; في مؤتمر مستقبل التكامل المصري - السوداني: لماذا تراجع الدور المصري لصالح الصين؟! | مجلة المجتمع

العنوان في مؤتمر مستقبل التكامل المصري - السوداني: لماذا تراجع الدور المصري لصالح الصين؟!

الكاتب بدر حسن شافعي

تاريخ النشر السبت 11-نوفمبر-2006

مشاهدات 67

نشر في العدد 1726

نشر في الصفحة 44

السبت 11-نوفمبر-2006

الميزان التجاري بين السودان والصين بلغ ٤,٥ مليار دولار العام الماضي.. في حين لم يزد مع مصر عن ١٦٠ مليون دولار!

العلاقات المصرية- الامريكية أحد معوقات التكامل المصري السوداني.. والصهاينة يعملون على عرقلته بمحاولة تفتيت السودان.

يُعدُّ موضوع التكامل المصري السوداني موضوعًا قديمًا جديدًا، ظهرتْ الحاجة إليه بشده في الآونة الأخيرة بسبب الهجمة الغربية الشرسة التي يتعرض لها السودان الشقيق من النظام العالمي بقيادة الولايات المتحدة، ومن ورائها الكيان الصهيوني.. فضلًا عن حالة التراجع الذي يشهده الدور المصري على الساحة العربية بصفة عامة، والساحة السودانية بصفة خاصة.

وفي هذا الإطار عقد مركز البحوث الإفريقية بجامعة القاهرة - بالتعاون مع مكتب حزب المؤتمر الوطني الحاكم بالسودان مؤتمرًا بالقاهرة - عن «مستقبل التكامل المصري السوداني في ظل الأوضاع والتحديات الراهنة» خلال الفترة من ٢٩ - ٣٠ أكتوبر الماضي، شارك فيه نخبةٌ من قادة الفكر في كلا البلدين، ناقشوا قرابة عشرين ورقة بحثية تناولتْ الأبعاد المختلفة لقضية التكامل..

اهتمام كبير للإخوان بالتكامل

في البداية أكد الدكتور بركات موسى - أكاديمي سوداني في ورقته بعنوان «رؤية النخب في السودان ومصر للتكامل»، أنّ الخطاب النخبوي الإسلامي - يقصد به الإخوان المسلمين - في مصر لعب دورًا مهمًا في نشأة الحركة الإسلامية في السودان، كما أنّ الإمام البنا كان حريصًا على وحدة مصر والسودان، مستشهدًا بمقولة البنا في أغسطس 1945م: «مصر والسودان أمّة واحدة، ولن نسمح للسودان بالانفصال إلا إذا سمحنا للإسكندرية أو لأسوان بهذا الانفصال..».

كما أكّد الإمام البنا هذا الأمر ثانية في أكتوبر ١٩٤٦م بقوله: «إنَّ مصر حريصةٌ على السودان لأنه جزء من هذا الوطن..»

ويتفق مع هذا الرأي الباحث المصري عصام عبد الشافي في ورقته التي قدمها للمؤتمر بعنوان: «رؤية الأحزاب المصرية للتكامل» حيث أشار إلى أن الأحزاب الرسمية المصرية البالغ عددها ۲۲ حزبًا، فضلًا عن الأحزاب تحت التأسيس «الكرامة - الوسط الجديد» لا تمتلك رؤية واضحة للتكامل مع السودان ولم تشر في بيانات تأسيسها أو البيانات التالية إلى ذلك، وربَّما كان الاستثناء الحزب الوطني باعتباره الحزب الحاكم، وحزب الوفد بسبب العلاقة التاريخية مع السودان.

واعتبر الباحث أن القوى غير الرسمية مثل جماعة الإخوان المسلمين - كانتْ أكثر حرصًا على هذا التكامل من هذه الأحزاب.

وانتقدَ الباحث تراجع دور مصر في عمليات التسوية الأخيرة في السودان، والتي كانتْ تتمّ بأياد إفريقية، في حين اقتصر الدور المصري على حضور اتفاقيات التوقيع على عمليات التسوية كما حدث في «اتفاق مشاكوس» عام ۲۰۰۲ ونيروبي ٢٠٠٥م.

النظم الحاكمة مسؤولة: وأرجع الباحث تراجع دور الأحزاب المصرية في عملية التكامل إلى هيمنة النظام المصري ممثلًا في مؤسسة الرئاسة – على عملية صنع السياسة الخارجية، وعدم سماحه لهذه الأحزاب بالقيام بدورها في التواصل بين الشعوب في إطار ما يعرف بالدبلوماسية الشعبية، إلا إذا سمح لها النظام بذلك.

ويتساءل الباحث: إذا كانتْ هذه الأحزاب غير مسموح لها بالمشاركة بفاعلية في مناقشة قضاياها الداخلية فكيف يسمح لها بمناقشة القضايا الخارجية كالتكامل مع السودان مثلًا؟

خلافات النظم الحاكمة

وتتفق مع هذه الوجهة الباحثة سالي محمد فريد في بحثها «التكامل المصري - السوداني في الميدان الاقتصادي والتجاري»، حيث أشارت إلى أن النظم الحاكمة في كلا البلدين - وليس الشعوب - هي المسؤولة عن حالات التدهور والفتور التي شهدتها مسيرة العلاقات بينهما، خاصةً خلال فترة التسعينيات من القرن الماضي، والتي شهدتْ إيقاف العمل باتفاقية التجارة والدفع التي تم التوقيع عليها في الستينيات، وتمّ إلغاء البروتوكول التجاري كذلك، ممّا أدّى إلى انخفاض حجم التبادل التجاري بينهما بصورة كبيرة، وتراجع مصر من كونها الشريك التجاري الأول للسودان إلى مرتبة متدنية.

اتفاقيات فوقية

أما الباحث هانيء رسلان فقد تناول في بحثه «الإطار المؤسسي للتكامل» اتفاقيات الحريات الأربع التي تم التوقيع عليها في مايو ٢٠٠٤م، ودخلتْ حيز التنفيذ في أغسطس من العام نفسه- وهي الاتفاقيات المتعلقة بحق التنقل الإقامة العمل الاستثمار- حيث أشار إلى أنّ هذه الاتفاقيات صِيغت بصورة سريعة جدًا، بعد زيارة الرئيس البشير لمصر في السلام مع الحركة الشعبية لتحرير السودان بزعامة جون جارانج، على اعتبار أن الحركة لها موقف معاد للتوجهات العروبية للسودان عامة، وتجاه مصر خاصة، ومعنى ذلك أن هذه الاتفاقيات صيغة من أعلى لأغراض سياسية بالأساس.

ويتفق معه الدكتور الصادق علي - أستاذ القانون بكلية المشرق للعلوم والتكنولوجيا الجامعية في ورقته التي تناولتْ تقييم اتفاق الحريات الأربع، حيث أشار إلى أنّ المشكلة لا تكمن في الصياغة القانونية للاتفاق، ولكن في وضع هذه الاتفاقيات موضع التنفيذ - وأشار في هذا الصدد إلى عدم صياغة ما تضمنتْه هذه الاتفاقيات في مجال الاستثمار في قوانين الاستثمار المعمول بها حاليًا في البلدين.

وما زالتْ حرية العمل محدودةً للغاية وقاصرةً على القطاع الخاص في مجال الأعمال الحرة.

فيما رأى الدكتور حسن حاج علي في ورقته «مستقبل التكامل في ضوء المتغيرات الإقليمية والدولية» أن العولمة والانفتاح الاقتصادي أديا إلى تراجع مصر عن كونها شريكًا تجاريًا أساسيًا للسودان - بالرغم من التجاور الجغرافي - لصالح دول أخرى مثل الصين. فبالرغم من التباعد الجغرافي بين البلدين، إلا أن الصين صارت شريكًا تجاريًا مهمًا للخرطوم.

 حيث بلغتْ صادرات الخرطوم النفطية للصين العام الماضي ٣.٥ «ثلاثة مليارات ونصف المليار دولار»، في حين أنّ الصادرات الصينية للسودان لم تزدْ على مليار دولار، ومعنى ذلك أنّ الميزان التجاري بين البلدين بلغ العام الماضي ٤.٥ مليار دولار تقريبًا، في حين أنّ الميزان التجاري بين مصر والسودان لم يزد على مائة وستين مليون دولار فقط!

أمريكا.. حجر عثرة

أما الدكتور إكرام بدر الدين أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد- جامعة القاهرة: فيرى في ورقته «البعد السياسي للتكامل» أنّه بالرغم من أنّ التكامل ضرورة حتمية لكلا البلدين، في ظل المتغيرات الدولية الراهنة، إلا أنّ هناك بعض الإشكاليات التي تقف حجر عثرة في هذا الشأن، لعلَّ أبرزها العلاقات المصرية مع الولايات المتحدة في مقابل تدهور العلاقات الأمريكية مع السودان، وهل ستسمح واشنطن لمصر بالمضي قدمًا في عملية التكامل؟ أم ستسعى لإحداث الفرقة والتباعد من أجل إبقاء السودان، بعيدًا عن محيطه العربي الإسلامي؟!

عقبة دارفور

أما الأستاذ كمال حسن علي رئيس مكتب حزب المؤتمر الوطني السوداني بالقاهرة فيرى في تعقيبه على بعض الأوراق أنّ مشكلة دارفور لا تعد حجر عثرة في طريق التكامل، ولا ينبغي ترديد مقولة أنّ التكامل لن يتم مادامتْ هناك مشكلاتٍ داخليةٍ، وعدم استقرار في السودان، إذ إنَّ الانتظار - حتى يتم حل هذه المشكلات - معناه الانتظار كثيرًا، لأنَّ حلَّها قد يستغرق وقتًا طويلًا.

وهو عکس ما ذهب إليه السفير جلال الدين عبد المعز في ورقته عن الدور «الإسرائيلي» في حصار وحدة وادي النيل، حيث يرى صعوبة تحقيق التكامل في ظل حالة عدم الاستقرار الحالي في السودان، كما أنَّ أيًا من المحلِّلين لا يستطيع التنبؤ بمجريات الأحداث هناك،

ولا شكَّ أنَّ الاستقرار أحد العوامل المهمة في تحقيق التكامل، مشيرًا إلى أن الكيان الصهيوني يلعب دورًا مهمًا في عرقلة هذا التكامل، من خلال تفتيت السودان، حيث تمّ ذلك مع حركة جارانج في الجنوب، ويتم الآن أيضًا من خلال دعم بعض قوى التمرُّد في دارفور!

الرابط المختصر :