العنوان المجتمع الأسري (1665)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 20-أغسطس-2005
مشاهدات 64
نشر في العدد 1665
نشر في الصفحة 60
السبت 20-أغسطس-2005
تحكيم الشرع وتعاون الزوجين وتذكر المحاسن.. الطريق إلى: المودة الزوجية
• مصاحبة الأخيار أعظم ما يعين الزوجين على تحقيق التقوى والاستقامة
د. حمدي شلبي
من أهم أسس الحياة الزوجية السعيدة المودة بين الطرفين، فلا يبغض الزوج زوجته حتى يطلب فراقها، وإذا أحس منها خلقا يكرهه، فليتذكر الخلق الحسن الذي سر به من قبل، وليس الود هو كل شيء، فقد بينت آية سورة الروم أن الحياة تقوم على أمرين «المودة والرحمة» فإذا وجدا فهذا هو الأمل المنشود.
ولن يتحقق هذا الهدف إلا بالمعايير والأسس والمبادئ التي بني عليها الإسلام هذه العلاقة، ولا بد أن تضع الزوجة نصب عينيها هذه الأمور، فتحفظ مشاعر زوجها عند أهله وتحفظ مشاعر أهل زوجها، وتحافظ على حسن العلاقة بينها وبين أهلها الجدد، وكذلك الزوج، وليكن كلام أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها نبراسًا لهما حين تحدثت عما كان يصنعه النبي صلى الله عليه وسلم في بيته: كان في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة قام إلى الصلاة (۱)، وتقول محدثة عن الزوج المثالي: كان يخيط ثوبه، ويخصف نعله، ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم، ويرقع دلوه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه (۲)، وأما عن عمق العلاقة الزوجي، وسمو الصلة الفكرية، فإن لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيها توجيهات سامية، وإرشادات عالية، فالملاعبة والمداعبة والممازحة، وحلو الكلام، وسبق اللثام قبل الإتمام، مما يزيد العلاقة الزوجية استمرارًا، والصلة الزوجية استقرارًا.
والإسلام حريص كل الحرص على تنمية الألفة وحصول الوفاق بين الزوجين من لحظة الخطبة تمهيدًا لحياة المودة والرحمة، ولهذا وجه النبي صلى الله عليه وسلم الصحابي الجليل المغيرة بن شعبة حين خطب امرأته فقال له: «انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما» (۳). وقد قيل: البشاشة مصيدة المودة.
وتتحقق المودة بعدة أمور تقوم عليها دعائم الحياة الزوجية السعيدة:
• تحكيم الزوجين لشرع الله:
وهذا يقطع دابر الخلاف، ويتيح للسعادة أن ترفرف بأجنحتها على بيت الزوجية، لأن الاحتكام إلى مقاييس ربانية يجعل في النفس راحة في الأخذ بها والوقوف عند حدودها، ولن يكون هناك خصام ولا خلاف ولسان حال الزوجين: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (الفرقان: 74) وإن الناظر في الخلافات الزوجية ليرى أن أكثرها قد نبع من جهل الزوجين بأحكام الشرع وتعاليم الإسلام في العلاقات الأسرية.
فالعلاقة الزوجية علاقة متبادلة بين مانح وأخذ مرة، وآخذ ومانح مرة أخرى، أي تبادل مستمر بين الحقوق والواجبات يحيط به المودة والرحمة، وإنكار الذات.
• تعاون الزوجين فيما بينهما في كل أمور الحياة:
ولكي يستمر التعاون فعليهما بانتقاء أطايب الكلام كما ينتقى أطايب الثمار في حديثهما معًا، ومن الصور الرائعة التي كانت بارزة في بيوت سلفنا الصالح تلك الصور التي تحكي التعاون الإيماني بين الزوجين في القيام ببعض العبادات والتعاهد على أن يعين بعضهم بعضًا في أداء الفرائض، وقد رويت صفحات مشرقة ومشاعل نيرة جديرة بالاهتمام لتكون مثالًا يحتذى، فهذا دعاء بالرحمة لزوج قام من الليل فأيقظ أهله: «رحم الله رجلًا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته» (٤)، وقد يسبق ذلك تذكير بحقيقة الدنيا الزائلة وموعظة يذكر بها الزوج زوجه بالآخرة المقبلة ويخوف فيها من مضلات الفتن وحاجة المرء إلى صلة تصله بربه ليرقق القلب وليهيئه وينشطه للقيام بتلك العبادات.
ولا يفوتنا موقف زوجة سيدنا طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه لما دخلت يومًا عليه ورأت منه ثقلًا فقالت: مالك لعله رابك منا شيء فنعتبك؟
قال «لا» نعم حليلة المرء المسلم أنت ولكن اجتمع عندي مال ولا أدري ماذا أصنع به؟ قالت: ادع قومك فاقسمه بينهم فقال: يا غلام على بقومي قالت: فسألت الخازن كم قسم؟ قال: أربعمائة ألف. (٥)
• العدل والإنصاف في كل شأن من شؤون الحياة:
كاجتناب اللجاجة في الخصومة والإساءة في الكلمة، وألا يحمل أحد الزوجين صاحبه ما لا يطيق، والاقتصاد في النفقة واجتناب الشح، وألا يصغي أحدهما لوشاية، وألا يجرح الزوج زوجته بسب أو قذف لها أو لأهلها، وألا يتلفظ الطلاق حتى تأمن العيش معه وليحذرا ثلاثية التعاسة والتدمير الزوجية: الاضطراب والقلق الكراهية والبغضاء القسوة والغلظة.
• أن يوضح الزوج لزوجته ما يحب وما يكره في كل الأمور وقصة شريح القاضي مع زوجته خير دليل، فقد روي أنه قابل الشعبي يومًا، فسأله الشعبي عن حاله في أهله، فقال: منذ عشرين عامًا لم أر سوءًا قط قال: وكيف ذلك؟ قال: دخلت على زوجي أول ليلة فرأيت فيها حسنًا فاتنًا، وجمالًا نادرًا، فقلت: أتطهر وأصلي ركعتين شكرًا لله، فلما سلمت وجدت زوجتي تصلي بصلاتي وتسلم بسلامي فقمت إليها فمددت يدي نحوها، فقالت: على رسلك يا أبا أمية، ثم قامت وحمدت الله، وأثنت عليه وصلت على رسوله صلى الله عليه وسلم ثم قالت أما بعد: فإني امرأة غريبة عنك لا علم لي بأخلاقك، فبين لي ما تحب فآتيه وما تكره فأتركه، وقالت: إنه كان في قومك من تتزوجه من نسائكم، وفي قومي من الرجال من هو كفء لي ولكن إذا قضى الله أمرًا كان مفعولًا، وقد ملكت فاصنع ما أمرك به الله تعالى فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان فقال شريح: فأحوجتني والله يا شعبي إلى الخطبة في ذلك الموضع فقمت وحمدت الله تعالى وأثنيت عليه وصليت على رسوله صلى الله عليه وسلم ثم قلت أما بعد: فإنك قلت كلامً إن ثبت عليه يكن ذلك حظك، وإن تدعيه يكن حجة عليك، إني أحب كذا وكذا، وأكره كذا وكذا.
وما رأيت من حسنة فانشريها، وما رأيت من سيئة فاستريها، فقالت: كيف محبتك لزيارة أهلي؟ قلت: ما أحب أن يملني أصهاري فقالت: فمن تحب من جيرانك أن يدخل دارك فأذن له، ومن تكره فاكره؟ قلت: بنو فلان قوم صالحون، وبنو فلان قوم سوء، قال شريح فبت معها بأنعم ليلة، فمكثت معي عشرين عاماً لم أعقب عليها في شيء إلا مرة، وكنت لها ظالمًا.
• أن يتذكر دائماً محاسن زوجته:
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يفرَكَ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِن كَره منها خلقا رضي منهَا آخَرَ أَوْ قَالَ غَيْرَهُ (٦)، وقد بين النبي أن النقص والاعوجاج من طبيعة المرأة، وأن المتعامل معها ينبغي ألا يجهل هذه الطبيعة فيحسن إليها مهما كانت تصرفاتها: استوصوا بالنساء خيرًا، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرًا (۷).
• ألا يتجاوز الزوج في العقاب، ويتذكر قدرة الله عليه:
﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ ﴾ (النساء: 19) فعن أم المؤمنين عائشة قالت: «ما ضرب رسول الله شَيْئًا قَط بيده وَلَا امْرَأَةً وَلَا خَادِمًا إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شَيْءٌ قَط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شَيْء مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ فَيَنْتَقَمْ لِلَّهِ».
وعلى الزوجة أن تصبر ولها الأجر الوفير ولتتدبر حدیث رسولها الكريم صلى الله عليه وسلم حين قال: ألا أخبركم بنسائكم من أهل الجنة الودود الولود العؤود التي إذا ظلمت قالت أي لزوجها هذه يدي في يدك، لا أذوق غمضًا حتى ترضى. (۸)
• ألا تفشي الزوجة سرًا لزوجها ولا تسرب خلافاتهما الزوجية.
لنهيه صلى الله عليه وسلم: «فلا تفعلوا فإنما ذلك مثل الشيطان لقي شيطانة في طريق، فغشيها والناس ينظرون» (۹) وعليها بنصيحة النبي التي جمعت محاسن الزوجة الصالحة: إذا نظر إليها سرته وإذا غاب عنها حفظته في ماله وعرضه.
• أن يتجنب كل منهما مجالسة أصدقاء السوء:
فأعظم ما يعين المسلم على تحقيق التقوى والاستقامة على نهج الحق والهدى مصاحبة الأخيار ومصافاة الأبرار، والبعد عن قرناء السوء، لأن الإنسان بحكم طبعه البشري يتأثر بصفيه وجليسه، ويكتسب من أخلاق قرينه وخليله والمرء إنما توزن أخلاقه وتعرف شمائله بإخوانه وأصفيائه.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل».
لذا فإن من الحزم والرشاد، ورجاحة العقل وحصافة الرأي، أن يجالس المرء من يرى في مجالسته ومؤاخاته النفع له في أمر دينه ودنياه، وإن خير الأصحاب لصاحبه، من كان ذا بر وتقى، ومروءة ونهى، ومكارم أخلاق ومحاسن آداب وجميل عوائد، مع صفاء سريرة، ونفس أبية، وهمة عالية، وتكمل صفاته ويجل قدره حين يكون من أهل العلم والأدب والفقه والحكمة.
وبمثل هذه الوصايا فاعملوا حتى تكون السعادة في بيتكما شاملة فإن هذا النجاح بين الزوجين تنعكس آثاره على تربية الأولاد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل