; المجتمع الاقتصادي - العدد 1750 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الاقتصادي - العدد 1750

الكاتب الأستاذ سيد قطب

تاريخ النشر السبت 05-مايو-2007

مشاهدات 57

نشر في العدد 1750

نشر في الصفحة 48

السبت 05-مايو-2007

النظام الاقتصادي الإسلامي مقارنة بالنظام الربوي (2)

الربا .. وتعاسة البشرية

  • كل عملية ربوية حرام.. سواء جاءت مماثلة لصور الجاهلية أم استحدثت لها أشكالًا جديدة

  • الدول التي تتعامل بالربا ليس فيها بركة أو رخاء أو سعادة أو طمأنينة.

سيد قطب[1]

تبين لنا في العدد الماضي أن العملية الربوية ليست ضرورة من ضرورات الحياة الاقتصادية، وأن الإنسانية التي انحرفت عن النهج قديمًا حتى ردها الإسلام إليه، هي الإنسانية التي تنحرف اليوم الانحراف ذاته، ولا تفيء إلى النهج القويم الرحيم السليم. فلننظر كيف كانت ثورة الإسلام إلى تلك الشناعة التي ذاقت منها البشرية ما لم تذق قط من بلاء

 يقول الله تعالى: ﴿ٱلَّذِینَ یَأۡكُلُونَ ٱلرِّبَوٰا۟ لَا یَقُومُونَ إِلَّا كَمَا یَقُومُ ٱلَّذِی یَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّیۡطَـٰنُ مِنَ ٱلۡمَسِّۚ ذَ ٰ⁠لِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُوۤا۟ إِنَّمَا ٱلۡبَیۡعُ مِثۡلُ ٱلرِّبَوٰا۟ۗ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلۡبَیۡعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰا۟ۚ فَمَن جَاۤءَهُۥ مَوۡعِظَةࣱ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ وَأَمۡرُهُۥۤ إِلَى ٱللَّهِۖ وَمَنۡ عَادَ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ أَصۡحَـٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِیهَا خَـٰلِدُونَ یَمۡحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَوٰا۟ وَیُرۡبِی ٱلصَّدَقَـٰتِۗ وَٱللَّهُ لَا یُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِیمٍ﴾ ( البقرة:275- 276)

 تصوير مرعب

 إنها الحملة المفزعة والتصوير المرعب ﴿لَا یَقُومُونَ إِلَّا كَمَا یَقُومُ ٱلَّذِی یَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّیۡطَـٰنُ مِنَ ٱلۡمَسِّۚ ( البقرة:275)، وما كان أي تهديد معنوي ليبلغ إلى الحس ما تبلغه هذه الصورة المجسمة الحية المتحركة، صورة الممسوس المصروع. وهي صورة معروفة معهودة للناس، فالنص يستحضرها لتؤدي دورها الإيحائي في إفزاع الحس لاستجاشة مشاعر المرابين وهزها هزة عنيفة تخرجهم من مألوف عادتهم في نظامهم الاقتصادي، ومن حرصهم على ما يحققه لهم من الفائدة وهي وسيلة في التأثير التربوي ناجعة في مواضعها، بينما هي في الوقت ذاته تعبر عن حقيقة واقعة. ولقد مضت معظم التفاسير على أن المقصود بالقيام في هذه الصورة المفزعة هو القيام يوم البعث، ولكن هذه الصورة فيما نرى واقعة بذاتها في حياة البشرية في هذه الأرض أيضًا، ثم إنها تتفق مع ما سيأتي بعدها من الإنذار بحرب من الله ورسوله، ونحن نرى أن هذه الحرب واقعة وقائمة الآن ومسلطة على البشرية الضالة التي تتخبط كالممسوس في عقابيل النظام الربوي. وقبل أن تفصل القول في مصداق هذه الحقيقة من واقع البشرية اليوم.. نبدأ بعرض الصورة الربوية التي كان يواجهها القرآن في الجزيرة العربية، وتصورات أهل الجاهلية عنها.

 صورتان للربا

 إن الربا الذي كان معروفًا في الجاهلية والذي نزلت هذه الآيات وغيرها لإبطاله ابتداءً كانت له صورتان رئیستان: ربا النسيئة وربا الفضل فأما ربا النسيئة فقد قال عنه قتادة إن ربا أهل الجاهلية.. يبيع الرجل البيع إلى أجل مسمى، فإذا حل الأجل ولم يكن عند صاحبه قضاء زاده وأخر عنه. وقال أبو بكر الجصاص إنه معلوم أن ربا الجاهلية إنما كان قرضًا مؤجلًا بزيادة مشروطة، فكانت الزيادة بدلًا من الأجل فأبطله الله تعالى، وقد ورد في حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن النبي  قال: « لا ربا إلا في النسيئة» أما ربا الفضل فهو أن يبيع الرجل الشيء بالشيء من نوعه، مع زيادة كبيع الذهب بالذهب والدراهم بالدراهم، والقمح بالقمح والشعير بالشعير... وهكذا. وقد ألحق هذا النوع بالربا لما فيه من شبه به، ولما يصاحبه من مشاعر مشابهة للمشاعر المصاحبة لعملية الربا، وهذه النقطة شديدة الأهمية لنا في الكلام عن العمليات الحاضرة عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلًا بمثل يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى.. الآخذ والمعطي فيه سواء»  وعن أبي سعيد الخدري أيضًا قال جاء بلال إلى النبي  بتمر يرني فقال له النبي: «من أين هذا؟ قال: كان عندنا تمر ردي، فبعت منه صاعين بصاع، فقال: «أوه عين الربا.. عين الربا.. لا تفعل ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر ثم اشتر به» فأما النوع الأول، فالربا ظاهر فيه لا يحتاج إلى بيان، إذ تتوافر فيه العناصر الأساسية لكل عملية ربوية، وهي الزيادة على أصل المال والأجل الذي من أجله تؤدى هذه الزيادة، وكون هذه الفائدة شرطًا مضمونًا في التعاقد، أي ولادة المال للمال بسبب المدة ليس إلا.

وأما النوع الثاني فما لا شك فيه أن هناك فروقًا أساسية في الشيئين المتماثلين هي التي تقتضي الزيادة، وذلك واضح في حادثة بلال حين أعطى صاعين من تمره الرديء، وأخذ صاعًا من التمر الجيد، ولكن لأن تماثل النوعين في الجنس يخلق شبهة أن هناك عملية ربوية إذ يلد التمر التمر  فقد وصفه النبي بالربا، ونهى عنه، وأمر ببيع الصنف المراد استبداله بالنقد، ثم شراء الصنف المطلوب بالنقد أيضًا، إبعادًا لشبح الربا من العملية تمامًا، وكذلك شرط القبض يدًا بيد كي لا يكون التأجيل في بيع المثل بالمثل-  ولو من غير زيادة-  فيه شبح من الربا وعنصر من عناصره.

 إلى هذا الحد بلغت حساسية الرسول صلى الله عليه وسلم نحو شبح الربا في أية عملية، وبلغت كذلك حكمته في علاج عقلية الربا التي كانت سائدة في الجاهلية.

 عقلية ربوية

 أما اليوم فيريد بعض المهزومين أمام التصورات الرأسمالية الغربية أن يقصروا التحريم على صورة واحدة من صور الربا- وهي ربا النسيئة-  بالاستناد إلى حديث أسامة، وإلى وصف السلف للعمليات الربوية في الجاهلية، وأن يحلوا دينيًا وباسم الإسلام.. الصور الأخرى المستحدثة التي لا تنطبق في حرفية منها على ربا الجاهلية. 

ولكن هذه المحاولة لا تزيد على أن تكون ظاهرة من ظواهر الهزيمة الروحية والعقلية، فالإسلام ليس نظام شكليات إنما هو نظام يقوم على تصور أصيل، فهو حين حرم الربا لم يكن يحرم صورة منه دون صورة، إنما كان يناهض تصورًا تخالف تصوره، ويحارب عقلية لا تتمشى مع عقليته، وكان شديد الحساسية في هذا إلى حد تحريم ربا الفضل، إبعادًا لشبح العقلية الربوية من بعيد جدًا، ومن ثم فإن كل عملية ربوية حرام- سواء جاءت في الصور التي عرفتها الجاهلية أم استحدثت لها أشكالًا جديدة- ما دامت تتضمن العناصر الأساسية للعملية الربوية أو تتسم بسمة العقلية الربوية، وهي عقلية الأثرة والجشع والفردية والمقامرة، وما دام يتلبس بها ذلك الشعور الخبيث؛ شعور الحصول على الربح بأية وسيلة. فينبغي أن نعرف هذه الحقيقة جيدًا. ونستيقن من الحرب المعلنة من الله ورسوله علي المجتمع الربوي ﴿ٱلَّذِینَ یَأۡكُلُونَ ٱلرِّبَوٰا۟ لَا یَقُومُونَ إِلَّا كَمَا یَقُومُ ٱلَّذِی یَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّیۡطَـٰنُ مِنَ ٱلۡمَسِّۚ( البقرة:275)، والذين يأكلون الربا ليسوا هم الذين يأخذون الفائدة الربوية وحدهم، وإن كانوا هم أول المهددين بهذا النص الرعيب، إنما هم أهل المجتمع الربوي كلهم. 

وإذا كان هناك شك في الماضي أيام نشأة النظام الرأسمالي الحديث في القرون الأربعة الماضية، فإن تجربة هذه القرون لا تبقي مجالًا للشك أبدًا أن العالم الذي نعيش فيه اليوم هو عالم القلق والاضطراب والخوف والأمراض العصبية والنفسية؛ وذلك على الرغم من كل ما بلغته الحضارة المادية والإنتاج الصناعي في مجموعه من الضخامة في هذه الأقطار.

 ثم هو عالم الحروب الشاملة والتهديد الدائم بالحروب المبيدة وحرب الأعصاب والاضطرابات التي لا تنقطع هنا وهناك. إنها الشقوة البائسة المنكودة التي لا تزيلها الحضارة المادية

 علاج الإسلام

 وقد عالج الإسلام الأوضاع التي كانت حاضرة في ذلك الزمان معالجة واقعية، دون أن يحدث هزة اقتصادية واجتماعية، فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله. لقد جعل سريان نظامه منذ ابتداء تشريعه، فمن سمع موعظة ربه فانتهى فلا يسترد منه ما سلف أن أخذه من الربا، وأمره فيه إلى الله يحكم فيه بما يراه، ولكن لعل كثيرين يغريهم طول الأمد وجهل الموعد، فيبعدون من حسابهم حساب الآخرة. فها هو ذا القرآن ينذرهم كذلك بالمحق في الدنيا والآخرة جميعًا، ويقرر أن الصدقات لا الربا هي التي تربو وتزكو.

﴿یَمۡحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَوٰا۟ وَیُرۡبِی ٱلصَّدَقَـٰتِۗ وَٱللَّهُ لَا یُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِیمٍ( البقرة:275) وصدق وعيد الله ووعده، فها نحن أولاء نرى أنه ما من مجتمع يتعامل بالربا ثم تبقى فيه بركة أو رخاء أو سعادة أو أمن أو طمأنينة.

 إن الله يمحق الربا فلا يفيض على المجتمع الذي يوجد فيه هذا الدنس إلا القحط والشقاء، وقد ترى العين في ظاهر الأمر رخاء وإنتاجًا وموارد موفورة، ولكن البركة ليست بضخامة الموارد بقدر ما هي في الاستمتاع الطيب الأمن بهذه الموارد.

 وما من مجتمع قام على التكافل والتعاون الممثلين في الصدقات المفروض منها والمتروك للتطوع، وسادته روح المودة والحب والرضا والسماحة والتطلع دائمًا إلى فضل الله وثوابه والاطمئنان دائمًا إلى عونه وإخلافه للصدقة بأضعافها، إلا بارك الله لأهله أفرادًا وجماعات في مالهم ورزقهم وفي صحتهم وقوتهم، وفي طمأنينة قلوبهم وراحة بالهم.

[1]-  من تفسير " في ظلال القرآن" الآيتين 275- 276 من سورة البقرة 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 10

222

الثلاثاء 19-مايو-1970

مع القراء - العدد 10

نشر في العدد 53

125

الثلاثاء 30-مارس-1971

من هَدي النُبوة

نشر في العدد 11

213

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية