحاطة بالرجل ومواقفه الباهرة وصبره العجيب ورجولته النادرة تستوعب صفحات مجلدات، ولكن من لي بعلم عالم أو ذكاء كاتب حتى أوفى هذه الشخصية حقها من الإجلال والإكبار.

ويقول الكاتب مصطفى أمين: رأيته يستقبل المحنة بابتسامة كأنه يستقبل النعمة، لا يجحد لفاضل فضله ولا يذكر إنسانًا بسوء.

6- من أقواله:

  • أيها الإخوان أقيموا دولة الإسلام في صدوركم تقم على أرضكم.
  • إن الدعوات لا تقوم على الرخص، وعلى أصحاب الدعوات أن يأخذوا بالعزائم فالرخص يأخذ بها صغار الرجال.
  • إن فلسطين لن تعود إلى أهلها إلا بمثل القوة التي سلبت بها.

هذا ما يسره الله في هذه العجالة، والله أسأل أن يرزقنا حسن الاقتداء بهذه القمم الشامخة.


 

خواطر في النفس

﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (المطففين: 26).

خلق الله النفس البشرية وأوجد فيها غرائز جبلية متعددة.

فأوجد فيها غريزة الحب والكراهية.. وغريزة الحنان، وغريزة حب التملك والرئاسة.. وغريزة حب المال.. وغريزة الشهوة... إلخ.

ومن بين تلك الغرائز التي أوجدها الله في تلك النفس الضعيفة «غريزة التنافس»، فالتنافس من دواعي هذه النفس البشرية لإظهار قدراتها واستعراض طاقاتها أمام الآخرين، وإبراز جوانب التفوق والإبداع في شخصيتها.

فلو وضعت النفس أمام متحدٍ لها لأبدت الغضب والتضجر لذلك الخصم المنافس، فتعد نفسها روحيًا وجسديًا وذهنيًا، ثم تفرغ تلك القوى من أي شاغل يشغلها يحول دون الوصول إلى مرتبة التفوق في ذلك السباق.. فسبحان الله المبدع الخالق.

ومن هذه الغريزة الجبلية استثار الله تلك النفوس إلى أسمى معالي التنافس وأعلى مراتب التفوق في الوصول إلى جناته، والفوز برضوانه، فهيج العواطف وأثار المشاعر وترك الوسائل والفرص ميسرة حسبما يختاره كل متنافس، ثم بين بعد ذلك أن التنافس إنما هو تاج التنافسات الذي يجب أن تسعى إليه النفوس لإبراز مواهبها وطاقاتها.

قال الله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (المطففين: 26).

فلو تخيل الإنسان أن له منزلة في تلك الجنان بتقييم عمله الذي يعمل به في هذه الدنيا ثم رأي بعد ذلك أن هناك آخر قد علاه بالمنزلة وفاقه بالأجر لتمنى أن هذه الدنيا قد أعيدت له مرة أخرى ليعمل ويعمل.. ويجتهد في إرضاء الله بكل ألوان العمل التي ترضيه وتنفع المسلمين وتكون وفق مقاييس شرع الله.

فائز بن أحمد

النافذة التربوية

حياة القلوب

«إنه لتمر بي أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب»، إنها كلمات أطلقها ذلك العارف بالله الذي ذاق طعم الإيمان وأحس بحلاوته تخالج نفسه روحه. نعم هي الحياة الطيبة والعيشة السعيدة التي وعد الرحمن عباده حيث يبشرهم تعالى بقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 97). فالعمل الصالح هو الطريق المؤدي لهذا المطلوب الذي ينشده كل عاقل، والعمل الصالح هو ما بينه الله في الوحي من القرآن والسنة، فهذان النوران بهما حياة القلوب وجلاء الأحزان: ﴿ ) أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ (الأنعام: 122).

يا لها من سعادة يحس بها أولئك النفر الذين عاشوا لله وعملوا لله وضحوا لله وماتوا لله: ﴿قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: 162)، وهم فرحون مسرورون لأن قلوبهم كانت تسبح في الملأ الأعلى وإن كانوا يبدون غير ذلك. يقول أحدهم: «إنه ليمر بالقلب أوقات يرقص فيها طربًا، وذلك لما تخلصوا من جحيم المعاصي والذنوب وتعلقوا بالله علام الغيوب»، ورحم الله ابن المبارك حيث قال:

رأيت الذنوب تميت القلوب                          وقد يورث الذل إدمانها

وترك الذنوب حياة القلوب                           وخير لنفسك عصيانها

اللهم إنا نسألك الفوز في القضاء، وعيشة السعداء، وميتة الشهداء، ومرافق الأنبياء في جناتك جنات الخلود.. اللهم أمين.

عبد اللطيف الصريخ

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 244

200

الثلاثاء 08-أبريل-1975

ولنَا مع الدعَاة وقفَة

نشر في العدد 367

128

الثلاثاء 20-سبتمبر-1977

الأسرة (367)