; قصة تائبة | مجلة المجتمع

العنوان قصة تائبة

الكاتب سمية رمضان

تاريخ النشر السبت 05-أغسطس-2006

مشاهدات 60

نشر في العدد 1713

نشر في الصفحة 52

السبت 05-أغسطس-2006


افترق والداها وتركاها في مهب الريح.. وتزوجت عرفيا ثم أختفي زوجها فامتهنت الرقص.. وكان ما كان!

كانت الداعية تلقي محاضرة في جمعية من جمعيات النفع العام بالمهندسين بمصر، وبعد المحاضرة أصرت إحدى الحاضرات على اصطحابها إلى منزلها، وخاصة أن المطر قد بدأ في الهطول بغزارة. وبمجرد انفرادهما بالسيارة، واستفسار الداعية عن اسمها أجهشت في البكاء، وبدأت القيادة وهي تبكي تنساب المياه على زجاج السيارة مع حركة دائبة للمساحات، وبالكاد تتم الرؤية وتنساب الدموع على وجنتي السيدة ولا تجد من يمسحها، أشفقت عليها الداعية، ولان لها قلبها وسألتها بشغف عن سبب هذا البكاء وهي ترجوها أن تخفف دموعها حتى تتمكن من القيادة في هذا الجو الممطر.


تماسكت قليلًا، وبدأت في الحديث قائلة: لقد كنت أعيش في أسرة وسط أبوين وإخوة وأخوات، ولم يكن يعكر صفونا شيء، حتى جاء يوم عصفت فيه الريح بكل أفراد الأسرة، فقد تعرف الوالد على سيدة وأصر على الزواج منها، وهو يعلم تمام العلم مدى غيرة أمي وعدم قدرتها على الاستمرار معه كزوجة إن تزوج غيرها وبالفعل بمجرد زواج أبي طلبت أمي الانفصال، وتزوجت هي الأخرى، وبنى كل منهما بيته على حساب خمسة من الأبناء تهدم بناء كل منهم من الداخل قبل أن يبدأ بناء أي شيء من الخارج.

يقول والدي:

زواجي حلال، ولكن أليس حرامًا هدم منزلنا وتشريد فلذات كبده؟ فقد وجدنا أنفسنا بالشارع، زوجة أبي لا تريدنا، وزوج أمي يطردنا، فهمت على وجهي ولا أحد يسألني أين ذهبت ولا من أين جئت، وقد كنت في سن المراهقة الخطير، تعرفت على شاب وعرض علي الزواج عرفيًا، فشعرت وكأنه طوق النجاة وعلى الفور وافقت وأنا لا أدري عاقبة ما أفعل، وأمي وأبي سامحهما الله كلاهما يعيش حياته، وقد نسيا تمامًا أن لهما أبناء وحدث المحظور فقد حملت من هذا الرجل وهذا الخبر يمثل للفتاة أجمل حلم في حياتها، ولكن بالنسبة لي كان كارثة، فقد اختفى الزوج المحترم بمجرد علمه بحملي، وقد باع كل شيء، ووجدت نفسي مرة أخرى بالشارع، فأين أذهب بحملي؟ ولمن ألجأ؟ فذهبت إلى خالتي أرجوها وأتوسل إليها أن توفر لي المأوى.

ارتفع صوت الراوية ببكاء مر، فقد تذكرت ما كانت تحاول أن تنساه.

سحبت الداعية منديلًا وجففت دموعها وطلبت منها أن تتوقف عن القيادة وكأنها لم تسمعها فقد واصلت الحديث، والداعية تشعر وكأن السماء تشاركها في البكاء، فقد فتحت أبوابها فانسابت منها المياه قالت بعد تنهيدة: قالت لي خالتي: إن مسكني صغير، ولي زوج وأولاد، ثم من أين سأصرف عليك أنت وهذا الوليد؟ عليك إن أردت العيش معي بالعمل لتطعمي نفسك وولدك.

ومرت الأيام

وتم الإنجاب، وبعد أن انجلت آثار الحمل ظهر جمال خلق الصانع فاقترحت على خالتي أن أزاول مهنة الرقص فقد حباني الله بجمال في الوجه والجسد قد آن له أن يظهر، ويدفع الآخرين ثمنًا لرؤيته والتمتع به، وقد كان لها ما أرادت أخرج في الليل ولا أرجع إلى حجرتي عند خالتي إلا عند بزوغ الفجر على صوت جارنا وهو يرتل القرآن، فترتجف أوصالي فيثبتها صياح ولدي، فأضمه إلى صدري فتصم أذني وتوضع

 الأكنة على قلبي، فأعيش حياتي وأدعو الله أن ييسر لي أمر شقة صغيرة خاصة بي وبه حيث إن زوج خالتي كان دائم الشجار معها وأولادهما كانوا كثيري الشغب والفوضى.

ومرت الأيام والشهور والسنون تلو الأخرى تيقنت فيها أنه لولا الدولار الذي يلقيه الرجال تحت أرجل الراقصة ما رقصت أبدًا، وكنت دومًا أسأل نفسي: من منا استحق سخط الله وغضبه، أنا أم هم؟ ومع أصوات الموسيقى الصاخبة والأنوار الحمراء هذه النيران التي تصب في أجوافنا، وهذه التأوهات والآهات وكأننا نمثل أحد أدوار جهنم خاصة لمن يطلع على قلوبنا ويرى ما فيها من تمزق وانفطار، وفي يوم من أيام عملي وأنا أقف أمام المرأة أضع مكياجي نظرت إلى جسدي العاري فضربت على زاعي وأنا أقول: ويلك ماذا ستقولين لله؟ وأضرب على صدري وأردد: ألا تخجلين من هذا المنظر؟ ألهذا خَلقت؟ قبحك الله؟

بسرعة هرعت إلى الباب وأغلقته على لم أجد ما يسترني إلا ملاءة السرير فأخذتها بسرعة وتلفعت بها وأنا لا أدري أين القبلة، ولكني اتجهت إلى الله وأنا أبكي أستغفر وأتوب وبدأ الطارقون على الباب يطلبونني لأداء فقرة الرقص الخاصة بي وأنا أطرق على باب الله حتى يقبلني ويغفر لي وكلما ازداد طرقهم ازداد توسلي وتضرعي وطرقي، وأنا أقول له: يا الله لقد رزقتني وأنا عارية، ألا ترزقني وقد اكتسيت؟ رزقتني وأنا عاصية ألا ترزقني وقد تبت؟

وسجدت لله مناجية لا أدري كم من الوقت مر على وأنا كذلك، ولكني سمعت العامل وهو يقول لي لابد لك من الخروج إن الجميع انصرفوا ولابد من غلق المكان فتحت الباب وأنا متلفعة بالملاءة، وطلبت منه إحضار تاكسي، نظر إلى وقد اغرورقت عيناه الدموع وقال: ستواجهين إعصارًا وأنت ضعيفة قلت له بثقة: استعنت بالقوي. ورجعت إلى المنزل وأنا لا أحمل همًا في الدنيا مثل هم خالتي، ولكني تسللت إلى غرفتي واغتسلت واتجهت للقبلة، وكان أجمل لقاء بيني وبين ربي.

وانقضت الأيام تلو الأيام لا عمل ولا مال وقلبي ينبض بقوة، أنتظر بين الحين والآخر، طردي من منزل خالتي وكنت أعوض غيابي عن ربي في صلاتي بما سبق من أيامي بطول قيام الليل والدعاء.

وفي يوم سمعت من ينادي على اسمي مرات عديدة، وعندما خرجت أستطلع الأمر وجدت رجلًا عرفني بنفسه أنه محامٍ، وأنه يبحث عني منذ فترة طويلة، فإن هذا الرجل الذي تزوجني منذ فترة طويلة كان شيخ قبيلة بالأردن، وعند وفاته لم يرزق بأولاد، فتذكر أني كنت حاملًا، فذكر اسمي وطلب البحث عني وقد كان هذا الرجل من الأثرياء فأصبحت بقدرة الله بين لحظة وأخرى من أصحاب الأملاك، وقد أكرمني الله بولدي، فقد كان رقيق القلب حنونًا معي فقد اشترى لي هذه السيارة، وبدلًا من الحجرة المستقلة التي كنت أطلبها من الله لي ولولدي لدي الآن شقة رائعة الجمال في منطقة راقية، اشتراها لي ابني أيضًا، وتيقنت أن الله يسمع ويجيب وأنه في كل لحظة موجود، وقد انتشل عاصية مثلي من أدران الخطيئة ورفعني إلى سعادة الطاعة.

أخذتني قصتها أي مأخذ فسبحان الله ملك كريم تواب رحيم فقط يطلب من العبد لحظة صدق فيعطي بسخاء، وصدق الله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم* وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ* وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ* أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ * وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ * وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (الزمر:53-56).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 50

130

الثلاثاء 09-مارس-1971

هذا الأسبوع (50)