العنوان المجتمع التربوي (العدد 1128)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 06-ديسمبر-1994
مشاهدات 91
نشر في العدد 1128
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 06-ديسمبر-1994
من حقوق الأخوة: التناصح والتذكير
إن من نعم المولى عز وجل علينا أن جمعنا وإياك في
هذه الدعوة المباركة وعلى طريق الالتزام تلاقت أفئدتنا.. وتحاببنا في الله.. من
غير صلة ولا قرابة ولا نسب.. إلا من علاقة الأخوة في الله.. وصدق الإمام مالك بن
دينار -رحمه الله- حين قال: «لم يبق من روح الدنيا إلا ثلاث: لقاء الإخوان،
والتهجد بالقرآن، وبيت خالٍ يذكر الله فيه».
أيا أخي.. ومع زحمة الاتصالات والانشغالات والهموم،
يتناسى الأخ منا حقًا مهمًا من حقوق هذه الأخوة المباركة، ألا وهو حق التناصح فيما
بيننا.. فكم من مرة زل الأخ منا ونحن نراه ونغض الطرف عن مناصحته... وكم من مرة
كان باستطاعتنا أن نوجهه للخير ونذكره بطاعة أو بعبادة، فتكاسلنا وتغافلنا عن حديث
الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم حيث يقول: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ. قُلْنا:
لِمَنْ؟ قالَ: لِلَّهِ ولِكِتابِهِ ولِرَسولِهِ ولأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ
وعامَّتِهِمْ» (مسلم: 55).
أيا مهجة القلب.. لنقف مع أنفسنا لحظات ولنراجع ما
شاب أخوتنا من درن، وما كان هذا الدرن إلا من قسوة القلب وجحود العين وضعف الصلة
بالله تعالى؛ ومن ثم ضعف الترابط الأخوي.. فكلنا ذو عيب.. وكلنا ناقص.. والإمام
الفضيل بن عياض -رحمه الله- يقول: «من طلب أخًا بلا عيب صار بلا أخ».
ويقول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: «رحم الله امرأً
أهدى إلي عيوبي». ويقول كذلك: «لا خير فيكم إن لم تقولوها.. ولا خير فينا إن لم
نسمعها».
فيا أخي الحبيب لترفع شعار النصيحة فيما بيننا،
ولنتمثل قول الإمام الشهيد حسن البنا -رحمه الله- حيث يقول: «عند اللقاء تتصافى
القلوب، وتتماحى الذنوب، وتتعاهد على البناء».
خالد
مال الله
مكارم الأخلاق
يقول الحسين بن مطير الأسدي (ت سنة 169 هـ):
أحب مكارم الأخلاق جهدي وأكره أن أعيب وأن أعابا
وأصفح عن سباب الناس حلما وشر الناس من يهوى السبابا
تأمل أخي القارئ في وجهك في المرآة جيدًا، واقرأ ما
بين عينيك من عبرات لعلك ترى شيئًا غريبًا.. إنك الإنسان ذلك الكائن الحي الذي
تترسم على ملامح وجهك علامات الرضا، فكيف كنت وأين أصبحت؟ أتذكر في أيام الهداية
الأولى وكيف كان حماسك لهذا الدين، وكيف كانت نشوتك لسماع المحاضرات والندوات؟
أتذكر عندما كنت تحفظ من كتاب الله الآيات الطوال؟
إنني أحب مكارم الأخلاق فيك.. كلمات كان يرددها لك
إخوانك في الله وأقرباؤك، بالأمس كنت تكره أن تعيب على أحد أو أن تعاب أنت من
الناس فما بالك اليوم؟ كأني أراك بالأمس شعلة نشاط تتحرك ولا تهدأ أبدًا، فما بالك
اليوم؟ لقد كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتصفح عمن ظلمك فما بالك اليوم؟
أسئلة كثيرة يجيبها عنك الأسدي:
فَيا شامِخاً أَقصِر عِنانَكَ
مُقصِرًا فَإِنَّ مَطايا
الدَهرِ تَكبو وَتَعثَرُ
سَتَقرَعُ سِنّاً أَو تَعُضُّ
نَدامَةً يَدَيكَ
إِذا خانَ الزَمانُ وَتُبصِرُ
وَيَلقاكَ رُشدٌ بَعدَ غَيِّكَ
واعِظٌ وَلَكِنَّهُ
يَلقاكَ وَالأَمرُ مُدبِرُ
أحمد
الحسينان
(إعداد: عبد الحميد البلالي)
وقفة تربوية: إنجاز الأعمال
يشتكي الكثير من الدعاة من «ضيق الوقت» وعدم قدرتهم
على إنجاز الكثير من الأعمال، وبالتالي يكون ذلك مشجبًا يعلقون عليه توانيهم
بالقيام ببعض الواجبات الدعوية، وبعض الحقوق الإسلامية تجاه الآخرين، وخاصة
الأقرباء وصلة الرحم، وحضور العزاء، والوجود مع الأبناء وتربيتهم أو تدريسهم، إلى
آخر هذه الواجبات المعطلة. وضيق الوقت عذر براق مما يبدو عند أول وهلة، ولكنه في
حقيقة الأمر، وفي الكثير من الأحيان عذر ليس له واقع في أرض الواقع، بينما السبب
الرئيسي في عدم القيام بالواجبات سواء الدعوية، أو الشخصية إنما يكمن في عدم تنظيم
الوقت من جانب، وعدم معرفة في ترتيب الأولويات من جانب آخر. ففي كثير من الأحيان
نبذل الوقت الكثير في أمور ليست لها أولوية، حتى إذا ما جاء أوان الأعمال التي لها
أولوية لم نجد الوقت الكافي لأدائها. وفقه هذا الأمر واستحضاره في كل عمل يسهل
علينا تنظيم الوقت بل إنجاز جميع الأعمال، وسيترك لنا مساحات ليست بالقليلة لتلتقط
فيها الأنفاس ولتصفى فيه النفوس والأذهان للتفكير السليم فيما يجب أن نقوم به وما
لا يجب، ويترك لنا مساحة لتقويم الأعمال، ومعرفة السليم منها من المكلوم.
أبو
بلال
نريد رجالاً على الدرب
نريد رجالاً على الدرب يتحملون المسؤولية ويحملونها
على أكتافهم، بكل ما تحمل هذه المسؤولية من معانٍ، والتي من ضمنها الحرقة على
العمل وعلى إنجازه، وأن يكون الهم هو هم الحركة والدعوة وقضاء الأعمال على أكمل
وجه وإعانة الغير في هذا الحقل.
نريد رجالاً يحسون بمعنى هذه المسؤولية ويحسون
بحجمها، رجالاً يحسون بهذه الأمانة العظيمة، ومن ثم يتحملون التكاليف المنوطة بهم
ويتحملون إتمامها على أكمل وجه. نريد رجالاً يفهمون هذه المسؤولية ويدركون الهدف
والغاية، رجالاً تحصنوا بالإيمان، وربوا أنفسهم على طاعة الرحمن وتحصنوا بالعلم
الشرعي، رجالاً ترى فيهم الحرقة لواقع الإسلام والمسلمين، يتابعون أخبارهم،
وينصرون قضاياهم، ويدعون لهم بظهر الغيب. نريدهم قدوات على الطريق ينصحون إخوانهم،
ويفهمون الأمور وما يحيط بهم، ويفطنون لما خفي عنهم. أولئك من نريد من الرجال على
درب هذه الدعوة الربانية المباركة دعوة الإسلام الحق، فلنحرص جميعًا أن نكون من
هؤلاء الرجال انطلاقًا من قول الرسول الكريم: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته».
وأنتم من نريد؛ نريدكم مسؤولين عن هذه الدعوة التي
ارتضيتم أن تكونوا أحد دعاتها.
أنور
الشريعان
مشكلات وحلول في حقل الدعوة
- المشكلة:
التعلق بالآخرين.
- التعريف:
الأصل في العملية التربوية أن الفرد الذي يُدعى يجب أن تتركز الجهود التربوية
في تربيته بتوثيق صلته برب العالمين، وأن تكون صلته القوية بالله تعالى، وألا
يتعلق بالبشر؛ لأن البشر من الممكن أن يتغيروا، ولكن الله الحي الذي لا يموت
يغير ولا يتغير، وأن مشكلة التعلق بالأفراد أكبر سلبية فيها هي أن الفرد
المكتسب يتغير بتغير المتعلق فيه.
الظواهر:
1.
عدم
الصبر على مفارقته.
2.
كثرة
الاستشهاد بأقواله وأفعاله.
3.
التأويل
الكثير لأخطائه.
4.
اتباعه
حتى في خطئه.
5.
نصرته
عند الآخرين حتى على باطله.
6.
ابتعاده
عن الصف عندما يبتعد.
الأسباب:
1.
بروز
الصفات الجاذبة عند المربي «الخطابة، العلم الشرعي، الجمال، الذكاء، الكتابة...
إلخ».
2.
بداية
الارتباط لم يكن مبنيًا على الفكرة، ولكن كان مبنيًا على العلاقة الشخصية.
3.
كثرة
الجلسات غير الهادفة والمبنية على تجانس الطبع.
4.
عدم تشرب
الفرد بالأصول الإيمانية لفترة كافية.
5.
ضعف
التربية الإيمانية في البداية.
6.
عدم
التركيز على بعض المفاهيم الدعوية مثل الفرق بين حب الله وحب الأفراد، ومعنى الحب
في الله والحب مع الله..
7.
الخلل في
عملية تقويم الأفراد.
8.
ضعف دور
المربي في ذلك، وعدم انتباهه لخطأ علاقته مع من يتبعه.
9.
قوة
شخصية الفرد وتجاوزها شخصية المربي، مما يجعل المربي يتعلق بالفرد.
العلاج:
1.
التركيز
في السنوات الأولى للعملية التربوية على معاني التعلق بالله وحده، والمعنى الحقيقي
للحب في الله ومع الله.
2.
التركيز
على الأصول الإيمانية ومعاني الشرك، وخاصة في المحبة مع الله.
3.
الحث على
تهديف الجلسات الخاصة بين الأفراد.
4.
مصارحة
الأفراد الذين يقعون بهذه المشكلة، وعدم الانتظار حتى يتفاقم الأمر.
5.
انتباه
المربي لهذه المشكلة وتحذيره الدائم للفرد.
6.
عدم
تباعد فترات التقويم للأفراد حتى يتسنى معالجتهم قبل استفحال الأمر.
7.
مناقشة
مثل هذه القضية في جلسة نقاش مفتوح يشترك فيه جميع الأفراد.
المؤمن يستعلي بإيمانه وانتسابه للحق
بقلم: نبيل حامد المعاذ
·
إذا كان
هناك من يتبجح بانتسابه الباطل، فينبغي لأهل الإيمان أن يرفعوا رايتهم
في دنيا الناس تختلف الغايات وتتوزع الهموم، فمنهم
من حصر غايته في الطعام والشراب، وحسب هؤلاء وصف القرآن الكريم: ﴿وَالَّذِينَ
كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ
مَثْوًى لَهُمْ﴾ (محمد: 12)، وقال أحد الحكماء: «ومن كان همه ما يدخل بطنه فقيمته
ما يخرج منها».
ومنهم من جعل لذته في جمع المال وعده: ﴿وَيْلٌ
لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾ (الهمزة: 1-2)، ﴿قَالَ
الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ
قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ
وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا
يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ (القصص: 79-80).
ومن الناس من انحط برجولته ومروءته، ليلهث وراء
المرأة متغزلاً أو متفحشًا لنستمع لهذه المهانة:
فلا
تدعني إلا بيا عبدها فإنه
أحبُّ أسمائيا
وقال
آخر:
أحب
لحبها السُّودان حتى حببت
لحبها سُود الكلاب
وقال آخر:
ومن الناس من انغمس بغاياته في الكؤوس والعربدة
فلخص الدنيا في هذه الكلمات المخمورة:
إنما
الدنيا سماع ومُدام فإذا
فاتك هذا فعلى الدنيا سلام
والمدام: هي الخمر، كما لخصها أحد نوابغ العصر
بقوله: «الدنيا سيجارة وكأس».
ومن الناس من يسعى للمجد الشخصي وبلوغ المنصب
والجاه، لا لشيء إلا ليرى نفسه والناس مقبلون عليه ملتفون حوله، ويمثل هؤلاء ذلك
الشاعر الوثاب الذي كان يطوف بين العرب ويراوده حلم الزعامة العربية:
يقولون
لي: ما أنت في كل بلدة وما
تبتغى؟ ما أبغي جل أن يُسمى
ومن الناس من نصب نفسه لخدمة شياطين الإنس والجن
فراح يفسد في الأرض ويحجب الناس عن الخير ويحجب الخير عنهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ
لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ (البقرة: 11)،
ويقول تعالى عنهم أيضًا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ
الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ
الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ
اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ
وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ (البقرة: 204-206).
وغير ذلك من الغايات التي يشملها جميعًا قوله
تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ
إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ
الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا
فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (هود: 15-16).
وفي وسط هذا الركام من الغايات الدنيا يستعلي
المؤمن بإيمانه وانتسابه للحق: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ
الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 139)، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ
وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون: 8). يستعلي على هذه الغايات
وأصحابها استعلاءً لا كبر فيه ولا غرور، ولكنه الاستعلاء الذي يرفعه عن هذه الدنيا
إلى مقام الصلاح والإصلاح ويعلنها قولًا وعملًا: «الله غايتنا».
لماذا الشعارات والإسلام دعوة عملية؟
وهنا يثير بعض الناس هذا السؤال: لماذا تصرون على
رفع الشعارات التي تضايق بعض الناس وتقلقهم كما أن الإسلام دين العمل؟
ونجيب عن ذلك أنه إذا كان هناك من يتبجح بانتسابه
إلى الباطل ويرفع توافه الرايات وسواقطها فلابد لأهل الحق أن يرفعوا رايتهم. ولذلك
لما قال أبو سفيان بعد أحد: «اُعْلُ هُبَل اُعْلُ هُبَل»، قال نبي الله: «ألا
تجيبوه؟» فقالوا: يا رسول الله وما نقول؟ قال صلى الله عليه: «قولوا: الله أعلى
وأجل». ثم قال أبو سفيان: «لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم»، فقال رسول الله: «ألا
تجيبوه؟» قالوا: وما نقول يا رسول الله؟ قال: «قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم»(1)،
مع أنه صلى الله عليه كان يأمرهم بالصمت عندما كان أبو سفيان يسأل عنه وعن أبي بكر
وعمر.
وإذا كان اليهود يرفعون التوراة المحرفة ويسيرون
خلفها، فلماذا نتوارى نحن بالمصحف أو نخجل من رفعه؟ وكذلك فإن إعلان الهوية شعيرة
إسلامية يقول تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ
وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّني مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت: 33).
وعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: كان رسول الله
يعلمنا إذا أصبحنا أن نقول: «أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص وعلى دين
نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى ملة أبينا إبراهيم حنيفًا وما كان من
المشركين، وإذا أمسينا مثل ذلك» (2). أليس هذا من باب التربية على إعلان الهوية
والاعتزاز بها؟
من مقتضيات هذا الشعار
فإذا رأينا أنه لا بأس، بل من الواجب في أوقات
كثيرة أن يوجد من يجهر بانتسابه للحق ويعتز برفع رايته، كان لزامًا علينا أن نبين
أنه ليس كل أحد جديرًا برفع هذا الشعار، وأخطر من ذلك أن نبين أن هذا الشعار له
مقتضيات وله توابع جسيمة. ولعل الآية السابقة ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا...﴾ التي
تحدثت عن إعلان الهوية قد سُبقت بآية تشير إلى مواصفات من يعلن هذه الهوية: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ
الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ
الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (فصلت: 30) وهي صفة مجملة، وسوف أذكر مقتضى واحدًا
أو لازمة واحدة من لوازم هذا الشعار بشيء من التفصيل:
ألا ترتفع على الله غاية ولا تساويه
الله سبحانه هو مستحق العبادة بلا منازع، وهو
سبحانه أعز وأكبر من أن يقبل ندًا أو شريكًا، أما الآلهة المزعومة التي يتعلق بها
بعض الناس فهي– في ميزان الله– لا تساوي شيئًا ولا وجود لها: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ
اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ (يونس: 18)،
﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ
الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا
الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ (يونس: 66). ولذلك فإن الله سبحانه يأبى
أن يُسوى بغيره حتى في الحب: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ
أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا
لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ
الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ (البقرة: 165).
فما بالنا بمن يقدم شيئًا من المعبودات المزعومة أو
الجوانب الأرضية عليه سبحانه ثم يعيش على الادعاءات والأوهام؟ ولنستمع لهذا
التحذير الشديد: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ
وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ
تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ
وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ
بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (التوبة: 24).
ونلاحظ في هذه الآية الكريمة أنها وضعت المحك
الحقيقي والدليل الملموس للحب وهو «الجهاد في سبيل الله» كما أن كلمة «فتربصوا»
توحي– والله أعلم– بالتخوف الدائم من عقوبات منتظرة– والعقوبات هنا مبهمة– كما أن
التذييل بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ يشعر بأن
النهاية الطبيعية لعدم الامتثال والغفلة عن هذه المعادلة هو الفسوق عن دين الله.
قدوات على الطريق
ورضي الله عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن
تبعهم بإحسان، فقد كان لسان حالهم ومقالهم ينبئ عن أنهم وحدوا الغاية والهم،
فجعلوه في الله سبحانه وتعالى:
فهذا صهيب رضي الله عنه يهاجر من مكة فيساومه أهلها
على ما معه من مال، فيبيع ماله ليستقبله النبي صلى الله عليه وسلم بالبشرى: «ربح
البيع أبا يحيى، ربح البيع أبا يحيى»، ولينزل فيه قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ
مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ
بِالْعِبَادِ﴾ (البقرة: 207).
وهذا أبو سلمة -رضي الله عنه- يخرج مهاجرًا بزوجته
وابنه، فيمنعه أهلها من صاحبته ثم يتدخل أهله– حمية وعصبية - ليأخذوا طفلها منها،
وظلوا يتجاذبونه حتى خلعوا كتفه، ويرى أبو سلمة ذلك فيمضي إلى الله ورسوله لا يلوي
على شيء.
وسار حسن البنا -رحمه الله- على مثل هذا الدرب
عندما خرج يومًا للدعوة وقد مرض ابنه مرضًا شديدًا، فقالت له زوجته: كيف تتركه في
مثل هذه الحالة؟ فيرد عليها: إن شُفي فبإذن الله، وإن مات فجدُّه أعلم بالمقابر
مني!
وهذا أعرابي مخلص يأتي إلى النبي صلى الله عليه
وسلم فيؤمن به ويتبعه ويقول له: «أهاجر معك»، فأوصى به أصحابه، فلما كانت غزوة
خيبر غنم رسول الله شيئًا فقسمه، وقسم للأعرابي فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى
ظهرهم -أي الإبل- فلما جاءوا دفعوه إليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: قسم قسمه لك رسول
الله، فأخذه فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما هذا يا رسول الله؟!
قال: «قسم قسمته لك»، قال: ما على هذا اتبعتك، ولكن اتبعتك على أن أُرمى هاهنا -وأشار
إلى حلقه- بسهم فأموت فأدخل الجنة، فقال: «إن تصدق الله يصدقك». ثم نهضوا إلى قتال
العدو، فأُتي به إلى النبي مقتولاً فقال: «أهو هو؟» قالوا: نعم، قال: «صدق الله
فصدقه»(3).
وهذا مصعب رضي الله عنه الشاب المترف المدلل تستحوذ
عليه هذه الغاية وتخالط بشاشة الإيمان قلبه، فيضحي بالراحة والنعيم، وأهم من ذلك
في نظري تضحيته بجوار النبي ليذهب داعيًا مجاهدًا ناشرًا لدين الله في المدينة وسط
الغربة والخوف والفقر.
ومن الجواذب الخطيرة في الآية السابقة من (التوبة:
24) عصبية الأرض ﴿وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا﴾، فمع إقرارنا بوجود الحنين والعاطفة
لمسقط الرأس إلا أنها عند الصادقين لا تنازع الغاية الكبرى لأنهم جعلوا شعارهم:
﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ (العنكبوت: 26).
وقول الشاعر:
ولست
أدرى سوى الإسلام لي وطنًا الشام
فيه ووادي النيل سيان
ومن فقه الصحابة -رضوان الله عليهم- في هذا الباب
أن كثيرًا منهم مات خارج مكة والمدينة- حيث كان يجاهد - مع ما ورد في الموت فيهما
من فضيلة. ورحم الله المسلمة الأولى -غير الخنساء- التي مات لها أربعة أبناء كل
واحد منهم في بلد فلما سُئلت عن ذلك قالت: «باعدت بينهم الهمم».
وبعد، فلهذا الشعار تبعات ومقتضيات كثيرة أرجو أن
تُبحث، ونسأل الله سبحانه أن يعيننا عليها وأن يجعلنا بها حتى نكون «مع الصادقين».
الهوامش
(1) ابن كثير «البداية والنهاية» 3/26 والتفسير
4/188.
(2) رسالة المأثورات للإمام حسن البنا 35 والهامش.
(3) سنن النسائي (نظرات في رسالة التعاليم لمحمد
عبد الله الخطيب ص292).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل