; أثر الخادمات في تنمية الاتكالية لدي أبنائنا | مجلة المجتمع

العنوان أثر الخادمات في تنمية الاتكالية لدي أبنائنا

الكاتب خالد أحمد الشنتوت

تاريخ النشر الثلاثاء 15-مارس-1994

مشاهدات 75

نشر في العدد 1092

نشر في الصفحة 59

الثلاثاء 15-مارس-1994

كان العرب في الجاهلية يعتقدون أنهم شعب كامل الإنسانية، وأن الأعاجم «غير العرب» شعوب وضيعة أقل منهم مكانة، لذلك رفض النعمان بن المنذر تزويج ابنته حرقة لكسرى أبرويز، رغم أن النعمان كان أحد عماله. وكان العربي يرى أن الحرب والتجارة أسمى أنواع العمل، بينما الأعمال الأخرى محتقرة في نظره، ولا يقوم بها إلا الرقيق وأسرى الحروب والفئات الوضيعة.

وقد تخلصت أوروبا من احتقار العمل اليدوي على أثر الظروف السياسية والصناعية التي مرت بها القارة الأوروبية بينما بقيت رواسب تلك النظرة في بعض بلدان العالم الثالث، ومنها البلاد العربية.

الإسلام يحث على العمل اليدوي

أعطى الإسلام كل فرد في المجتمع الحق في أن يزاول العمل المشروع، الذي يروق له. كما حث على العمل أيًّا كان نوعه، وأعلى من شأنه، فإن الله سبحانه وتعالى قد سخر الكون للإنسان يعمل فيه: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُور﴾ (الملك: 15) فالسعي في طلب الرزق بالعمل الحلال مطلوب، وبعض الذنوب لا يكفرها إلا السعي في طلب الرزق، والعمل عبادة إذا صلحت فيه النية، والعمل سنة الأنبياء والمرسلين سواء كان ذلك العمل زراعة أو صناعة أو تجارة أو حرفة... إلخ.

فالعامل اليدوي يقوم بفرض كفائي حث عليه الإسلام، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أفضل الكسب بيع مبرور وعمل الرجل بيده» وقال أيضًا: «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده وأن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده»[1]. والأعمال اللازمة للمجتمع المسلم كلها فروض كفاية ويجب على الأمة أن توفر هذا الصنف من العاملين، ولا يميز الإسلام بين العمل اليدوي وغير اليدوي: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِير﴾ (الحجرات: 13).

وجود الخادمات يولد احتقار العمل اليدوي

عندما يرى الأطفال أن الخادمة عندهم تقوم بالأعمال اليدوية، بينما أمه تصدر الأوامر والتعليمات فقط، فمما لا ريب فيه أن مكانة أمه في نظره أرفع من مكانة الخادمة، عندئذ يرتبط في ذهن الطفل أن الإدارة من اختصاص الطبقة الراقية، أما العمل اليدوي فإنه للخدم فقط.

وربما يفسر هذا الفهم الإقبال المتزايد عند الطلاب الخليجيين على كلية إدارة الأعمال، أو «العلوم السياسية» والنفور من كلية الزراعة والمعاهد الصناعية. كذلك يرى الأطفال في الجزيرة العربية أن العاملين في الزراعة، كلهم من العمالة الأجنبية، وأن المواطن الخليجي يعمل مديرًا للمشروع الزراعي فقط، عندئذ يتأكد في ذهنه منذ الصغر أن الزراعة عمل وضيع يقوم به الخدم، ولا يعمل به الإنسان الشريف المحترم.

وجود الخادمات ينمي الاتكالية عند الأطفال

من الملاحظات المتكررة في مدارسنا الخليجية، أن الطالب الصغير أو الكبير، يترك بقية فطوره، وعلبة العصير الفارغة، يترك ذلك كله في مكانه الذي تناول فيه فطوره حتى لو كان مكتب المرشد الطلابي في المدرسة.

والاتكالية أو الاعتماد على الآخرين مرض خطير جدًّا، يجعل الطفل لا يثق بنفسه، ويشك في قدراته، ويجعله مترددًا خائفًا تعوزه الجرأة والشجاعة، ويقول خليفة إبراهيم: «تبين من نتائج الدراسات الميدانية أن وجود المربية يقلل من الفرص المتاحة للاعتداد على النفس عند الأطفال، وينمي الاتكالية والاعتماد على الآخرين»[2]. ومن الأساليب النبوية لتنمية ثقة الطفل بنفسه: تنمية الثقة الاجتماعية عندما يقضي الطفل حاجيات المنزل، ويجالس الكبار ويجتمع مع الصغار فتنمو ثقته الاجتماعية بنفسه[3].

التربية اليابانية تحارب الاتكالية

ومن خصائصها أن التعليم المهني مقدم على النظري، والممارسة العملية أبرز واجبات الياباني منذ طفولته عندما يقوم بتنظيف صفه ومدرسته حتى بعد تخرجه من الجامعة عندما يتدرب في مؤسسة عمله على برامج إجبارية قبل أي منصب ثابت، كما تتلقى الفتاة اليابانية برامج إجبارية تعلمها كيف تكون زوجة صالحة[4]. ومن نتائج التربية اليابانية أن هذا البلد لا يعتمد على غيره، وباستثناء النفط الذي لا يوجد عنده نجد أن معظم المجتمعات في العالم تحتاج الصناعة اليابانية. ومن أسباب ذلك تعويدهم الطفل منذ الصغر الاعتماد على الذات، فينظف صفه وغرفته في المنزل ويخدم نفسه منذ الصغر حتى لا يكون اتكاليًّا.

وتقول المربية «بستالوزي»: «كلما استخدمنا خدمًا أصبحنا أسرى لهم، وإذا أردنا أن نكون أحرارًا يجب أن نقول دائمًا: إنني لا أحتاج إلى خدمة أحد لأنني لست عليلًا، وكلما خدمنا الأطفال ألحقنا بهم الضرر؛ لأننا نكون بذلك جعلناهم يعتمدون على غيرهم».

وقد دخلت يومًا إلى بيت زميل آسيوي يحمل الماجستير، يقول إن والده ضابط كبير، وعندهم خدم كثير، وكان هذا المدرس عزبًا وقد قابلتني رائحة القمامة لدى الباب فأدخلني إلى غرفة نومه «حيث لا توجد غرفة غيرها بدون قمامة» وذهب إلى المطبخ يحضر الشاي، فمللت ولحقته إلى المطبخ الذي رأيت فيه أكوام القمامة أكثر من الأثاث.. وعندما قدم لي الشاي في كأس متسخة حاولت أن أشرب الشاي فيها، وعلى الرغم من محاولتي القوية لكبح نفسي لم أستطع إتمام الكأس فاعتذرت، ولما لاحظ ذلك اعتذر قائلًا:

  • نحن في أسرتنا لا نقوم بأي عمل في البيت، فهذه الأعمال من شأن الخادمات.

وبعد أن ودعته حمدت الله عز وجل على نعمه الكثيرة عليّ، ومنها أن والدي- رحمه الله- كان فقيرًا ولم يكن عندنا خادمات[5].


الهوامش

[1] الحديث الأول ذكره السيوطي في الجامع الصغير وحسنه، والحديث الثاني في البخاري في البيوع، باب كسب الرجل وعمله بيده.

[2] خليفة إبراهيم، المربيات الأجنبيات.

[3] محمد نور سويد، منهج التربية النبوية للطفل.

[4] محمد جابر الأنصاري، جذور التربية اليابانية.

[5] محمود مهدي الإستانبولي، كيف نربي أطفالنا؟

 

الرابط المختصر :