; الحجاب في تركيا.. قمع علماني لحق شخصي! | مجلة المجتمع

العنوان الحجاب في تركيا.. قمع علماني لحق شخصي!

الكاتب طه عودة

تاريخ النشر السبت 06-أبريل-2002

مشاهدات 79

نشر في العدد 1495

نشر في الصفحة 60

السبت 06-أبريل-2002

عشرات المظاهرات والمعتقلين.. ولا يزال جرح «الحجاب» نازفًا في قلوب الأتراك

  • الكماليون يعتبرونه سببًا رئيسًا لتهديد النظام وتوسيع الدائرة الإسلامية!

  • حزب السعادة: معاملة بعيدة عن المنطق والقانون.. وظلم أشد من النازية.

  • القوميون دافعوا عن الحجاب ثم ضغطوا على نائبتهم المحجبة لخلعه في البرلمان!

وسط استمرار حالة التصعيد السياسي والإعلامي في تركيا، بحثًا عن الطرق المثلى لمكافحة الأصولية التي تعتبرها المؤسسة العلمانية التركية الخطر الأكبر الذي يشكل تهديدًا على أمنها ومصالحها القومية عادت قضية «حظر الحجاب» في المدارس والجامعات والمؤسسات الرسمية لتطفو مجددًا على السطح بسبب إصرار مديري المدارس الثانوية الدينية مؤخرًا على منع طالبات هذه المدارس التي تعرف في تركيا باسم مدارس «إمام خطيب» على منعهن من دخول المدارس بالحجاب!

هذه المشكلة تفجرت خلال الأيام الأخيرة على نحو دفع المئات من الطالبات لتنظيم مظاهرات احتجاج في إسطنبول، اعتقلت الشرطة خلالها أعدادًا كبيرة من الطالبات والطلبة الذين يتعاطفون معهن قبل أن تطلق سراحهم، ولم تكتف الشرطة بذلك بل منعت أعدادًا كبيرة من الطالبات من التجمع أمام المساجد الكبرى في إسطنبول للحيلولة دون مشاركتهن في مظاهرات حاشدة، في خطوة تهدف إلى قمع الاحتجاجات الشعبية على التدخل الحكومي أو بالأحرى «العلماني» في شؤونهم الخاصة.

قضية الحجاب في تركيا من القضايا الحساسة التي فرضت نفسها على الساحة منذ عام 1989، إذ يتحامل عليها من يدعي العلمانية، وينظر إليها دومًا على أنها من الأسباب الأساسية التي تهدد أمن البلاد لأن الحجاب- برأيهم- من الأسباب الرئيسة التي تخدم هدف هدم النظام العلماني، واستبدال آخر إسلامي به.

هذا الخوف من الحجاب يكشف- بطريقة أو بأخرى- عن مدى القلق الذي يساور النخبة العلمانية في تركيا من توسع الدائرة الإسلامية برغم حقيقة أن تركيا بلد إسلامي، وأن 99% من أفراد الشعب التركي مسلمون، ويفسر بالتالي التخبط الحكومي، والتطلع- بأي شكل- للحاق بالركب الأوروبي.

ومع أن أغلبية الأحزاب السياسية في تركيا لا تعارض الحجاب، لكنها في الوقت نفسه لا تتجرأ علنًا على الدفاع عنه، فحتى حزب الحركة القومية «القومي- المتشدد» الشريك الثاني في الحكومة الائتلافية برئاسة بولنت أجاويد، برغم أنه وصل إلى الحكومة منتزعًا المرتبة الثانية بسبب الأصوات الشعبية التي وضعت ثقتها به في الدفاع عن الحجاب، وهو الأمر الذي أقسم هذا الحزب على القيام به، إلا أنه خذلها ضاربًا بوعوده عرض الحائط، بل لم يكتف بذلك، إذ ضغط على النائبة المحجبة في حزبه من أجل خلع حجابها لدى الجلسة الافتتاحية الأولى للبرلمان!

هكذا تحول الحجاب في تركيا من كونه من المقدسات الإسلامية وأبسط الحقوق القانونية للمرأة المسلمة إلى مسألة عقيمة تحتبس بداخلها الأصوات المطالبة بحظره تحت اسم الحفاظ على «العلمانية».

موقف الأحزاب السياسية

عندما يتوجه اللوم إلى الأحزاب التي تمارس الازدواجية السياسية، فإنه يجدر استثناء حزب السعادة «الإسلامي» الذي كان الأجرأ على الإطلاق في الدعوة إلى رفع الحظر المفروض على الحجاب طيلة مسيرته السياسية، إلا أن نداءاته كانت تصطدم دومًا عند حائط النخبة العلمانية الحاكمة في تركيا، التي حكمت عليه بالحل أربع مرات من البرلمان تحت أسماء مختلفة، وذلك برغم تأكيد العديد من الخبراء أن هذا الحل سيلحق الضرر بمسيرة الديمقراطية في تركيا، ويعيق حصولها على العضوية الأوروبية وأنه سيكون من الصعب جدًا على تركيا أن تشرح لأوروبا والعالم مبررات إغلاق حزب «إسلامي» لم يلجأ إلى العنف.

بل إن دفاع الحزب عن الحجاب وصل إلى درجة أن فيصل جاندان نائب رئيس المجموعة البرلمانية له دعا صراحة إلى ضرورة البحث عن حل سريع لهذه القضية التي وصفها بأنها بعيدة عن المنطق والقانون قائلًا: إن الطالبات بغصبهن على خلع الحجاب يتعرضن بذلك لظلم أشد من ظلم النازية.

أما حزب الوطن الأم «وسط- يمين» الشريك الثاني في الحكومة الائتلافية، فيعاني من آلام المخاض في هذه المسألة، خصوصًا أن المكافحة الأولى من أجل رفع الحظر عن الحجاب كانت تحمل توقيعه في عهد زعيمه الراحل تورجوت أوزال.

إلا أن هذه المكافحة هدأت في عهد زعيمه الحالي مسعود يلماز، الذي كان له النصيب الأكبر- بالمعنى السياسي- في المشاركة بالتحضير لكعكة مرحلة 28 فبراير 1997 التي كانت السبب في إطاحة الحكومة الإسلامية التي كان يتزعمها رائد التيار الإسلامي الحديث في تركيا البروفيسور نجم الدين أربكان زعيم حزب الرفاه المنحل.

اليوم يكرر التاريخ نفسه مرتين لتبتلي تركيا مجددًا بمصيبة «الحظر على الحجاب» والفرق الوحيد أن الحزب الذي كان يدافع عن رفع الحظر على «وشاح الرأس»، بالأمس له اليوم الدور الأكبر في رؤية مثل هذا المناظر المؤلمة التي نشاهدها في تركيا، خصوصًا في إسطنبول أكبر المدن التركية!

من المسؤول؟

من المسؤول عن ذلك؟ وعن الصور التي تعكسها صحف العالم عن الاصطفاف الآلي المؤلم للمئات من بناتنا وأبنائنا أمام مدارس الأئمة والخطباء؟ بل من المسؤول عن خروج الشرطة لاصطياد طلاب تلك المدارس في الشوارع؟ أو عن مئات المعتقلين من الطلاب الذي يدافعون عن عقائدهم؟

طبقًا لخبر نشرته جريدة «الزمان التركية» فإن وزارة الداخلية التابعة لحزب الوطن الأم نفت عنها هذه التهم قائلة: «إن الكرة في ساحة والي إسطنبول. ولقد تحدثنا معه في هذا الموضوع، لكنه لا يسمع كلامنا»!

هل هذه هي سياسة حزب «الوطن الأم» الفعالة؟!

مسعود يلماز يقول: «لا يمكن أن نتصور تركيا في الاتحاد الأوروبي وهي تلاحق طلاب وطالبات مدارس الأئمة والخطباء بعمر الـ13 عامًا».

هكذا فإن والي إسطنبول، وآخر زعيم حزب ونائب رئيس وزراء واثنين من الوطن الأم، كلهم يختبئون وراء الاتحاد الأوروبي!

فإذا صح أن تبرير وزير الداخلية لعذره بما هو أقبح من الذنب «والي إسطنبول لا يصغي إليه» فهذا يعني أن السياسة لم يعد لها وجود في تركيا، وأن البيروقراطية هي بدأت تحكم بشكل علني.

ما الجهة المسؤولة عن حظر الحجاب؟ وإلى أي جهة يجب أن يدير السياسي شطره من أجل حل هذه المسألة؟ وماذا عن الحكومة؟

يُقال إنه يوجد حزبان في الحكومة الائتلافية «الحركة القومية والوطن الأم» يعارضان حظر الحجاب. حسنًا، السؤال: لماذا لا يقوم الحزبان بأي إجراءات جدية من أجل رفع هذا الحظر الاجتماعي المأساوي؟

لا إجابة!

والأغرب كيف نفسر موقف حزب الحركة القومية الذي افتعل «المصداقية» في الدعايات الانتخابية بالدفاع عن حقوق المحجبات، لكنه تركها عند باب البرلمان لحظة دخوله عندما أمر نائبته المحجبة بخلع الحجاب لدى جلسة افتتاح البرلمان الأولى؟!

«الأذان» مثال للفشل

ربما يحاول العلمانيون الأتراك بهذا الحظر إشباع رغباتهم، لكنهم على خلفية ذلك يتجاهلون أنهم يدمرون علاقات الدولة بالمجتمع.

نعم، لا يوجد وجه للمقارنة في موازين القوى بين الدولة والشعب، فالدولة أقوى من الشعب دومًا.. فما بالنا بالشعب التركي الذي نُشئ على حس «إطاعة الدولة»، لذا نراه محشورًا دومًا في الزاوية بين سندان إيمانه وعقائده ومطرقة قدرات الدولة وتسلطها. وإذا فكرنا بمعنويات الشعب التركي من هذه الناحية، نرى أن الخصام بين المجتمع والدولة هو ثمرة هذا التسلط.

عندما وصل حزب «الديمقراطية» إلى السلطة، وسمح برفع الأذان بلغته العربية الأصلية تحول ذاك اليوم إلى «عيد» لا ينسى في تركيا ويُقال: إنه عندما رفع «الأذان» بالعربية في الجامع الكبير بمدينة بورصة لأول مرة غرق عشرات الآلاف من المواطنين- الذين كانوا متجمعين في الميدان- في دموعهم.

حسنًا .. هل نجحت 18 عامًا من الحظر من عام 1932 حتى عام 1950م في محو «الأذان» بلغته الأصلية من قلوب الشعب التركي؟ أبدًا. لقد كان هناك- دومًا- اشتياق وتلهف إليه، وعندما تمت إباحته بلغته الأصلية (العربية) تمسك به الشعب التركي بحب؛ ربما كان أكبر بكثير مما كان عليه قبل حظره واستقبله بعيون باكية من الفرح، وبكلمة «الله أكبر».

إننا نستغرب من فشل الذين يجلسون على رأس الدولة ثم هم يفشلون في قراءة تركيا وشعبها بشكل صحيح. كان يجب أن تفهم «الحكومة البرلمان، مجلس الأمن القومي، القوات المسلحة التركية» أنه يجب عليهم أن يراجعوا أنفسهم، ويسألونا: «ماذا نحن فاعلون؟ وكيف يمكن حظر الحجاب في تركيا المسلمة»؟.

قلوب عمياء

لقد جادل العديد من النقاد الإسلاميين جنبًا إلى جنب مع الصحف الإسلامية وكافحوا في سبيل شرح الموقف المدافع عن حجاب أمهات الشهداء، وتكلموا عن النساء اللواتي شاركن في حرب الاستقلال، واللواتي يحملن أطفالهن على ظهورهن ويفلحن في الحقل، ويحلبن البقر، ويجمعن الحطب، شرحوا لهم صفاء نساء الأناضول اللواتي يتقربن إلى الله بالدعاء دومًا.. شرحوا لهم هذا كله، لكنهم فشلوا في إسماع أصواتهم إلى النخبة العلمانية المتشددة في البلاد!

نعم؛ فشلت جميع المحاولات الإسلامية الهادفة إلى لفت أنظار أنقرة الرسمية إلى شعبها المسلم بينما هي تفرض الحظر على الحجاب على الأمهات والأخوات وتمنع البنات من دخول الجامعات بالحجاب!

من الممكن أن يكون رئيس مجلس التعليم الأعلى قد ارتكب خطأ من خلال استسلامه لأهوائه، لكن كان يجدر بحكومة أنقرة أن تتحلى بالعقل السليم فيما يتعلق بمقدسات هذه الدولة.. كان يجب أن يخرج أحد منهم ليقول: «لا يجب التلاعب بهذه الأشياء، لأن التلاعب بها سيهز أعماق الدولة».. ونقصد بهذه الأشياء مثلًا «الأذان» و«زي النساء»، خصوصًا الحجاب.. كيف تنسى هذه الدولة انفجار کهرمان ماراش مع أول شعلة من الحجاب. فإذا نسي المدنيون فكيف ينسى الجيش؟

ويجب أن يخرج أحدهم ليوقظ الأحزاب السياسية من غفلتها هذه، ويلفت نظرها إلى نتائج أعمالها وانعكاساتها على السياسة.. يجب أن يراجعوا أخطاء جيم بوينار زعيم حزب الحركة الديمقراطية الجديدة ليروا كيف مسحه الشعب بلمحة بصر بسبب كلمات تفوه بها عندما كان في أوج حياته السياسية: «يجب أن ننقذ السياسة التركية من تأثير الماركسية ومحمد»!!

كما يجب أن يتذكروا ماذا حصل للمدعي العام الجمهوري السابق نصرت دميرال الذي كان يستعد للانضمام إلى المعترك السياسي من خلال حزب الحركة القومية، فما إن قال: يجب قراءة الأذان باللغة التركية حتى انتهت حياته السياسية في ذلك اليوم، ذلك أن حزب الحركة القومية خشي من أن يخسر أصوات ناخبيه وأخيرًا: يجب أن ينظروا إلى حزب الديمقراطية الذي أصبح أسطورة تركيا بسبب سماحه بقراءة الأذان بلغته العربية الأصلية بعد 18 عامًا من الحرمان.

وطالما بقيت آيات التستر في القرآن الكريم وحافظ الشعب التركي على قيمه الإسلامية فلا بد أن ترجع الحكومة التركية في يوم من الأيام عن خطئها «بحظر الحجاب».

لقد بدأ الأتراك منذ الآن بالتساؤل: هل يا ترى سيكافح حزب ما- مثلًا حزب الحركة القومية في الانتخابات المقبلة- من أجل رفع الحظر عن الحجاب كجزء من التكفير عن الخطايا التي ارتكبها في السلطة؟

هذه التساؤلات وحدها تظهر جرح «الحجاب» الذي لا يزال ينزف في قلوب الشعب التركي، برغم مرور خمسة أعوام على حظره وآلام المخاض التي يعاني منها بسبب نظام لا يزال عاجزًا عن قراءة أفكار شعبه المسلم واحترامها.

الرابط المختصر :