العنوان المجتمع التربوي (العدد 1088)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 15-فبراير-1994
مشاهدات 95
نشر في العدد 1088
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 15-فبراير-1994
إعداد: عبد الحميد البلالي
وقفة تربوية: عقوبة الأبناء
العقوبة أمر طارئ في تربية الأبناء، ويضطر لها
الأب أو الأم حيث لا تنفع باقي وسائل التربية والتقويم، ولكن ما يؤسف له أن كثيرًا
من الآباء يعتمدون هذا الأسلوب وخاصة «الضرب» الأسلوب الوحيد في تقويم ومعالجة
أخطاء الأبناء. عندما نقول مثل ذلك فإننا لا نلغي مثل هذا الأسلوب، وذلك لأن له
أصلًا في الدين «واضربوهم عليها لعشر»، وإنما نعارض أن يكون هو الأسلوب الوحيد أو
الغالب في تربية الأبناء، وأنواع العقوبات تتعدد وتتنوع ويستطيع الوالدان أن يأخذا
منها ما يتناسب مع الخطأ ويستحب التنويع في تناولها، حتى لا تفقد أي منها قيمتها
أو تفقد فاعليتها.
ومن هذه العقوبات:
- النظر
للطفل بغضب.
- عدم
التحدث معه (مقاطعته كلاميًا).
- عدم
أخذه معه في نزهة.
- التأنيب
(على أن يكون لوحده وليس أمام إخوته).
- التهديد.
- العتاب.
- الضرب
"بحيث لا يكون على الوجه، ولا بمكان خطر، وألا يترك أثرًا أو جرحًا".
- الصرخة
عليه وإظهار الغضب الشديد.
هذه بعض أنواع العقوبات، وكلها يجب ألا نلجأ
إليها قبل تبيين الخطأ وتعليمهم الصواب.
أبو
بلال
قطوف تربوية حول قصة الثلاثة
والصخرة (٤- ٦)
بركة المسير الجماعي
بقلم: د. حمد شعيب - بريدة،
القصيم، السعودية
إن المتأمل في هذا الوجود يجد أن هناك ظواهر
عامة تربطه وتميزه، وكلها تدل على انبثاقه عن مصدر واحد، وتبرهن على وحدة الخلق.
الظاهرة الارتحالية
ومن هذه الظواهر المميزة لهذا الوجود الكبير
ظاهرة الحركة، أو الحيوية التي لا تأسن، أو (الظاهرة الارتحالية) التي تشمل الكون
والحياة وكذلك الإنسان، والله عز وجل يصور الحركة الكونية المستمرة في أكبر جرم
كوني نراه: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَاۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ
الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) (يس: 38)، وكذلك لو تأملت أصغر جرم كوني وهي الذرة لوجدت
أن العلماء قد أثبتوا أن الحركة المستمرة لمكوناتها هي إحدى سماتها وميزاتها
الثابتة، وهذه الحركة قانون من قوانين هذا الكون وهي كذلك قانون من قوانين الحياة
البشرية -بوصفها قطاعًا من الحياة الكونية- ولكنها ليست حركةً مطلقةً من كل قيد
وليست حركةً بغير ضابط ولا نظام. فلكل نجم ولكل كوكب فلكه ومداره وله كذلك محوره
الذي يدور عليه في هذا المدار، وكذلك الحياة البشرية لا بد لها من محور ثابت ولابد
لها من فلك تدور فيه وإلا انتهت إلى الفوضى والدمار، كما لو انفلت نجم من مداره(1).
فحياة الإنسان على هذه البسيطة ما هي إلا رحلة
لكائن متحرك، ارتحالي أو مسافر إلى استقرار ومصير، إما إلى جنة عرضها السموات
والأرض أو إلى نار وقودها الناس والحجارة.
عقيدة حية
وعندما أراد الله عز وجل أن يضبط الحياة
البشرية حتى تتوافق مع هذا الكون الخاضع المسبح لربه، أنزل رسالاته على رسله
-عليهم السلام- وعندما عرض القرآن الكريم مضمون هذه الرسالات، لم يعرضها في قوالب
جامدة بل على هيئة دورات حركية حيوية، فلو تأملت (سورة الأعراف) وكيفية عرضها
لموضوع العقيدة لوجدت أنها قد عرضته في مجال التاريخ البشري في مجال رحلة البشرية
كلها مبتدئةً بالجنة والملأ الأعلى، وعائدةً إلى النقطة التي انطلقت منها. وفي هذا
المدى المتطاول تعرض موكب الإيمان من لدن آدم -عليه السلام- إلى محمد -صلى الله
عليه وسلم- تعرض الموكب الكريم يحمل هذه العقيدة ويمضي بها على مدار التاريخ يواجه
بها البشرية جيلًا بعد جيل، وقبيلًا بعد قبيل وكيف استقبلت البشرية هذا الموكب وما
معه من الهدي؟ كيف خاطبها الموكب وكيف جاوبته؟ وكيف كان عاقبة المكذبين وعاقبة
المؤمنين في الدنيا والآخرة(2).
سمات حيوية
وعندما تتأمل "السمات المميزة للمنهج
الحركي للرسالة الخاتمة"، والتي بينتها سيرته -صلى الله عليه وسلم- الجهادية
فإنك تستشعر فيها مدى الحيوية المتدفقة والتي تكاد تنطق بالحياة المتحركة
والمتجددة، وهي سمات أربع:
1. السمة الأولى: الواقعية
الجدية في منهج هذا الدين. فهي حركة تواجه واقعًا بشريًا بوسائل مكافئة.
2. السمة الثانية: الواقعية
الحركية، فهي حركة ذات مراحل كل مرحلة لها وسائلها، وكل مرحلة تسلم إلى التي تليها.
3. السمة الثالثة: أن هذه
الحركة الدائبة والوسائل المتجددة لا تخرجها عن قواعدها وأهدافها المحددة.
4. السمة الرابعة: الضبط
التشريعي للعلاقات بين المجتمع المسلم وسائر المجتمعات الأخرى(3).
فقه تصنعه الحركة
والمسلم يدرك من أول يوم لتلقيه هذا الدين
الحي المتحرك والمتجدد الحيوية، أن الله عز وجل لا يهب نعمة الفقه فيه -أي الفهم
العميق لآيات الله وسنته في الكون والحياة والمجتمع- إلا للإيجابيين المتحركين
الذين يدركون "أن فقه هذا الدين لا ينبثق إلا في أرض الحركة ولا يؤخذ من فقيه
قاعد حيث تجب الحركة". ففي الآية: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا
كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ
لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا
إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (التوبة: ١٢٢)، ترجح أن المؤمنين لا ينفرون
كافةً ولكن تنفر من كل فرقة منهم طائفة -على التناوب بين من ينفرون ومن يبقون-
لتتفقه هذه الطائفة في الدين بالنفير والخروج والجهاد والحركة بهذه العقيدة، وتنذر
الباقين من قومها إذا رجعت إليهم بما رأته وفقهته من هذا الدين في أثناء الجهاد
والحركة. ولعل هذا عكس ما يتبادر إلى الذهن من أن المتخلفين عن الغزو والجهاد
والحركة هم الذين يتفرغون للتفقه في الدين، ولكن هذا وهم لا يتفق مع طبيعة هذا
الدين، إن الحركة هي قوام هذا الدين، ومن ثم لا يفقهه إلا الذين يتحركون به
المجاهدون لتقريره في واقع الناس المندمجون في الحركة العملية به(4).
ولأن المسلم يعلم أنه جزء من هذا الوجود
الكبير، فإن حياته تتميز (بالظاهرة الارتحالية) التي تميز هذا الوجود. وحتى لا يقع
بينها الاصطدام والتضاد، وحتى يحدث بينهما التوافق والتناغم كان عليه أن يلتزم
بمنهج رب العالمين، ولكي يمن عليه الله عز وجل بفقه هذا المنهج الفريد كان عليه أن
يدرك أن تلك المنة لا تأتي إلا بالحركة والإيجابية والجهاد في سبيله لنشر دعوته
سبحانه.
المؤمن على سفر:
وكانت وصايا الحبيب -صلى الله عليه وسلم- تركز
على هذه المعاني وتبين أن حياته على هذه البسيطة ما هي إلا فترة سفر وارتحال
للعبور إلى المستقر الخالد وهو جنة رب العالمين: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر
سبيل» (البخاري: 8/ 110)، ويوضح -صلى الله عليه وسلم- في وصية أخرى معنى السمة أو
الظاهرة الارتحالية لحياة المسلم: «ما لي وللدنيا، وما للدنيا ومالي! والذي نفسي
بيده ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة ساعة من
نهار، ثم راح وتركها» (أخرجه الإمام أحمد في المسند: 1/ 301)؛ أي "وما مثلي
ومثلها إلا كمسافر ركب مطيته وسار في يوم هجير شديد قيظه فلما اشتد به التعب نزل، فقال
تحت شجرة فترةً وجيزةً لا تتجاوز الساعة ريثما ابتلع أنفاسه، وعاد إليه نشاطه، ثم
راح وترك الشجرة مستأنفًا السير من جديد ليصل إلى نهاية رحلته"(5). والقدرة على مواصلة هذا السفر هي التي
تفاضل بين الناس وقدراتهم الذاتية للنجاة ولتحمل الأعباء والتكاليف: «إنما الناس
كإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة» (البخاري: 8/ 130)، والراحلة هي الناقة
القوية السريعة السير، وتأمل نسبة من يتحمل ويواصل.
آداب السفر
وكما أن هذا المنهج الفذ لا يترك الأمور تسير
جزافًا، كان لكل أمر ضوابطه، لذلك كان للسفر بمعناه الخاص القريب آدابه التي تجلب
البركة:
أولًا: رد
المظالم وقضاء الديون وإعداد نفقة السفر.
ثانيًا: اختيار
الرفيق الذي يعين على طاعة الله: «لو أن الناس يعلمون من الوحدة ما أعلم ما سار
راكب بليل وحده» (البخاري). و«إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم» (حديث حسن).
ثالثًا: أن
يقول عند وداعه لمودعه: «أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك» (رواه أبوداود
والترمذي وسنده صحيح)، وليدع له المقيم: «زودك الله التقوى وغفر ذنبك، ويسر لك
الخير حيثما كنت» (سنده حسن).
رابعًا: الرفق
بالدابة إذا سافر راكبًا.
خامسًا: أن
يلزم القافلة فلا يمشي منفردًا.
سادسًا: إذا
عاد، أن يكبر على كل شرف ثلاثًا، ويلزم أذكار السفر. ومن الآداب الباطنة للسفر أن
يجعله في طاعة الله عز وجل(6).
وفي قصة (الثلاثة والصخرة) كان من الملامح
التربوية التي تبين أسباب بركة السفر:
- أن
كلًا منهم كان نعم الرفيق الذي يخاف ربه، وله من الأعمال الخفية ما سبب الفرج
لهم جميعًا والخروج من محنة الغار والصخرة، ليواصلوا سفرهم، وتأمل مدى الخطر
الذي كان من الممكن حدوثه لو ضم ركبهم عصاة.
- أنهم
قد خرجوا في جماعة متآلفة، غير متناكرة حتى في أصعب الظروف. وكان لبركة
الصحبة والجماعة أن كلًا منهم قد شارك في صناعة الفرج بدعائه مع إخوانه بعمله
الصالح الخفي. وتأمل مدى الخطر الذي كان من الممكن أن يحيق بهم ويسيرهم لو لم
تظللهم بركة الجماعة، أو ضم ركبهم من لا يحترم أدب السير في جماعة.
والداعية الذي يضمه (ركب المرتحلين) الذي يشمل
هذا الوجود الكبير، كان عليه أن يفهم معنى ومدى أهمية التوافق والتناغم مع حركة
الوجود المطيع والمسبح لربه، ويدرك خطر النشاز وعليه أن يدرك مدى أهمية ونوعية
الصحبة والرفقة في سيره الدعوي المبارك، وأهمية العمل الصالح الخفي له ولمن يشاركه
المسير، ولا ينسى أن السير الجماعي له بركة لكل المشاركين، فلعلهم الجلساء الذين
لا يشقى بهم جليسهم.
الداعية: عباس السيسي.. كيف ينجح
في جذب القلوب؟!
كتب - بدر محمد بدر
المربي الفاضل والداعية الكبير الشيخ عباس
السيسي (أبو معاذ) له قدرة عجيبة على التسلل إلى القلوب، فلا يقترب منه أحد حتى
يستولي على قلبه بالعاطفة والطرفة والقفشة وطلاقة الوجه.. سألته: ما السر في
قدرتكم على السيطرة على القلوب وأسرها لصالح الدعوة، وهل هذه صفة ذاتية أم مكتسبة،
وماذا تعني بالنسبة لكم الدعوة الفردية؟
فقال: يستحب أن يكون السؤال: ما سر قدرتكم على
جذب القلوب وليس السيطرة على القلوب وأسرها؛ حيث إنه ليس من الحكمة في أسلوب
الداعية أن يسيطر على القلوب فيأسرها ويستخلصها لنفسه، فيحجب عنها الحرية الشخصية،
والانطلاق مع كل القلوب لأن ذلك هو سر حياة القلوب ومنعتها، فالسيطرة أسر والجذب
رفق وحب، والأسر يضيق من مجالات حركة الأشواق والعواطف ويحد من مساحة التعامل مع
الآخرين، ولكن الجذب كأريج الرياحين والزهور يشد الإنسان برغبة ورفق بالاستنشاق
والاستذواق.
كما أنه لم تكن هذه صفةً ذاتيةً أو مكتسبةً
بقدر ما كانت بذرةً لم تجد من يرويها وينميها حتى عثر عليها قلب داعية ينبض بأنبل
العواطف والمشاعر، التي كانت كالسحر الحلال والماء الزلال فأنبتها الله نباتًا
حسنًا، فاستيقظت بعد خمول وجمود، فانطلقت تعوض ما فات وتلتهم ما هو آت برفق كنسيم
الريح وحركة الظل.. وإيماني أن أكثر الشباب والشابات مدفون في أعماق قلوبهم هذا
الإحساس، فالبيئة الصالحة تكشفه وتزهره والبيئة الجاهلية تكبته وتخفيه لأنه في
عرفهم إثم مخالف للعرف والدين!
وليس من المبالغة إذا قلت إن إهمال الكشف عن
منابع العواطف والمشاعر النبيلة الشريفة وبعثها بين جماهير أبناء الأمة الإسلامية
أفقد الأمة الإسلامية أحلى وأقوى مصادر القوة الروحية للبعث الإسلامي المنشود،
ويقيني أن أعداء الإسلام قد سبقوا في فهم خطورة بعث هذه العواطف الإسلامية في نفوس
الشباب المسلم، فأسرعوا بتحويل اتجاههما الفطري النظيف إلى عواطف الجنس والمجون
والخنوسة ليخربوا الخامة البشرية الإسلامية بما جلبوه إلى بلادنا من الأغاني
الماجنة والصور الخليعة والكتب المدنسة والسينما والمسارح العابثة وشواطئ العراة، وما
خفي كان أعظم... وهي مؤامرة ولا شك مقصودة مرصودة تقوم عليها أجهزة من العملاء
والشياطين.
وأستطيع أن أقول بكل الثقة إنه يوم شاعت روح
الحب في الله تعالى بين فتيان وفتيات هذا الجيل، رأينا أن هذه الفتن قد انكشفت
وانحسرت في زوايا الظلام، وأن مشاعر الحب في الله تعالى قد سادت ونمت وأنبتت هذه
الصحوة الإسلامية التي تؤرق أعداء الله، ولا يحتاج الأمر إلى برهان أو دليل.
أما الدعوة فبكل المقاييس تبدأ بنبض القلوب
ويقظة الوجدان والمشاعر، فاللقاء الأول والكلمة الأولى، بل النظرة الأولى هي سر
الجذب أو الرفض، وعلى قدر إحساس الداعية ومشغلته النفسية بعظمة رسالته وخطورة
مهمته بقدر ما تتحرك حواسه وأنفاسه نحو الهدف الذي يسعى إليه، كما في قول الصحابي
الجليل أسعد بن زرارة للداعية الإسلامي العظيم مصعب بن عمير حين جاء أسيد بن حضير،
فقال له أسعد بن زرارة: "يا مصعب.. هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق الله
فيه". إن هذا التوجيه المحيط لابد أن يستصحبه كل داعية عند أول لقاء ليفتح
الله له القلوب.
إن الداعية في حالة الدعوة الفردية يكون في
حالة التوهج واليقظة واستنفار لكل الأحاسيس، ويكون في حالة حضور ودعاء لله سبحانه
وتعالى: (بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن
كُنتُمْ صَادِقِينَ)، (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ
يَهْدِي مَن يَشَاءُ)... حتى إذا شرح الله صدرًا لهذه الدعوة، فعلى الداعية الموفق
أن يتسلل بعد ذلك في الواجبات والتبعات نحو هذا القلب الجديد في رفق ولين حتى تبلغ
منه ما تريد بالتربية والتكوين في حضن القلوب التي تحيط به وتحبه وترعاه، وكما قال
الإمام الشهيد حسن البنا: "إن أعظم خصائص الإسلام وأكبر منجزاته هو تكوين
شخصية المسلم، وإذا وجد المؤمن الصحيح وجدت معه أسباب النجاح جميعًا".
من الداعية الناجح؟
إن التزام الإنسان بطريق الدعوة شيء، وأن يكون
ناجحًا في دعوته شيء آخر.. فقد يكون هدف الداعية من دعوة الناس أنه يريد منهم
العودة إلى الدين والالتزام بالتعاليم، ولكن عندما يكون هدفه منهم أن يكونوا
ناجحين في حمل أمانة الدين فهذا شيء آخر؟!
ليس المهم هو الحشو الشرعي في أذهان الناس،
ولكن المهم هو كيف يتعامل هذا الإنسان مع المعلومات الشرعية في واقعه السلوكي
والأخلاقي. ليس المهم هو أن أوجه الناس حتى أسقط عن ذمتي مسؤولية التعليم، ولكن
المهم أن أصبر على أذى الناس حتى أتمكن من التغيير. ليس المهم أن أحفظ الآيات
والأحاديث والأشعار وإن كان هذا أمرًا مطلوبًا، ولكن المهم أن أعرف كيف أعمل بها
وأترجمها إلى واقع عملي.
جاء طالب علم إلى شيخه بعدما حفظ صحيح البخاري
كله، فقال: "يا شيخ لقد حفظت صحيح البخاري"، فقال له الشيخ: "بارك
الله فيك، ولكنك كتاب قد وضع في مكتبة، فالعلم يحلو بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل".
إن في الدعوة اليوم دعاة همهم الصراخ والعويل
والحوقلة والترجيع ويظنون أن هذه هي الدعوة، إلا أن الدعوة هي تحويل هذه الحوقلة
والترجيع إلى واقع عملي، واندفاع ذاتي، وشعلة متوقدة، وهمة متيقظة، وحركة دؤوبة.
ولنا في قصة مؤمن آل فرعون عبرة وعظة حيث إنه لم يحوقل على النتيجة التي سمعها من
التآمر على موسى، وإنما سعى وتحرك وتكلم ووجه وحذر وخطط، فهذا هو الداعية الناجح.
جاسم
المطوع
الهوامش:
(1) خصائص التصور الإسلامي: سيد قطب، ص٤١.
(2) في ظلال القرآن: سيد قطب، ٨/١٢٤٤ بتصرف.
(3) في ظلال القرآن: سيد قطب، ٩/١٤٣٢-١٤٣٣
بتصرف.
(4) في ظلال القرآن: سيد قطب، ١١/١٧٣٤-١٧٣٥
بتصرف.
(5) توجيهات نبوية على الطريق: د. سيد نوح،
١/٢٥.
(6) تهذيب موعظة المؤمنين: القاسمي، ص١٣٨-١٤١ بتصرف.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل