العنوان المجتمع الأسرى (1693)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 18-مارس-2006
مشاهدات 62
نشر في العدد 1693
نشر في الصفحة 60
السبت 18-مارس-2006
الطفولة الانطوائية بين رفض الواقع والحاجة للتعبير عن الذات
عمار شرقية
تترافق الكآبة غالبًا مع الانطوائية حتى إنه يصعب التمييز بينهما على أرض الواقع ويصعب تحديد العلاقة بينهما، وفيما إن كانت الكابة أحد أعراض الانطوائية أم أن الانطوائية هي أحد أعراض الكآبة أم أن الانطوائية هي الوجه الاجتماعي والكآبة هي الوجه النفسي للمشكلة. كما أن النجاح في علاج أي منهما كفيل بالتخفيف من أضرار الأخرى .
ولكي نقترب أكثر من فهم الطفل الانطوائي علينا أن نلاحظ أن الفاعلية لديه نتجه بشكل شبه تام نحو ذاته، وذلك لأن ذلك الطفل غالبًا لم يجد من يفهمه ويمنحه القدرة على التعبير الفاعل عن ذاته، فهو ليس بأي حال من الأحوال طفل بليد كما قد يتصور البعض، لكنه يخوض صراعات نفسية شديدة تستنفد طاقاته وتفوق مقدرته الضئيلة على المقاومة والاحتمال رغم ما يبدو عليه من مظاهر الاستكانة والدعة.
بالإضافة إلى ما تقدم، فإن عدم التناسب الحاد بين الصغير وبين زملائه في المدرسة أو في الجوار من الناحية الاجتماعية يمكن أن يكون أحد أسباب ابتعاد الصغير عن الآخرين، فالأولاد لا يتقبلون فكرة أن يكونوا مختلفين عن أقرانهم أو أقل منهم وخصوصًا فيما يتعلق بمظهرهم وبحاجاتهم الشخصية، وبالتالي يفضل أن يسجل الصغير في مدرسة تضم تلاميذ مقاربين له في الوضع الاجتماعي.
وهكذا يمكن أن تكون الانطوائية أحد أشكال رفض الواقع والاحتجاج عليه. كما يلاحظ أن ما يدفع ببعض الأولاد إلى الابتعاد عن الآخرين يمكن أن يدفع بالبعض الآخر إلى القيام بالأفعال العدوانية. فعدم قدرة الأولاد على التعبير عن مشاكلهم بالكلمة يدفعهم إلى التعبير بالفعل. وإن أفعال الصغار الانطوائيين العدوانية لا تكون غالبًا موجهة نحو الأذية أو التسبب بالألم إذ إنها غالبًا ما تكون ذات طبيعة تعبيرية كالكتابة مثلًا على الجدران خصوصًا أن الانطوائيين هم من أكثر الأولاد حاجة للتعبير عن أنفسهم كما أنهم من أكثر الصغار الذين يساء فهمهم.
والأولاد الانطوائيون غالبًا ما يمتازون بالحس المرهف وتنشأ صداقات قوية بينهم وبين الحيوانات الأليفة، فهم دائمًا بحاجة إلى من يفهمهم ويبادلهم المودة. والمعروف أنه كلما ازداد تعاطف الإنسان مع الآخرين وازداد إحساسه بآلامهم انخفض احتمال أن يمارس ذلك الإنسان العنف تجاههم، والعكس صحيح.
فالإنسان يمارس على الآخرين مقدارًا من العدوانية بالقدر الذي يتحمل أن يقوم الآخرون بممارسته عليه أو بالقدر الذي تمت ممارسته عليه في وقت من الأوقات. أما المستقبل فإنه يحمل للأولاد الانطوائيين الكثير من المتاعب والمشكلات فالصوت الخافت والحرمان من المهارات الاجتماعية وصعوبة التواصل مع الآخرين كل تلك عوامل تحرم الانطوائيين من الكثير من فرص الحياة الجيدة، كما تحرمهم الاستفادة من مواهبهم وإمكاناتهم.
يساهم تشجيع الصغار ومساعدتهم على تكوين صداقات مع الأطفال في الجوار أو مع أبناء الأقارب في التقليل من أضرار النبذ الذي قد يلاقيه الصغير في المدرسة خصوصًا أن العلاقات الاجتماعية ضمن إطار الجوار أو العائلة غالبًا ما تكون أقل حدة وتعقيدًا من العلاقات الاجتماعية ضمن المدرسة؛ إذ إنها تشكل امتدادًا لعلاقات الكبار الاجتماعية المتبادلة، ولأن هناك تمهيدًا لهذه الصداقات من قبل الكبار وتدخلًا دائمًا لتوجيهها إلى المسار الصحيح كما أنها تمتاز بأنها علاقات دائمة واستراتيجية.
كما تلعب مرحلة رياض الأطفال دورًا مهمًا في دمج الصغير مع الأولاد الآخرين في سن مبكرة جدًا؛ وذلك لأن بيئة رياض الأطفال ملطفة ومخففة عن بيئة المدرسة. كما أن إشراك الصغار في القيام ببعض الأعمال التي تناسب أعمارهم، بالإضافة إلى القيام بتنمية مواهبهم وتشجيعهم على اكتساب وممارسة المهارات المتنوعة يمكن أن تزيد من جرأتهم الاجتماعية وتزيد من تقديرهم لذاتهم وتمنحهم طرائق صحية للتعبير عن أنفسهم، كما أن ازدياد مهارات الإنسان واهتماماته يؤديان إلى ازدياد فرص التقائه السليم مع الآخرين الذين تجمعهم معه الاهتمامات ذاتها عبر تبادل المعلومات التي تخص تلك الهوايات.
الحماة .. أم ثانية
حفیظ الرحمن الأعظمي
الاتحاد مطلوب، وفيه البركة ونقيضه الاختلاف مرفوض وفيه الشر كله، والنصوص الحاثة على الوحدة والاتحاد أكثر من أن أحصرها في هذه العجالة.. وهل يمكن أن نحلم بالوحدة في الأمة «وهو واجب شرعي كما أسلفنا» إذا كانت الأسرة التي تمثل وحدة بالنسبة للأمة، تعاني فرقة وتشرذمًا واختلافًا؟ إنه لأمر محال، لذلك سنحاول أن نعالج من خلال هذا المقال وما يليه الخلافات الأسرية وفق الأصول الشرعية والأسس المنطقية لإيماننا بأن وحدة الأمة لا يمكن أن تتحقق إن لم يتم إضفاء هذا الطابع على الأسرة التي تعتبر خلية له والطبيب الناجح يبادر إلى معرفة مسببات المرض ثم يباشر العلاج والعلاج الناجع هو ما يتناول الخلية قبل أن يتناول العضو الذي يتكون من خلايا عدة.
تحلم الفتاة في بيت أبيها ببناء عش الزوجية، وإنجاب الأبناء، والاستقرار في بيت يكون مملكتها الخاصة التي لا ينازعها في ملكها أحد. ويظل الحلم محتفظًا بجماله وشاعريته، حتى إذا تحول إلى حقيقة اختلفت قليلًا عن الحلم بوجود أم الزوج انقلب كابوسًا مرعبًا، فما السر في ذلك العداء الذي تكنه المرأة لأم زوجها؟ وهل لهذا العداء أساس من الصحة؟
لا شك في أن ديننا الحنيف أوصانا باحترام الكبير وتوقيره ومد يد المساعدة والمساندة المعنوية والمادية إلى كل من هو في حاجة إليها، هذا بشكل عام، فما بالك بالأم تلكم المخلوقة الرقيقة التي فرحت بمولودها الذكر، لا لشيء إلا لأنه سيكون الذخر والعون عندما يشيب الرأس وينحني الظهر ويشحب الوجه، حتى إذا صار الصغير كبيرًا سعت لانتقاء أفضل البنات لتكون زوجة له، وأمًا لأحفادها.
وكم يزداد على الأم الإحساس بالألم عندما تلقى ما تلقى من سوء معاملة زوجة ابنها، خاصة إذا كانت تشاركهم المسكن والمأكل والمشرب. إن مشكلة العداء الأزلي بين الزوجة وأم زوجها لها أبعاد وأطراف متداخلة ومتشابكة، وليس ثمة خروج من متاهتها إلا في ظل الوعي بدور وأهمية الأم والزوجة كل في موقعه.
وما أكثر القصص الواقعية التي تسردها أمهات ألقين في دور المسنين والعجزة حول مخططات ومكائد زوجات أبنائهن، فهل من وسيلة للتعايش السلمي بين الطرفين؟ لا شك أن ديننا الحنيف قد أحاط بكل المشكلات ووضع الحلول المناسبة لها، بل رسم معالم الوقاية قبل وقوعها، وتجنب التلبس بها.
وهذه بعض النصائح التي هي في الحقيقة مفاتيح لأبواب السعادة الزوجية. 1- أن تعتبر أم زوجها أمًا ثانية لها، وكم ستغبطها الأخريات لذلك، وإذا حاولت زرع ذلك الشعور في نفسها، وغذته بمشاعر الحب التي تستتبعها تلك البنوة، فسيدفعها ذلك الشعور للإحساس بواجباتها تجاه تلك الأم.
٢- أن تذكرها بكل خير، في وجودها وعند غيابها، لا سيما أمام الأقارب والجيران وغيرهم، لما يشعر تلك الحماة بصدق مشاعر زوجة ابنها.
٣- تفقد أحوالها وتلبية رغباتها وزيارتها إذا كانت مستقلة في السكن وحدها، وحمل الهدايا ولو كانت صغيرة كباقة ورد أو كعكة تصنعها الزوجة بنفسها .
٤- أن تغرس الزوجة في أبنائها حب جدتهم، وعظم مكانتها، ويكفي أنها أم أبيهم الذي يحنو عليهم ويرق لحالهم، والطفل لا يجيد النفاق والخداع والتظاهر بالحب إنما يكون ذا فطرة خالصة غاية في النقاء، فإذا علت وجهه علامات الفرح بزيارة جدته كان ذلك مؤشر خير وأصدق دليل على نبل مشاعر تلك الزوجة وحسن تربية أهلها لها.
٥- احترام الخصوصية بين الزوج وأمه، فلا تحشرن الزوجة أنفها فيما بينهما من أسرار وأخبار.
٦- ولا شك أن ابتسامة من وجه طلق تزرع المودة، وتذيب جليد التوتر الذي قد يشوب العلاقة بين الزوجة وحماتها.
وهذه النصائح لا تمتثل لها إلا زوجة واعية، تدرك عظم حق الأم على ولدها، وأن مراعاة زوجها وتفقده لأحوال أمه، ينبغي ألا تقلقها بل إنها الطريق لسعادة الأسرة بأكملها، وكيف يوفق الله ابنًا لا يراعي حق أمه؟ وكيف تظل السعادة بيتًا أهملت فيه أم قد تكون طاعنة في السن؟. إن وعي الزوجة ينبثق من عميق إيمانها الصادق الذي يولد الصدق في مشاعرها تجاه جدة أبنائها، ووعيها يحتم عليها التصرف باحترام ولباقة معها وإن أساءت –ناسية أو متعمدة– إليها . فإذا تسلحت الزوجة بالصبر ثم الصبر في معاملتها، فإن ذلك لا يضيع عند الله تعالى وإن ضاع عند الناس.
وأما أم الزوج فعليها أن تغفر الزلات وتقيل العثرات، وتعتبر زوجة ابنها بنتًا ساقتها الأقدار هدية رائعة، لتكون فردًا من أفراد الأسرة يتمتع بخصوصيات وحقوق تحترم ولا تنتهك، وأن مردود الهدنة والهدوء ستتمتع به الأسرة بأسرها. وإذا أقرت الحماة وزوجة ابنها بحق كل منهما في حدود ما أقره الله – سبحانه- لتلاشت تلك العداوة، ولحلت محلها مشاعر الصفاء والود .
وإذا أحسنت الأسرة تربية البنت منذ نعومة أظفارها، وغذتها بالتوعية والمعرفة الكاملة لمنظومة الحقوق والواجبات لاستطاع المجتمع أن يحيا في سكينة منشؤها تقوى الله، ومراقبته فيما نفعل ونعزم على فعله، وعلى الجميع إيضاح حقيقة أن المرأة كائن لطيف والذكور كأزواج وآباء وإخوة مأمورون بالإحسان إليها قدر المستطاع، وصدق رسول الله القائل: إنما تنصرون بضعفائكم ..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل