; المجتمع التربوي العدد1347 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي العدد1347

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 27-أبريل-1999

مشاهدات 3

نشر في العدد 1347

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 27-أبريل-1999

المجتمع التربوي


وقفة تربوية

الفاروق مع أبنائه

دخل عامل لعمر بن الخطاب- رضي الله عنه- عليه فوجده مستلقيًا على ظهره وصبيانه يلعبون على بطنه، فأنكر ذلك عليه فقال له عمر: كيف أنت مع أهلك؟ قال: إذا دخلت سكت الناطق، فقال له: اعتزل، فإذا كنت لا ترفق بأهلك وولدك، فكيف ترفق بأمة محمد». المستطرف ۱۹۳.

تتشكل شخصية الأبناء بتأثرها بعدة عوامل أولها العامل الأسري حيث يحتك الإنسان بالمحضن التربوي الأول، والذي يتكون من الوالدين والطفل يتأثر كثيرًا بشخصية الوالد والوالدة، ومن النادر أن تكون شخصية الأبناء مختلفة عن شخصية والديهم.. فإذا كان الأب من النوع العصبي كان الأبناء كذلك، وإذا كان ممن لا يعطون أبناءهم الفرصة للتعبير عن آرائهم وما يختلج في صدورهم، بل يسكت الناطق كما فعل عامل عمر رضي الله عنه، نشأ الأبناء مهتزي الشخصية مترددين في اتخاذ القرار، ضعفاء في صناعته، يخافون من مواجهة الآخرين، وغالبًا ما ينقلون خبراتهم إلى أبنائهم. وهناك بعض الدراسات النفسية التي أثبتت أن بعض هواة ضرب الزوجات إنما اقتبسوا ذلك من سلوك آبائهم مع أمهاتهم وحتى ينشأ أبناؤنا تنشئة طبيعية، بعيدة عن الانحراف السلوكي، متمتعين بشخصيات قوية يعرفون كيف يصوغون القرار فإنهم يحتاجون إلى المزيد من الاحتكاك من الوالدين، والاستماع إليهم، وإلى مشكلاتهم وشكاواهم، وترك الفرصة للتعبير عن آرائهم، واللعب معهم، ونقل رسائل الحب العملية لهم.

إننا بذلك نقوم بعملية البناء الصحيح لشخصياتهم، وبغير ذلك فإننا نعرضهم للانحراف.

أبو خلاد


المجتمع التربوي

آفات على الطريق
الحلقة الأولى

اللغـــــــــــــــو

هو انشغالك بغير النافع المفيد فاحذر منه

بقلم: د. السيد محمد نوح1

  • من أسبابه البيئة المحيطة وضعف المراقبة.. نسيان الحساب واتباع الهوى.

  • من مظاهره كثرة الكلام بغير مبرر.. استخدام الألفاظ القبيحة.. اللهو الباطل والمزاح غير المنضبط.



اللغو هو الآفة الثلاثون التي يتهاون بها الناس كثيرًا، وهي من الخطورة بمكان، وحتى يتخلص منها من ابتلي بها، ويتوقاها من سلمه الله- عز وجل- منها، فإنه لا بد من القيام بسلسلة من الأمور تشمل تعرف أبعاد ومعالم هذه الآفة، وبعض المظاهر الدالة عليها مع بيان موقف الإسلام منها، وكذلك أسباب الوقوع فيها، والعواقب والآثار المترتبة عليها، وأخيرًا علاجها، والوقاية منها.

أولًا: تعريف اللغو لغة واصطلاحًا:

لغة: يطلق على معانٍ عدة منها:

١- الميل عن النافع إلى غيره، تقول: لغا عن الصواب وعن الطريق مال منه إلى غيره من الخطأ ونحوه.

٢- الخطأ أو الباطل، تقول: لغا فلان لغوًا، وباللغو: تكلم الخطأ أو الباطل، وبالخطأ أو بالباطل.

٣- لزوم الشيء أو الولع به وعدم مفارقته، تقول: لغي بالشيء وفي الشيء لزمه أو أولع به وفيه فلم يفارقه.

٤- الإكثار من الشيء مع عدم جدواه، تقول: لَغِيَ بالماء والشراب: أكثر منه مع عدم ريه.

٥- المزاح: تقول: لاغاه مازحه.

٦- التنغيم، تقول: لَغِيَ بصوته: نغّم به.

٧- الفحش، تقول: كلمة لاغية: فاحشة.

٨- ما لا يعتد به، ولا يحصل منه فائدة ولا نفع، تقول: تكلم باللغا: قال ما لا يعتد به، ولا يحصل منه فائدة ولا نفع.

٩- ما لا يعقد عليه القلب، مثل: لغو اليمين، وهو قول القائل: لا والله، وبلى والله مما يصدر باللسان ولا يراد منه عقد القلب.2

وظني أنه لا تعارض بين هذه المعاني جميعًا، إذ بعضها يحدد حقيقة اللغو وهو الميل عن النافع إلى غيره، أو الاشتغال بما لا يعتد به، ولا يحصل منه فائدة ولا نفع، وبعضها يحدد صوره من: المزاح، والتنغيم، والفحش، وما يجري على اللسان دون قصد أو نية، وبعضها يحدد مقداره، وحجمه، وهو لزوم الشيء أو الولع به مع عدم مفارقته، وبعضها يجمع ذلك كله، ولكن على سبيل الإجمال لا البسط وهو الإكثار من الشيء مع عدم جدواه.

اصطلاحًا : اختلفت عبارات العلماء في تعريفه اصطلاحًا، وهذه أشهر التعاريف:

١- ابن جرير الطبري ت ۳۱۰ هـ، قال: واللغو كل كلام أو فعل باطل وكل ما يستقبح، كسبِّ الإنسان، وذكر النكاح باسمه في بعض الأماكن وسماع الغناء مما هو قبيح كل ذلك يدخل في معنى اللغو الذي يجب أن يجتنبه المؤمن».3

٢- الزجاج ت ٣١١ هـ . قال: واللغو : «كل لعب ولهو، وكل معصية فهي مطرحة ملغاة».4

3- أبو حيان الأندلسي ت ٧٥٤ هـ، قال: اللغو : فضول الكلام وما لا طائل تحته، وقال أيضًا: «واللغو ما لا يغنيك من قول أو فعل كاللعب والهزل وما توجب المروءة طرحه»، وقال: «كل ما ينبغي أن يلغى ويطرح».

٤- الحافظ ابن كثير ت ٧٧٤هـ . قال: «اللغو الباطل، وهو يشمل الشرك والمعاصي، وما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال».5

٥- ابن عطية ت ٥٤١ هـ. قال: واللغو: «سقط القول، وهذا يعم جميع ما لا خير فيه، ويجمع آداب الشرع، وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه».6

٦ - صديق حسن القنوجي ت ۱۳۰۷ هـ. قال: «وقيل المراد باللغو كل ما كان حرامًا أو مكروهًا أو مباحًا لم تدع إليه ضرورة، ولا حاجة».7

ومع أن هذه التعاريف جميعًا متقاربة إلا أن أجمعها وأكثرها إيجازًا ودلالة على المراد تعريف الحافظ ابن كثير- رحمه الله تعالى- ت ٧٧٤ هـ، وتعريف أبي حيان ت ٧٥٤ هـ الأخير:

«كل ما ينبغي أن يُلغى ويطرح»، ولا مانع من صياغته بعبارة أكثر سهولة ويسرًا بأن يقال:

«هو الاشتغال بغير النافع المفيد عن النافع المفيد».

ثانيًا: بعض المظاهر الدالة على اللغو مع بیان موقف الإسلام منه:

هناك مظاهر كثيرة دالة عليه، نذكر منها:

١- رفع الصوت بقبيح الغناء، وكذلك سماعه.

٢- كثرة الكلام، من غير مبرر ولا موجب.

٣- استخدام الألفاظ النابية أو القبيحة في التعبير عن الشيء.

٤- اللعب غير المشروع، مثل اللعب بالحمام والميسر، ونحو ذلك.

٥- اللهو الباطل على نحو ما جاء في الحديث الشريف «كل لهو باطل، ليس من اللهو محمود إلا ثلاثة: تأديب الرجل فرسه، وملاعبته أهله، ورميه بقوسه ونبله، فإنهن من الحق» الحديث.8

٦- المزاح غير المنضبط بضوابط الشرع الحنيف إذ كان يمزح ولا يقول إلا حقًا. أو الإكثار من المزاح ولو كان منضبطًا بضوابط الشرع.

٧- الوقوف مع أهل اللغو، أو الخوض معهم ومشاركتهم باطلهم.

٨- الحلف بغير مبرر ولا موجب ولو كان حقًا، ومن باب أولى الحلف بالباطل.

٩- التدخل فيما لا يعني، وإقحام النفس فيما لا ينفع ولا يفيد.

۱۰- السخرية واللمز والاستهزاء، ونحو ذلك. ويجمع ذلك كله قول صديق بن حسن القنوجي المذكور آنفًا وهو: «كل ما كان حرامًا، أو مكروهًا، أو مباحًا لم تدع إليه ضرورة ولا حاجة». ولقد ذم الشارع اللغو بكل أشكاله وصوره ومظاهره، حيث جعل الإعراض عنه، وعن أهله من صفات المؤمنين فقال: تعالى: ﴿قَد أَفلَحَ المُؤمِنونَ الَّذينَ هُم في صَلاتِهِم خاشِعونَ وَالَّذينَ هُم عَنِ اللَّغوِ مُعرِضونَ (المؤمنون: ١-٣)

قال أبو حيان: «لما وصفهم بالخشوع في الصلاة، أتبعهم الوصف بالإعراض عن اللغو ليجمع لهم الفعل والترك الشاقَّين على الأنفس اللذين هما قاعدتا بناء التكليف»9 وقال تعالى : ﴿وَالَّذينَ لا يَشهَدونَ الزّورَ وَإِذا مَرّوا بِاللَّغوِ مَرّوا كِرامًا (الفرقان: ٧٢).

قال أبو حيان: والمعنى: وإذا مروا بأهل اللغو مروا معرضين عنهم، مكرمين أنفسهم عن التوقف عليهم، والخوض معهم لقوله: ﴿وَإِذا سَمِعُوا اللَّغوَ أَعرَضوا عَنهُ (القصص: ٥٥). انتهى.10

وقال تعالى: ﴿وَإِذا سَمِعُوا اللَّغوَ أَعرَضوا عَنهُ وَقالوا لَنا أَعمالُنا وَلَكُم أَعمالُكُم سَلامٌ عَلَيكُم لا نَبتَغِي الجاهِلينَ (القصص: ٥٥).

وحذر من مجالسة أهله فقال تعالى: ﴿وَإِذا رَأَيتَ الَّذينَ يَخوضونَ في آياتِنا فَأَعرِض عَنهُم حَتّى يَخوضوا في حَديثٍ غَيرِهِ وَإِمّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيطانُ فَلا تَقعُد بَعدَ الذِّكرى مَعَ القَومِ الظّالِمينَ (الأنعام: ٦٨) وطهر سبحانه الجنة منه بقوله عن أهلها:

﴿لا يَسمَعونَ فيها لَغوًا إِلّا سَلامًا وَلَهُم رِزقُهُم فيها بُكرَةً وَعَشِيًّا (مريم: ٦٢).

وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه».11

وقوله: «كل لهو باطل، ليس من اللهو محمود إلا ثلاثة : تأديب الرجل فرسه....» الحديث.12

وقوله: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر».13



وعن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- قال: «أعظم الناس خطايا يوم القيامة : أكثرهم خوضًا في الباطل».14

وقال سلمان- رضي الله عنه- : «أكثر الناس ذنوبًا يوم القيامة: أكثرهم كلامًا في معصية الله».15

إلى غير ذلك مما يشهد بذم الشارع للغو وتنفيره منه.

ثالثًا: أسباب الوقوع في اللغو كثيرة

نذكر منها :

١- البيئة: فقد تكون البيئة التي يولد بها المرء، وينشأ ويعيش فيها من أبرز الأسباب التي توقع في اللغو بغض النظر عن كون هذه البيئة قريبة كالبيت أو الأسرة التي ينتمي إليها أم بعيدة كالمجتمع الذي يخالطه، ولذا تقدم التنبيه غير مرة إلى ضرورة الالتزام بضوابط الشرع الحنيف عند بناء الأسرة. وكذلك في تحديد مكان السكني والإقامة، وأيضًا الدقة في اختيار مجتمع الأصحاب والأصدقاء، إذ هذه جميعًا إذا كانت غارقة في اللهو منغمسة فيه حملت الناشئة حملًا على التأثر والاصطباغ بالصبغة نفسها، أما إذا كانت بمنأى عن هذا اللغو فإنها تصبغ الناشئة بصبغتها، وتسقيهم من حياضها.

۲- عدم إدراك المرء رسالته في الأرض: إذ المرء حينئذ يكون أشبه بالعجماوات التي لا هم لها سوى ملء البطون، وإشباع الفروج، وتلك والعياذ بالله سمة الكفار إذ يقول الحق سبحانه: ﴿والَّذينَ كَفَروا يَتَمَتَّعونَ وَيَأكُلونَ كَما تَأكُلُ الأَنعامُ وَالنّارُ مَثوًى لَهُم (محمد: ١٢).
أجل: إن عدم معرفة الإنسان برسالته ودوره في الأرض يعني أن نفسه صارت فارغة من الحق، ومن فرغت نفسه من الحق امتلأت بالباطل، وذلك هو اللغو.

٣- تلاشي أو ضعف مراقبة الله عز وجل: ذلك أن المرء إذا لم يؤمن أن الله معه في كل ظروفه وأحايينه يسمع ويرى، ويعلم، أو تضعف لديه هذه المراقبة فإنه يقع لا محالة في كل إثم ورذيلة، وليس هذا سوى اللغو.

وقد جاء في الحديث ما يكشف عن ذلك، إذ يقول النبي : «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن».16

يقول المهلب في معنى نفي الإيمان عنه: «تنزع منه بصيرته في طاعة الله».17

ويقول ابن الجوزي: «إن المعصية تذهله عن مراعاة الإيمان، وهو تصديق القلب، فكأنه نسي من صدق به».18

ويقول ابن حجر : «معنى قوله ليس بمؤمن أي ليس بمستحضر في حالة تلبسه بالكبيرة جلال من آمن به فهو كناية عن الغفلة التي جلبتها له غلبة الشهوة».19

ويقول الطيبي: «ويحتمل أن يكون الذي نقص من إيمان المذكور الحياء، وهو المعبر عنه في الحديث الآخر بالنور، وقد مضى أن الحياء من الإيمان، فيكون التقدير لا يزني حين يزني وهو يستحيي من الله، لأنه لو استحيا منه، وهو يعرف أنه مشاهد حاله لم يرتكب ذلك، وإلى ذلك تصح إشارة ابن عباس تشبيك أصابعه، ثم إخراجها منها، ثم إعادتها إليها. ويعضده حديث من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى».20

٤- نسيان يوم الحساب والجزاء : إن الإنسان إذا نسي أن أعماله محصية ومكتوبة عليه. وأنه راجع إلى ربه لا محالة ، ومجزي عن هذه الأعمال بالسوء سوءًا، وبالإحسان إحسانًا إذا نسي ذلك وجد من نفسه الجرأة على اقتحام اللغو والوقوع فيه، وقد نبه رب العزة إلى ذلك بقوله: ﴿وَلا تَتَّبِعِ الهَوى فَيُضِلَّكَ عَن سَبيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذينَ يَضِلّونَ عَن سَبيلِ اللَّهِ لَهُم عَذابٌ شَديدٌ بِما نَسوا يَومَ الحِسابِ (ص: ٢٦).

٥- العمل على تحقيق العبودية على غير هدى ويغير منهاج: قد يكون المرء عارفًا بدوره ورسالته في الأرض، وأنها العبودية لله- عز وجل- المتمثلة في عمارة الأرض إلى حد السيادة فيها مع ربط ذلك بمنهج الله عز وجل- ولكنه يسعى لتحقيق هذه العبودية بغير هدى، وعلى غير منهاج فتراه يقدم الفروع على الأصول، والنوافل على الفرائض والمختلف فيه على المجمع عليه، بل ربما توسع في المباحات إلى حد الولع بها، وعدم الاستغناء عنها وتلك إحدى صور اللغو التي مضى الحديث عنها آنفًا.

٦- اتباع الهوى :الإنسان إذا تبع هواه من غير هدى من الله، زين له شياطين الإنس والجن الوقوع في اللغو، وسولت له نفسه الأمارة بالسوء ذلك، وقد يكون من الضعف بحيث يستجيب لهؤلاء جميعًا إشباعًا لهواه، وهذا هو اللغو، وصدق الله القائل:

﴿فَإِن لَم يَستَجيبوا لَكَ فَاعلَم أَنَّما يَتَّبِعونَ أَهواءَهُم وَمَن أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهدِي القَومَ الظّالِمينَ (القصص: ٥٠)

٧- الاحتجاج بحديث: ساعة وساعة21

النفس تسأم وتمل، ولا بد لها من المرح، والرفاهية ولكن بالمشروع، وقد يفهم نفر من الناس أن اللغو هو من المرح والرفاهية التي تخفف عن النفس السأم والملل ويزعمون أن ذلك مباح على لسان النبي ، إذ أجاب حنظلة الذي جاء إليه الله يشكو له أنه قد نافق، لأنه يجد قسوة في قلبه بعد انصرافه من عند النبي واشتغاله بملاعبته أهله وولده، ومعالجة شؤون معاشه بقوله: «لو تكونون في بيوتكم كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة في الشوارع والطرقات وعلى فرشكم، ولكن ساعة وساعة» وبئس ما زعموا، فإن النبي لا يبيح اللغو وقد نهى الله عنه في الآيات التي مضت آنفًا، كما نهى عنه النبي في الأحاديث التي سقناها من قبل في بيان موقف الإسلام من اللغو، وإنما المراد أن الحياة ساعات عدة، فمنها ساعة للعلم، والذكر، وساعة للأهل والولد، وساعة للمعاش، وساعة للأضياف، وساعة للعلاقات الاجتماعية، وساعة للنوم والراحة.. وهكذا. وحياته خير تطبيق لذلك، إذ كانت أوقاته دائرة بين حق الله، وحق نفسه، وحق أهله، وحق أولاده، وأحفاده، وحق أصحابه، وحق أقاربه وأرحامه.. وهلم جرَّا.

٨- عدم القيام بالواجب نحو المشتغلين باللغو: وقد يكون عدم القيام بالواجب من الأمة، ومن ولي الأمر نحو المشتغلين باللغو من بين الأسباب التي توقع المرء فيه، وربما تحمله على استمرائه والتمادي فيه، إذ المؤمنون- كما ذكر رب العزة سبحانه- بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ومن ينسى منهم هذا الواجب، أو يهمله، فإنه يفسح المجال لأهل اللغو أن يستمروا أو يتمادوا، وربما يحتجون بعدم نهي الآخرين لهم أو إنكارهم عليهم.

٩- عدم محاسبة النفس: المرء مطلوب منه أن يحاسب نفسه أولًا بأول عن كل ما كسبت، فإن وجد خيرًا حمد الله، وإن وجد غير ذلك تاب وأناب ورجع إلى الله الواحد القهار، وعزم على ألا يعود وإن قُطّع وحرق بالنار، وحين ينسى المرء أو يهمل هذه المحاسبة يقع في اللغو من حيث لا يدري ولا يشعر.

۱۰- الغفلة عن العواقب والآثار المترتبة على الوقوع في اللغو: وأخيرًا قد تكون الغفلة عن العواقب والآثار المترتبة على الوقوع في اللغو من بين الأسباب التي توقع في اللغو، ذلك أن المرء إذا غفل أو نسي العواقب الضارة، والآثار الخطيرة لعمل ما فإنه يقع في هذا العمل، وربما يقيم عليه ولا ينفك عنه بحال.

الحمد لله

إنها كلمة عظيمة لو قالها العبد، وصدقها قلبه قبل لسانه لما فيها من قناعة بما قسمه الله له من رزق أو ابتلاء وصبر عليه وحمد الله على كل ما أتاه من فضل وصحة وعافية ورضاء على القضاء والقدر المكتوب له فهو لا يضيع أجر عمل عامل في الأرض ولا في السماء. وخير زاد لمواجهة هذه الأحوال ما قاله رسول الله حين قال: «انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألّا تزدروا نعمة الله عليكم» (متفق عليه).

وفي رواية البخاري: «إذا نظر أحدكم إلى من فُضّل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه»، وهو استحباب نظر المسلم لمن هو أدنى منه في أمور الدنيا والنظر لمن هو أعلى منه في أمور الدين لأنه عند النظر إلى من هو أعلى منه مالًا يؤدي به ذلك إلى الضجر، وعدم شكر نعم الله، كما أن النظر إلى من هو أعلى منه دينًا وعلمًا يحفزه إلى المزيد من الطاعة والإقبال على الله تبارك وتعالى بالعبادة.

وبالنظر لمن هو أدنى منه مالًا وحالًا يحمد ربه أن عافاه في بدنه ورزقه من مال يؤدي به حوائجه ويعينه في دنياه وكما قيل: «من نظر إلى بلية غيره هانت عليه بلواه».

عبد العزيز الجلاهمة



عندما تسير القافلة بفراسة مرشدها

تحتاج كل قافلة تسير عبر الصحراء القاحلة والطرق المقفرة إلى دليل ومرشد يهديها السبيل ويعرفها أماكن الخطر، فلا يسمح للقافلة بأن تستريح في المكان الخطر لكي لا تؤذى أو يسلب ما معها من خيرات فتهلك في مهاوي الصحراء.

وقد يدرك المرشد بثاقب بصره، ونور فراسته من خلال بعض المؤشرات والإرهاصات أمورًا تنفع القافلة فيحثها حينئذ على سرعة الانطلاق، وقد تكون أخرى ضارة كزوبعة رملية قد تدوم فترة في المنطقة التي سيرحلون إليها فيهدئ من سير القافلة.

وهكذا فإن طريق الدعوة يحتاج إلى هذا الصنف من البشر، والذين اشترط فيهم الشيخ الزاهد شاه بن شجاع الكرماني جملة من الصفات بقوله:

«من غض بصره عن المحارم، وأمسك نفسه عن الشهوات، وعمر باطنه بدوام المراقبة، وظاهره باتباع السنة، وعود نفسه أكل الحلال لم تخطئ له فراسة».

إن قومًا يتصفون بهذه الصفات الصعبة على النفوس يستحقون أن يكونوا من أهل الله الذين لا يخيب سعيهم، ويحميهم الله، وينفع بسببهم القافلة عن طريق فراسة يتفرسها فيفتح لهم باب خير لم يعرفوه أو يحذرهم من خطر لم يتوقعوه!

علي بن حمزة العمري



1 أستاذ الحديث وعلومه بكلية الشريعة جامعة الكويت.

2 انظر: القاموس المحيط للفيروز أبادي ٤ / ٥٩٩ -٥٦٠ باب الواو والياء : فصل اللام، والمعجم الوسيط ۲ / ۸۳۱ الصحاح في اللغة والعلوم للمرعشليين ص ١٠٥٥مادة الفاء بتصرف كثير.


3 جامع البيان : ١٩ / ٣٢ .

4 زاد المسير لابن الجوزي ٥ / ٤٦٠ .

5 تفسير القرآن العظيم ٣ / ۲۳٨ بتصرف.

6 المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ١٠ / ٣٣١ .

7 فتح البيان في مقاصد القرآن ٩ / ٩٧ .


8 الحديث جزء من حديث طويل أخرجه أبو داود في السنن: كتاب الجهاد باب الرمي ۲۸۳ - ۲۹ رقم ٢٥١٣، والترمذي في: السنان كتاب فضائل الجهاد باب ما جاء في فضل الرمي في سبيل الله ٤ / ١٤٩ رقم ١٦٣٧، والنسائي في: السن: كتاب الخيل: باب تأديب الرجل فرسه ٦ / ٢٢٢ - ٢٢٣ من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا عند أبي داود والنسائي، ومن حديث عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، وعقبة عند الترمذي وابن ماجه في السنن: كتاب الجهاد باب الرمي في سبيل الله ٢ ٩٤٠ رقم ۲۸۱۱ .


9 البحر المحيط ٦ / ٣٩٥.

10 البحر المحيط ٦ / ٥١٦.


11 أخرجه الترمذي في: السنن كتاب الزهد والحديث حسن، انظر جامع العلوم والحكم لابن رجب ١٧/٢ - ١٩ بتصرف كثير دار الكتاب الجديد، وتحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي للمباركفوري ٦ / ٦٠٨ بتصرف وأخرجه ابن ماجة في السنن كتاب الفتن باب كف اللسان في الفتنة ٢ / ١٣١٥ - ١٣١٦ رقم ٣٩٧٦ بالإسناد الأول عند الترمذي، وأحمد في: المسند ١ / ٢٠١ عن ابن نمير، ويعلى كلاهما عن حجاج بن دينار الواسطي عن شعيب بن خالد عن حسين بن علي عن النبي ، وعقب ابن رجب على ذلك ١٩٢، وعنه نقل المباركفوري ٦ / ٦٠٨ بقوله وضعفه البخاري في تاريخه من هذا الوجه أيضًا. وقال: لا يصح إلا عن علي بن الحسين مرسلًا. ومما يتعجب منه بعد كل ما تقدم إيراد الألباني له في : صحيح سنن الترمذي ٢ ٣٦٨ - ٢٦٩ برقم ١٨٨٦ / ٢٤٣٣ وتعقيبه عليه بقوله: «صحیح ابن ماجة ٣٩٧٦، ورقم ١٧٨٧ / ٢٤٣٤ وتعقيبه عليه بقوله: «صحيح بما قبله...».

12 سبق تخريجه.

13 أخرجه البخاري في: الصحيح: كتاب الإيمان: باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر ١/١٩، وكتاب الفتن باب قول النبي: ولا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض ٦٣/٩ ومسلم في الصحيح كتاب الإيمان باب بيان قول النبي سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ۸۱/۱ رقم ١١٦ / ٦٤ .

14 أورده الغزالي في إحياء علوم الدين الكتاب الرابع من ربع المهلكات الآفة الثالثة: الخوض في الباطل ١١٦/٣.

15 إحياء علوم الدين: الكتاب الرابع من المهلكات الآفة الثالثة: الخوض في الباطل ١١٦/٣.


16 الحديث أخرجه البخاري المظالم باب النهب بغير إذن صاحبه ۲ ۱۷۸، ومسلم في الصحيح كتاب الإيمان باب نقصان الإيمان بالمعاصي ٧٦/١-٧٧ رقم ٥٧ ١٠٠ - ١٠٥ .


17 فتح الباري لابن حجر العسقلاني ١٢ /٦٠.

18 فتح الباري ١٢ / ٦١ .

19 فتح الباري ٦١/١٢ .

20 فتح الباري ١٢ / ٦٢ .


21 أخرجه مسلم في الصحيح : كتاب التوبة باب فضل دوام الذكر والفكر في أمور الآخرة، والمراقبة وجواز ترك ذلك في بعض الأوقات والاشتغال بالدنيا ٤ ٢١٠٦ - ٢١٠٧ رقم ٢٧٥٠ / ١٢ - ١٣


الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 41

124

الثلاثاء 29-ديسمبر-1970

مع القراء (41)

نشر في العدد 96

127

الثلاثاء 18-أبريل-1972

من المسؤول عن هذه الفوضى؟