العنوان المجتمع الأسري ( العدد 1308)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 14-يوليو-1998
مشاهدات 66
نشر في العدد 1308
نشر في الصفحة 60
الثلاثاء 14-يوليو-1998
إثبات الذات
إن ما نراه اليوم من تسابق النساء إلى الجامعات، وحرصهن على الشهادات وسعيهن إلى الماجستير ثم الدكتوراه، هدفه الحصول على العمل الجيد لا تحصيل العلم النافع كما كان الأمر سابقًا اذهبوا إلى الجامعات تروا ما أقصده، فالطالبات لا يقرأن إلا بمقدار الحاجة، ولا يدرسن إلا المقرر ولا يدخلن المكتبة إلا لكتابة الأبحاث الواجبة لأن هدفهن هو العمل بالشهادة لا العلم الذي يرفع الإنسان درجات، فما عاد التعليم غاية نبيلة تقصد لذاتها، ولا هو هدف سام يسعى إليه لرقيه، ولا هو كنز يحرص عليه لقيمته، ولا هو سلاح ينتصر بقوته، إنما صار التعليم الطريق الوحيد إلى العمل. وأضحى العمل الشيء الوحيد الذي يرضي المرأة ويسعدها ويشعرها بأهميتها، وبه تحقق ذاتها وتثبت وجودها، وتعلى شأنها، وبات الجلوس في البيت منتقدًا وغير مقبول عرفًا.
ولا أدري من الذي اخترع هذه الكلمات المعدودة، والعبارات المحدودة التي باتت تتداول هنا وهناك في سوق النساء: «أريد أن أحقق ذاتي. أريد أن أثبت وجودي أريد أن أسمو بنفسي. أريد أن أفيد من قدراتي «لكن الذي أعرفه أن هذه العبارات اكتسبت في مجتمعاتنا أهمية عظيمة وقيمة كبيرة، ولاقت قبولًا وإعجابًا شديدين في جميع الأوساط، وبين مختلف الفئات والأعمار فأخذت ترددها آلاف مؤلفة من النساء المسلمات وتعمل بها وتعلمها غيرها، حتى ما عادت هذه الجمل مجرد كلمات وعبارات وحسب، بل صارت شعارات ترفع، وصارت مذهبًا له أتباعه، وله المدافعات عنه، والداعيات إليه.
شعارات مخيفة
أهمني وضع المرأة هذا، وأقلقتني العبارات التي ما فتئت ترددها، وأخافتني الشعارات التي ما برحت ترفعها، فبحثت في الكتب عن تفسير لهذه الظاهرة يجلو لي غرابتها، ويوضح لي غوامضها، فما عثرت عليها إلا عند علماء النفس، وما وجدت لهذه الظاهرة إلا تفسيرًا واحدًا هو أن المرأة تفتقد التقدير والاحترام، وهي في خروجها إلى العمل تبحث عنهما. وقرأت أن الحاجة إلى التقدير والاحترام حاجة ضرورية، والعي وراءهما ظاهرة طبيعية عادية.
لكن الظاهرة تطورت وأصبح «إثبات الذات». بالعمل خارج البيت لا بغيره هو أسمى أهداف المرأة وغاية آمالها، ومنتهى أحلامها وأضحي إثبات الذات، هدفًا ساميًا تتصاغر أمامه كل مكرمة ويحتقر. مقارنة به-كل عمل، وتتهاوى دونه كل غاية. وبات «إثبات الذات» الغاية الوحيدة للنساء دون النظر إلى أي اعتبار آخر مهمًا، فسيطر عليهن مفهوم الخروج إلى العمل لذاته وانتفت أهمية الكفاءة في إدارته والقدرة عليه والإتقان والإخلاص-والفهم الجيد لطبيعته وشروطه، وتم إهمال البيت والزوج والأولاد في سبيل هذه الغاية.
وازدادت-مع مرور الأيام -أعداد العاملات وقلت الأمهات، وما عاد «إثبات الذات» بكل ما سبق ظاهرة طبيعية، إنما صار سباقًا محمومًا، وكابوسًا مرعبًا، ومرضًا معديًا خطيرًا يخشى منه، وقد. سجلت الإحصائيات ضحايا أبرياء له فبينما كانت -المرأة تحقق ذاتها، كان أولادها يفقدون ذواتهم -لأنهم دون توجيه هادف، ودون تربية قيمة، ودون -دين حنيف، فقد ألقي في روع الأم أن أولادها لا يحتاجونها إلا قليلًا، وأن حبسها نفسها لتربيتهم قرار خاطئ، وظلم فادح لشخصها. وهل وجدت الخادمات إلا لمثل هذه الأعمال أما هي فدورها أجل. وقيمتها أسمى، ومقامها أرفع.
وبهذه المفاهيم الغريبة الخاطئة حولت المرأة عن طريقها الأصلي «التربية والتوجيه» والتفتت إلى-نفسها، معتقدة أن تحقيق الذات لا يتعامد. ولا يتقاطع مع مصلحة أولادها، إنما يسير بخط متواز مع تربيتهم، فإما مصلحتها أو مصلحتهم. ففقدت الأم بهذا روعة الإيثار، وحلاوة التضحية وصارت تبدأ بنفسها وتقدم آمالها وأحلامها حتى على أبنائها.
ودفعت الأم أولادها وراحتها ثمنًا بخسًا لأعمال عادية يقوم بها اليوم معظم العاملين، فهي إما موظفة أو معلمة، وكثيرات مثلها موظفات أو معلمات، فما الجديد؟ وما المكاسب التي كانت مفقودة وحققتها المرأة الأم بخروجها إلى العمل لا شيء فهي لم تحقق شيئًا يذكر مقابل المخاسر التي خسرتها عندما قصرت في حق بيتها وأولادها.
فلماذا العناء، ولم الخروج إلى العمل وإثبات الذات، سهل متيسر وفي متناول الجميع فإثبات الذات-كما يقول علماء النفس-يتحقق بالجهد والعمل المثمر والتحسن الدائم والإنجاز المبدع، فهو لا يتطلب العمل خارج البيت، ولا يدعو إلى إهمال التربية، ويتحقق بأبسط السبل:
فبيت نظيف مرتب منظم كأحسن ما تكون النظافة والترتيب والنظام يحقق لصاحبته «إثبات الذات» وقل أن نرى هذا!
والأم التي تربي أولادًا متفوقين على أقرانها دينًا وخلقًا وسلوكًا وعلمًا وصحة تثبت ذاتها وقدراتها بالدليل القاطع:
إن عملية إنجاب الأطفال تتساوى فيها الغالبية العظمى من النساء، ولكن الأمومة الحقة هي تلك التي تستطيع أن تخلق من مولودها الصغير المواطن الصالح الذي يحترم حقوق غيره. ويتحلى بالمثل العليا، والأخلاق الحميدة سيدتي يجب أن نميز بين كلمة أم وكلمة والدة، ولذلك أقول إن كل من تنجب طفلًا هي والدة، ولكن ليست كل والدة أما، الأم تحفل بالمعاني النبيلة فإذا أردت. أن تكوني أمًا فيجب عليك أن تكافحي وتجاهدي وعندما تضحين من أجل ابنك ساعية إلى هدف كبير تكونين الأم المثالية «مهدي عبيد: أطفالنا والحيا المعاصرة، ص۱۱» والحقيقة أن هذه الأم مازالت غير موجودة حتى إشعار آخر!
تفوق التخصصات
ويمكن للمرأة أن تثبت ذاتها بالعلم نفسه وبالشهادة منفصلة عن العمل، وذلك عندما تتمكن من التخصص الذي درسته فتتفوق طالبة الشريعة بالفقه، وتتفوق طالبة اللغة العربية بالنحو والإعراب وتصبح كل منهما مرجعًا، وما أحوجنا اليوم إلى التفوق في هذه التخصصات، وطالما أشكلت علينا مسائل في الفقه والإعراب، وما وجدنا من نسأله.
وتستطيع المرأة أن تثبت ذاتها في المجالس وهي تروح عن نفسها، بصرف النساء عن الأحاديث الفارغة، لا بخطب منبرية، ولا بمحاضر طويلة مملة، إنما بطرح موضوعات مفيدة منوعة ومسلية تهتم لها الموجودات فتوسع آفاقهن وتنمي مداركهن وتساعدهن على حل مشكلاتهن.
وبعد أختي المسلمة:
فمجالات «إثبات الذات» وطرق الحصول على التقدير والاحترام كثيرة، فلا تنساقي مع الشعارات الخادعة، ولا تظني أن العمل خارج البيت هو الطريق الوحيد إلى إثبات الذات والوصول إلى المعالي أبدًا، بل السبل كثيرة ومتعددة، فلا تندفعي إلى الجامعات من أجل العمل، بل اهتمي بالعلم لذاته واعلمي أن العلم الواسع يكفل لك «إثبات الذات» والنجاح والتفوق في كل مجال.
وأخيرًا، فلا تنس أن أفضل سبيل تختارينه هو السبيل الذي لا يضر بمصلحة أولادك ولا يؤثر على أمومتك، وتذكري دائمًا أن تفوقك في تربية أولادك واحدة من أهم سبل إثبات الذات، إن لم تكن أهمها على الإطلاق.
عابدة فضيل المؤيد العظم
ينابيع السعادة
كيف ترى السعادة؟
سؤال طرحته على مجموعة من أصناف البشر فأتتني الإجابات مختلفة متباينة منهم من يقول: أراها في كثرة المال وكثرة الولد، ومنهم من يقول: بل هي في صحة الجسد وصنف آخر يراها في السياحة والمتعة. أما من كان منهم مريضًا فإنه يلتمسها في الانغماس في رغبات النفس وشهواتها. وهكذا تكون إجابة من نقصت أنظارهم عن الحقيقة. وكل تقديرهم للدقيقة لم أجد إجابة شافية. لكني أمسكت بذلك القلم المؤمن فسألته:
ما هي الينابيع التي تستمد منها سعادتك؟
فأجابني بلسان الواثق وهو يهز رأسه بتساؤل من أين أبدأ؟ وعن أي شيء تريدينني أن أتحدث؟
أأبدأ بالإيمان الذي يملا القلب لذة وحلاوة أم بالقناعة التي تحول أقل الناس عيشًا يشارك الملوك في نعيمهم أم أتحدث عن تلاوة القرآن التي تزيد الإيمان، وتحلق بتاليه حتى يبلغ به الحور والجنان أم...
أخذ القلم نفسًا عميقًا ثم انتصب بشموخ وتابع حديثه: نعم. إن أول ينبوع ننهل منه فترتوي عروقنا وتخضر أوراقنا هو ينبوع الإيمان بالله. إذ لا سعادة إطلاقًا بدون الإيمان الراسخ بالله عز وجل وبالقدر خيره وشره. بل ستبدو لنا الحياة بدون الإيمان كسحابة دائمة سوداء من الضنك والشقاء، لكن الالتزام بتعاليم الدين من واقع نبعه الصافي يسعدنا ويدفعنا إلى الفضائل، ويسعد بنا المجتمع كله.
وهناك نماذج رائعة تجلى لنا فيها دور الإيمان في إسعاد أصحابه وأقرب مثال يتبادر إلى الذهن هو شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-فقد سجن وعذب وطرد. ومع هذا نجده يقول بعد أن أغلقوا عليه باب السجن ما يصنع بي أعدائي أنا جنتي ويستأني في صدري، إن رحت فهي معي لا تفارقني. أنا حبسي خلوة وقتلي شهادة وإخراجي من بلدي سياحة!
القناعة
أما الينبوع الثاني: فهو ينبوع القناعة، حيث إن الذي لا يعرف القناعة لن يعرف السعادة أبدًا ولو ملك كنوز الأرض، وهذا يذكرنا بمثال حي وهو ما يروى عن ذلك الرجل الفقير الذي كان يجلس على شاطئ البحر بأسمال بالية وفي يده قطعة من الخبز اليابس يغمسها في ماء البحر المالح ثم يرفعها إلى فيه ويقول وهو في غاية السعادة إننا لفي سعادة لو علم بها الملوك وأبناء الملوك لجالدونا عليها بالسيوف لا عجب فهي القناعة وهذا مصداق لقول خير البشر صلى الله عليه وسلم: «من أصبح آمنًا في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها».
وهذا الأمر مشاهد أيضًا بالتجربة. فكم نرى من إنسان تقي. مؤمن. لديه مال يسير أسعد من صاحب المال الكثير المصحوب بالجشع والمشكلات والقناعة أنواع، لكن أفضل أنواعها هو ما جاء بعد استفراغ الجهد. حيث يقنع الإنسان بنتائج عمله.
وإن لم تكن النتائج بالشكل المأمول. بل حتى لو انتهت بالإخفاق. فالمؤمن يكفيه أنه اجتهد فلا يلوم نفسه ويندب حظه. أو يجعل الإخفاق عقدة ملازمة له أو يصيبه الإحباط واليأس. بل يعتبر الإخفاق القنطرة الموصلة إلى النجاح.
وثالث الينابيع: ينبوع التوكل على الله. والاعتماد عليه فالمتوكل على الله قوي القلب لا تؤثر فيه الأوهام ولا تزعجه الحوادث لعلمه أن الله قد تكفل لمن توكل عليه بالكفاية التامة فيطمئن لوعده كما أنه يسعد حينما يسعى في بذل الخير للناس ويحسن إليهم ولا ينتظر منهم جزاء ولا شكورًا. بل يرجو ذلك من ربه-سبحانه.
ورابع الينابيع: تلاوة القرآن والاشتغال بذكر الله عن هموم الدنيا واللجوء إلى الله بالدعاء مع اليقين بأنه سبحانه سيجيب دعوته في الحال، أو يدفع عنه من السوء مثلها-أو يدخرها له في الآخرة.
أما الينبوع الخامس فهو اليقين بأن كل نعيم في هذه الحياة زائل لا محالة وأن السعادة الأبدية في الآخرة. يقول أبو الحسن التهامي عن هذه الحياة.
جبلت على كدر وأنت تريدها *** صفوًا من الأقذار والإكدار
ومكلف الأيام ضد طباعها *** متطلب في الماء جذوة نار
قد يبدو لنا من أول وهلة. أن الشاعر في هذين البيتين يدعونا إلى التشاؤم، لكنه في الحقيقة يدعونا إلى التعامل الصحيح مع الحياة التي تلك طبيعتها.
فالإنسان إذا علم أن السعادة ليست حالة دائمة. لم يعلق آماله على مستحيل. ولم يفجع إذا طرأ عليه ما يكدر صفو حياته. والمؤمن حينما يدرك طبيعة الحياة ينظر في حال من هم دونه في أمر الدنيا، فلا يزدري نعمة الله عليه. ويحس بأنه يملك كنوزًا من السعادة ومن ثم ينفي عن نفسه الحسد والغيرة. ويوفر لها طمأنينة القلب. والشعور بالرضا وراحة البال. فيهنأ بلقمته ونومته. ويغتبط بحياته بشكل دائم.
والينبوع السادس: الكفاح في الوصول إلى هدف-أو أمر معين-وأفضل الكفاح. ما كان في طلب العلم. فلا ألذ ولا أشهى من السعي في طلب العلم وكذلك مجاهدة النفس وترويضها على الالتزام بتعاليم الإسلام.
وسابع ينبوع يجلب لنا السعادة ويبعد عنا شبح القلق هو التكيف مع الأحوال والأوضاع التي نعيشها ثم الرضا بها ونسيان وتجاهل ما لا نستطيع تغييره.
أيضًا هناك ينبوع ثامن: وهو التعرف على أنفسنا التي بين جوانبنا. فتعرف ما يناسبها من الأعمال ولا نحملها ما لا نطيق. لأن لكل نفس قدرة كالجسور تمامًا. فمن الجسور ما يحمل عشرة أطنان ولو حمل عليه أكثر من ذلك لتصدع وانهار. ومنها ما يحمل آلاف الأطنان دون أن يتأثر. فالمؤمن يثق بأن سعادته بحجم قدرته. وأن ربه حكم عدل رحيم.
هناء المخلف
مهارات النجاح
جدد إيمانك
الإيمان يبلى كما تبلى الثياب مع طول الوقت ويتضح ذلك من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم حينما مر ذات يوم على أصحابه قائلًا: «جددوا إيمانكم قيل: يا رسول الله وكيف تجدد إيماننا قال: أكثروا من قول لا إله إلا الله». وهكذا المؤمن يجدد إيمانه باستمرار ففي أوقات فراغه لا نرى لسانه إلا ذاكرًا مسبحًا مستغفرًا، مكبرًا، حامدًا، شاكرًا.
يا من له عنت الوجوده بأسرها *** وله جميع الكائنات توحد
يا منتهی سؤلي وغاية مطلبي *** من لي إذا أنا عن جنابك أطرد
أنت المؤمل في الشدائد كلها *** يا سيدي ولك البقاء السرمد
إن المجدد لإيمانه مطمئن في حياته قريب من رحمة ربه يشعر بالسعادة ولو كان وحيدًا. سئل مالك بن مغول وهو جالس في بيته وحده ألا تستوحش؟ قال: أو يستوحش مع الله أحد، وقال مسلم بن يسار: ما تلذذ المتلذذون بمثل الخلوة بمناجاة الله عز وجل.
إن المجدد لإيمانه بذكر الله تراه متفائلًا مستبشرًا، تبدو على وجهه علامات الحسن فقد قيل للحسن ما بال المتهجدين من أحسن الناس وجوها فقال: إنهم خلوا بالرحمن فألبسهم نورًا من نوره. جدد إيمانك باستمرار في السيارة. وأنت ماشي. وفي أوقات فراغك بهذه الكلمات قال رسول الله صلى اللله عليه وسلم: «سبحان الله والحمد ولا إله إلا الله والله أكبر» تنفض الخطايا كما تنفض الشجرة ورقها.
د. نجيب عبد الله الرفاعي