; المجتمع الأسري.. عدد 1372 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الأسري.. عدد 1372

الكاتب إيمان محمود

تاريخ النشر الثلاثاء 19-أكتوبر-1999

مشاهدات 67

نشر في العدد 1372

نشر في الصفحة 60

الثلاثاء 19-أكتوبر-1999

المبتكر الصغير.. ذكاء فطري.. وبيئة ذكية -  المرونة.. الاستقلال والبحث عن بدائل لحل المشكلات.. -   أهم خصائص الطفل المبدع

القاهرة: إيمان محمود

خلف الملامح البريئة، والتصرفات التلقائية العفوية، والشقاوة الجميلة، مواهب وملكات وقدرات إبداعية، تحتاج للاكتشاف والتنمية والتطوير، فالاتجاه الابتكاري كامن في كل نفس بشرية تقريبًا، والعباقرة الخلاقون هم محصلة التزاوج بين الذكاء الفطري والبيئة المواتية.. فمن الطفل المبتكر؟ وكيف نطور قدراته وملكاته؟ وبماذا يجب أن يتسم المناخ الأسري لتطوير المواهب الابتكارية لدى الطفل؟ هذه الأسئلة وغيرها نحاور من خلالها د. علي راشد، أستاذ التربية بتربية حلوان:

  • ما أهمية مرحلة الطفولة المبكرة «٢-6» سنوات في تنمية مهارات الطفل؟

  • سنوات الطفولة هي الفترة التي يجب الكشف فيها عن الابتكار والإبداع لدى الطفل، ويتحقق ذلك إذا مكناه من الحركة والاستكشاف، وأعطيناه الحرية للتجربة والممارسة والعمل، وخففنا من وطأة الإحباطات المتكررة التي يتعرض لها بين حين وآخر، واستثرناه بالمثيرات المتعددة التي تجدد قدراته، وتدفعه إلى التفكير والابتكار.

  • الطفل المبدع.. هل له مواصفات وسمات شخصية معينة تسهل اكتشافه؟

  • بالطبع يتسم بسمات عدة، منها: 

۱- مرونة التفكير، وهي التي تدعى بالعقل المتفتح، فالنشاط الابتكاري يجعل الفرد يتحرك إلى الأمام والخلف، ويتفاعل مع العناصر الخيالية المشوقة، والاحتمالات غير العادية، ولديه رغبة وميل إلى تجاوز المألوف والحقيقي

٢- الاستقلال الشخصي: يتميز الشخص المبتكر بكونه متحررًا بدرجة ما من القيود الاجتماعية، فهو مستقل عما هو تقليدي، ولا يهتم بالانطباعات التي يتركها لدى الآخرين، فيبدو كأنه غير اجتماعي، أو ضد التقاليد الاجتماعية، وسبب ذلك أنه يتجه إلى داخله أكثر من اتجاهه إلى الخارج. 

3- تحمل الغموض: التفضيل الإدراكي للشخص المبتكر يكون غالبًا نحو المعقد وغير المنظم من الأشياء، ويشعر الطفل بالرضا عند تحديه للأمور الصعبة.

٤- تحمل الأخطاء: تقديم عدد غير محدود من الحلول لمشكلة ما هو من خصائص الشخص المبتكر، مما يتطلب عدم الاكتراث بالوقوع في الأخطاء. 

5- قدر مناسب من الذكاء.

6- انخفاض مستوى القلق: إذ يتمتع الطفل المبتكر بالصحة العقلية، وهذا يؤدي إلى انخفاض مستوى القلق لديه.

7- الاهتمام بالمعاني والعلاقات.

  • حين يكون لدى الأسرة طفل بهذه الصفات..كيف تعامله؟

  • إن الأسرة تقوم بدور مهم في التنشئة الاجتماعية للطفل، وإكسابه أنماط السلوك وأساليب التفكير التي يمكن أن يتبعها، وكلما أتاح الآباء للأبناء فرص ممارسة الأنشطة الحرة التي يرغبون فيها، زادت قدرات الأبناء الابتكارية ونمت، فالخبرات المبكرة التي يمر بها الأطفال من خلال تفاعلاتهم في البيت والمدرسة تؤدي دورًا مهمًا في تنمية القدرات الابتكارية لديهم.

ويتسم المناخ الأسري الذي يساعد على هذه المهمة بالخصائص التالية:

١- يسمح برعاية والدية ذات أسلوب تربوي معتدل للأبناء، يشجع على الاستقلال في التفكير، واتباع أسلوب التفاهم بالحوار والمناقشة، وليس بالأسلوب التسلطي الذي يتسم بإلقاء الأوامر.

2- تجاوز الأساليب غير السوية التي تعتبر من معوقات التفكير الابتكاري وأهمها:

أ- القسوة واستخدام التهديد أو التوبيخ أو السخرية، أو العقاب البدني، أو مطالبته بمطالب يعجز عن تحقيقها.

ب- التدليل والحماية الزائدة.

ج- الإهمال والنبذ الذي يتمثل في عدم العناية بالطفل نفسيًا وجسميًا، وعدم تشجيعه على السلوك الطيب، وحجب الحب عنه.

 د- التفرقة في معاملة الأبناء.

هـ- تذبذب سلوك الآباء تجاه الطفل، وعدم ثبات هذا السلوك واستقراره.

3- تقديم المثيرات المتنوعة والكثيرة التي تتيح للأطفال فرص الابتكار، فالبيئة الغنية بالمثيرات المتنوعة تشجع الأطفال على الابتكار، وتتمثل هذه المثيرات في جوانب عدة، منها: توفير عدد مناسب من اللعب المتنوعة، وممارسة الألعاب المسلية مع الوالدين أو الإخوة أو جماعة الأقران، ومشاهدة قصص الأطفال سواء من خلال المجلات المصورة أو التلفاز، ومن هذه المثيرات- أيضًا- تناول بعض الأشياء، والتفكير فيها، ومحاولة رسمها بالألوان على ورق الرسم.

تنمية القدرات

  • فضول الطفل الزائد يؤرق بعض الآباء.. هل هو مؤشر صحي أم مرضي؟

  • تنمية حب الاستطلاع عند الطفل، وجعله يكتشف الأفكار بنفسه مهمان جدًا، فالثقة بالنفس وحب الاستطلاع والابتكار يتفاعل بعضها مع بعض، فالأطفال الذين يكافؤون لحب الاستطلاع سوف يستمرون في ذلك، أما الأطفال الذين يعاقبون عندما يقومون بالاستكشافات، وتفحص الخبرات الجديدة، فسوف تنشأ لديهم اتجاهات تحد من نشاطهم، كما سيفشلون في تنمية القدرات التي تقود إلى الثقة بالنفس، فينبغي على الوالدين احترام محاولات الطفل التي تصدر منه لمعرفة ما يدور حوله، واحترام أسئلته وتشجيعه على الاستفسار، واستغلال حبه للاستطلاع، وتوجيه الأسئلة، بأن يجعلا هذه الأسئلة أداة لتحفيزه إلى التفكير.

  • وهل يمكن أن يكون الابتكار وراثة؟

  • أحيانًا.. فتحلي الآباء بالصفات والقدرات الابتكارية، يشجع أطفالهم على أن يقلدوهم، ويتوحدوا معهم في هذه القدرات، فالطفل الذي يرغب في الوصول إلى أهداف محسوسة، ولا يعرف كيف يحققها، سوف يحاول التوصل إليها بأن يجعل من نفسه شبيهًا بمن يكبرونه سنًا، ولديهم هذه الصفات.

لإكمال الدراسة دون خلع الحجاب..  هجرة الطالبات المحجبات من تركيا

مأساة الطالبات المحجبات في تركيا لا تنتهي، ففي بداية العام الدراسي الجديد تكررت المأساة نفسها، وتكرر المنظر نفسه، وهو عدم السماح للطالبات المحجبات بالدخول إلى الجامعة. 

ومع أن قانونًا تم سنه أُلغِي بموجبه العقوبات المفروضة على الطالبات المحجبات، إلا أنه اشترط قيام الطالبات برعاية التعليمات الخاصة بالزي، أي بشرط كشف رؤوسهن!!.. أي لم يأت هذا القانون بحل شاف لقضية المحجبات، ولم يزل الظلم الواقع عليهن، بل أكده هذا القانون عندما أشار إلى أن هناك تعليمات حول زي الجامعة، ولم تكن مثل هذه التعليمات واردة في السابق.

أمام هذا الوضع الشاذ، وغير القابل للتصديق سلكت الطالبات المحجبات سبلًا عدة أهمها:

  1. فضل قسم منهن ترك الدراسة في الجامعة، مع أن بعضهن كن على وشك التخرج.

  2. بعض الطالبات اللواتي كن في الصفوف الأخيرة، وعلى وشك التخرج، اضطررن لكشف رؤوسهن في الجامعة فقط، لأن الأحوال الاقتصادية لأسرهن لم تكن تسمح لهن بترك الدراسة. 

  3. بعض الطالبات قمن بوضع باروكة على رؤوسهن في أثناء الدوام بالجامعة.

  4. الفئة الأخيرة من الطالبات اضطررن لمراجعة الجامعات في الدول الأخرى لتكملة دراستهن مع تحمل جميع الصعوبات والمشكلات التي تحف هذه المراجعة.

مأساة الهجرة

كانت عينا الأم محمرة من البكاء وهي تودع في مطار اسطنبول الدولي ابنتها الوحيدة «نلكون» الطالبة في كلية طب الأسنان.. هي طالبة محجبة، لم تستطع كشف رأسها ومخالفة أوامر خالقها، ولم يهن عليها ترك الدراسة بعد هذا المشوار الطويل من الدراسة، فبحثت حتى وجدت جامعة تقبلها في أذربيجان.. قالت الأم بصوت باك وهي تشير إلى طابور الطالبات المحجبات الواقفات في انتظار إنهاء معاملة السفر أمام موظفي المطار: «لم تستطع هؤلاء الطالبات إنهاء دراستهن هنا.. سيذهبن ليكملن دراستهن في الخارج، لقد حلمت ابنتي على الدوام بأن تكون طبيبة أسنان».

 أما ابنتها «نلكون» فقد اختلطت في قلبها مشاعر مختلفة.. مشاعر حزن وأسى، ومشاعر فرحة، ومشاعر ترقب، أما حزنها فلأنها تترك بيتها وعائلتها للمرة الأولى في حياتها، وتذهب إلى ديار الغربة، وتبتعد عن وطنها وعن أهلها وصديقاتها.

وأما الفرح فلأن حلمها في التخرج طبيبة أسنان على وشك التحقق، وأما مشاعر الترقب فلأنها ستلج إلى حياة جديدة ومحيط وبيئة جديدين.

وتقول الطالبة خديجة جوابًا عن سؤال: هل ترجعين إلى البلد بعد التخرج «طبعا سأرجع... من المؤكد أني سأرجع إن شاء الله».

 ونسألها: فإن رجعت ورأيت أن الأوضاع نفسها ولم تتغير ..ماذا ستفعلين؟ 

تتجمد نظرتها ولا تجد جوابًا، إذ لا تتصور أن هذه الأوضاع الشاذة ستدوم طويلًا.

من يشاهد طابور الطالبات المحجبات من مختلف الكليات «الطب والهندسة والكومبيوتر والهندسة الإلكترونية..إلخ» لا يملك إلا الأسف على حال تركيا البلد المسلم، وإلا الحزن عليهن وعلى أسرهن.

 والوضع ليس بالبساطة المتصورة ففي العام السابق أيضًا جرب بعض هؤلاء الطالبات الدراسة في الخارج، ولكن معظمهن رجعن، ولم يستطعن إكمال الدراسة بسبب التكاليف الباهظة التي تتطلبها الدراسة والإقامة في الخارج، فمعظم هذه العائلات من ذوي الدخل المتوسط لا تستطيع تحمل هذه التكاليف الباهظة.

وحسب بعض الأرقام غير المؤكدة ذهبت ٢٠ طالبة إلى النمسا، وطالبتان إلى ألمانيا، و3 طالبات إلى أيرلندا، و٢٥ طالبة إلى المجر، و١٠ طالبات إلى هولندا، و٤٠ طالبة إلى أذربيجان.

 طبعًا هذه أعداد الطالبات اللاتي وفقن لأخذ موافقة عائلاتهن للسماح لهن بإكمال الدراسة في الخارج، واللاتي يملكن القدرة المالية لدفع الأجور الباهظة للجامعات والإقامة، وهناك الآلاف من العائلات التي لا تملك هذه الإمكانات المادية للتدريس لبناتهن في جامعات الدول الأجنبية، فاضطررن إلى ترك الدراسة.

ويمكن تسجيل أهم المشكلات التي يعانيها هؤلاء الطالبات فيما يلي:

۱- مشكلة الحصول على قبول من إحدى الجامعات، وهذه ليست عملية سهلة. 

2- مشكلة تعلم اللغة الأجنبية لذلك البلد، وهذا يكلف كل طالبة سنة واحدة على الأقل لتعلم اللغة قبل الدوام في الجامعة.

3- مشكلة ضياع سنوات عدة من الدراسة في حالة القبول أيضًا، فكثير من الجامعات تشترط البدء من الصف الأول في الجامعة، وإن كانت الطالبة في الصف الثالث أو حتى الرابع في الجامعة حاليًا.

4- وأخيرًا فإن أهم مشكلة هي المشكلة المالية، فمثلًا بينما تبلغ الأجور السنوية لجامعات المجر ألف دولار، ترتفع هذه الأجور في بعض الجامعات في إنجلترا وأمريكا إلى ٢٥ ألف دولار، وهناك جامعات تتراوح الأجور السنوية فيها بين خمسة إلى عشرة آلاف دولار، فإذا أضفنا إلى هذه الأجور تكاليف المعيشة والسكن تجاوزت هذه المصاريف القدرة المالية لمعظم العائلات.

5 - مشكلة التكيف مع البيئة الجديدة.

مشکلات ما بعد العودة!

وحتى بعد تغرب هؤلاء الطالبات، وقيام عائلاتهن بكل هذه التضحيات المالية، والبعد عن بناتهن، وإرسالهن إلى ديار الغربة، تبقى هناك مشکلتان ستظلان تشغلان اذهان هؤلاء الطالبات وعقول الأهالي، وهما:

  1. في حالة رجوعهن إلى البلد بعد التخرج سيواجهن المشكلة نفسها في الدوائر الحكومية الرسمية، لأن الموظفات يمنعن من التحجب، فهذا مخالف للتقدمية، أي أن أبواب التعيين في الدوائر الحكومية مسدودة في وجوههن.

  2. هناك احتمال قيام مجلس التعليم العالي بعدم قبول الشهادات التي حصلن عليها مثلما فعل مع خريجي جامعة الأزهر، والجامعة الإسلامية في ماليزيا، أو يقوم هذا المجلس بوضع امتحان لهن قبل معادلة شهاداتهن ليكون أمامه حجة لرفض هذه الشهادات عمدًا وقصدًا.

أمام هذا المنظر المؤلم الذي لا يكاد العقل يتصور حدوثه في أي بلد ديمقراطي، يبرز أمامنا احتمال عدم عودة هؤلاء الطالبات أو معظمهن إلى بلدهن، وهذا يعني هجرة العقول من تركيا إلى الخارج، في الوقت الذي يحتاج البلد فيه حاجة شديدة إلى هذه العقول.

ندعو الله تعالى أن يكون عونًا لهذه العائلات.. وعونًا لهذا البلد أيضًا.

الرابط المختصر :