; المجتمع الأسري (عدد 1321) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الأسري (عدد 1321)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 13-أكتوبر-1998

مشاهدات 70

نشر في العدد 1321

نشر في الصفحة 60

الثلاثاء 13-أكتوبر-1998

نبضات قلب مسافر
زوجتي الغالية....

أنى لي أن أهش بنبض قلبي على شجى هذا الغياب؟ أنى لي قطف وميض العتاب، وأقمار عتابك تغمرني في الذهاب والإياب؟!! أنى لي - يا بعد روحي - أن أفر من بعضي إلى بعضي، وأنت حنيني إلى بعضي؟!! أني لي أن أرتدي حلمي كي أفض العذاب؟! أني لي، فليس ذاك المتألق بيننا محض سراب؟ أتراني الآن أغادر لياسمين يزهر من شرايينك؟ أتراني أضيء مساحة الشوق بالابتهال، وأعانق نزيفي لأوقع حروفك الأولى؟! أتراني أهدهد صغاري واحدًا واحدًا، فأذرف دمع حروفي لأشعل حزني الطليق؟ أتراني اليوم أرنو لكل أحبابي، أرنو لبلادي، لكل صديق؟! أتراني أصغي إليك، أمضي في حداء الطريق؟ فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة، فأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة والكلمة الطيبة صدقة، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة، فما أرق أزهار هذا الندى، وما أجمل - يا وردتي. إن نجوب تلك الحدائق المعطرة بالشذى، وليس أعظم من أن تظل ألسنتنا رطبة بذكر الله سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته، فهذا خير أعمالنا، وأزكاها عند مليكنا وأرفعها في درجاتنا، وأعظم غراس لنا في الجنة.

فهل تراني أزف إليك رياض الحبيب المصطفى لتكون حداء الطريق الذي لا حداء قبله ولا بعده؟

وهل نحظى بالبشارة الأغلى. يا حبيبة العمر - فنسأل الله حبه وحب من يحبه، والعمل الذي يبلغنا حبه؟!!

محمد شلال الحناحنة

إلى زوجي المسافر(*) 

هذه الحقيقة صارت واضحة أمامي.. وهي تفزعني بشدة.. وحق لها ذلك

لا زلت أذكر المرة التي انحبس فيها نفسك في الفندق وأنت نائم فاستيقظت ولم تستطع التنفس

إليك يا زوجي الحبيب.. يا سكن روحي.. ويا صفيي من الدنيا.. أسطر بالكلمات ما يجيش في صدري وفي قلبي، أرجو بذلك أن أعوض عن عيب عجزي عن النطق بذلك، قد تجد في الكلا تاخيرًا وتقديمًا، أو عدم ترابط متسق فاعذرني، فإني أردت أن اكتب بصدق وعفوية.

الآن فقط وبعد فترة تأمل فتح الله علي بها ولله الحمد والمنة، أرى كيف يسر لي ربي فيها الهدى وعلمني ما لم أكن أعلم... وقد يكون لعلم الله في أني لم أكن لا أستطيع أن أقرأ أو أتعلم ديني بهذا الشكل لو لم أتفرغ هكذا بلا مسؤوليات كثيرة فيكون من لطف الله الكريم إن لم يكن هناك ما يشغلني ويعوقني عن ذلك، ومن هذه الأشغال الذرية وغيرها.. فيكون عدم وجودها في ذلك الزمان عين الرحمة واللطف بي، إذ علم سبحانه ضعف قوتي وعجزي عن تحصيل ذلك العلم والنور والهدى لو كانت هناك ذرية تربكني بمشاغلها، فلربي الحمد والمنة.. وبه التوفيق والعصمة.

وإلى أن تلقى الله فإن أمنية القلب هي الثبات على دين الله، وسط ما نرى من ابتعاد عن صراط الله المستقيم فيما يجري حولنا وبيننا وفينا، والزيادة من الهدى والنور والخير في الدنيا والآخرة، والفوز بأعلى الدرجات في الآخرة، ورضوان من الله أكبر، بالله أمنا، وبه اعتصمنا، وعليه توكلنا وإليه أنبنا، ولا حول ولا قوة إلا بالله، هو مولانا نعم المولى ونعم النصير.

يزدحم الكلام في قلبي ويخرج منه ما تقرأ.. يعلم الله كم عجزي عن شكره سبحانه بإنعامه علي بك كم أنس ربي روحي وقلبي بحبك والسكن إليك وبرحمتك التي أحبها كثيرًا فيك، وبحسن خلقك الذي عندما أتذكره أخجل من نفسي وأرى كم أنا حقيرة أمامه عشت والله أجمل سنين عمري إلى الآن معك، وأرجو من فيض فضل ربي أن تكون بقية حياتنا معًا أكثر هدى وجمالًا ونورًا وخيرًا وأن يكون منقلبنا إلى جنات النعيم في الفردوس الأعلى برحمة الله سبحانه.. أمين.

زوجي الحبيب: في النفس والروح والقلب كلام كثير والمجال محدود.. ولذلك أحاول ذكر الأهم فالأهم.. ومن أهم الأمور مسألة علاقاتنا بالله سبحانه، وعملنا في دين الله، وخدمتنا فيه بحيث تلقى الله وهو عنا راض سبحانه.. فهناك شيء اسمه النور إذا دخل « القلب»، وقد جاء ذكره في حديث للرسول عليه الصلاة والسلام يقول فيه ما معناه: إن النور إذا دخل القلب انفسح وانشرح، قالوا: وهل لذلك من علامة أو ما علامة ذلك يا رسول الله؟ قال: «الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله...» انتهى الحديث.

معنى عظيم.. لكن ليست كل القلوب متحققة به، وهو في ذاته أمر مطلوب، ويدل على أن صاحبه عنده أنوار هداية، وقلبه فيه «حياة»، وليس كالقلوب الميتة.. إن الناس في غفلة عظيمة عن مثل هذه المعاني الجليلة العظيمة القدر، مع أن الفلاح كل الفلاح، والخير كل الخير فيها، وفي التحقق بها وفي استشعارها.. هل الحياة كما يعيشها كثير من الناس؟ لا.. والله، إن لم تكن معاني الإيمان والعبودية لله تعالى واضحة في العقول والقلوب والأرواح تغلي بها، فوالله ما ذقنا إذن حلاوة الإيمان وطعمه.. عندما أذهب لبيت أمي أو لبيت عمي أو لغيرهما من البيوت وأرى حالة الغفلة واللهو أشعر بقتل في روحي وطعن في قلبي وعصرات وعصرات في هذا القلب، مما أرى من هوان أمر الدين في القلب.. ترى منكرًا معينًا فتنبه إليه فلا يتغير تفعل أنت أمورًا صحيحة فتناقش كثيرًا من الغير.

ما عاد هناك الكثير من الوقت.. فالزمن يجري بسرعة والساعات كما تراها لا تنتظر أحدًا، والعمر في ازدياد، وهذا معناه تناقص القوى معه.. هذه الحقيقة صارت واضحة أمامي وهي تفزعني بشدة وحق لها ذلك - كيف لا ومعنا انتهاء مهلة الامتحان الإلهي المعطاة لنا على هذه الأرض وقرب لقائه سبحانه، فيحاسبنا على الصغيرة والكبيرة.. أمر جلل تتصدع منه القلوب، وتئن الأرواح، وتخشع وتذل.. ولا يحتمل المرء إن انفتحت بصيرته عليه أن يغفل عنه.. نسأل الله ان يتولانا ويرحمنا ويزيدنا من كل خير.. آمين.

أخاف على نفسي، وأخاف عليك، وأخاف على أبي وأمي، وأخاف على أختي وزوجها وذريتهما وعلى إخواني، وعلى المسلمين، ما بقي من شيء من العمر فكيف لو كان هذا المتبقي هو على كبر ومشاغل وضعف قوى، وتناقص فيها اللهم لطفك.. اللهم رحمتك.. اللهم ارحمنا ونجنا برحمتك من كل ضيق وهول وفظيعة يا الراحمين.. أمين.

دينك.. دينك.. دينك.. عليك به... ابدأ به أولًا ... فستجد بركة ذلك، وإياك وخدع إبليس والنفس الأمارة بالسوء بالتسويف والتأجيل.. ومما يدلك على سخف هذه الخدع أن الأجل مغيب، وليس بأيدينا، ولا ندري متى يأتي فكيف نسوف ونؤجل.. اللهم رحمتك.. يا مجير لذنا بك.. يا أرحم الراحمين ما عاد هناك وقت للانتظار.. أنقذ نفسك أولًا، ثم إن استطعت أعن غيرك.. ابدأ بنفسك ولا تنتظر أحدًا ولا شيئًا فلن يحمل أحد الحساب عنك.. ولازلت أذكر المرة التي انحبس فيها نفسك في الفندق وأنت نائم فاستيقظت ولم تستطع التنفس.. حتى إذا لطف الله كان الذي فعلت أن أخرجت القرآن لتقرأ فيه.. حفظك الله من كل شر في الدنيا والآخرة.

نحن مقصرون جدًا، وعسى ربي أن يرحمنا إنه أرحم الراحمين.. وما الراحة والله إلا في طاعة المولى.. أقول ذلك وأنا والله المذنبة الخطاءة الخجلة من حسن خلقك، ولكن إن كان الإنسان لا يتكلم الخير حتى يكمل فلن يتكلم أحد، وود إبليس لو ظفر من آدم بهذه.

أشياء تزعجني:

من قراءاتي ورؤيتي لأنواع من الناس صرت ألاحظ قلة الرحمة، وقلة الحب والوفاء بشكل ليس بقليل، وتجد مع ذلك غلظ الطباع، وتيبس المشاعر ولكم يرعبني هذا الأمر.. لأنه يعني تعذر أن يتعايش الناس مع بعضهم، وتعبهم إذا فعلوا ذلك، ولك أن تتخيل الحياة بلا حب أو رحمة، أو مشاعر سهلة لينة، وقلوب رفيقة ودودة قريبة، إلا ما أبغض الحياة بالكراهية والجفاف وموت القلوب والعواطف والأحاسيس والمشاعر.

وزيادة على ذلك يؤرقني ذلك الانحلال والتحلل العجيب الرهيب الذي زاد بشكل فاجر لم نره من قبل، ليت شعري كيف يكون المنكر معروفًا؟ أم كيف يكون المعروف منكرًا... أيصير حلال ربي حرامًا؟ أينقلب حرام ربي حلالًا؟ أتصبح بيوت المسلمين أظلم من الكهوف وأنتن من الجيف؟! هل صار عاديًا وشيئًا طيبًا أن تخرج المرأة المسلمة أمة الله العفيفة بلبس يحدد عورتها في الأماكن العامة؟! هل شيء عادي أن تضع صورها الفاضحة الكاشفة لما أمر الله بستره على أوراق نسميها في عصرنا «الصحف»، ثم إن هذه الأوراق يشتريها مسلمون بأموالهم لتدخل بيوتهم وباقي بيوتات المسلمين، وفي هذه البيوت زوجاتهم بناتهم وأخواتهم وأمهاتهم؟!.

في كل يوم في عصرنا ضغط على الأعصاب مما نرى مما يستفز غيراتنا وعواطفنا تجاه ديننا وولائنا لربنا، يريد أعداء الله أن يميتوا هذا الدين وأن يطفئوا شعلته في القلوب، يريدون أن يخنزروننا فتموت الشهامة والنخوة والنبل وتموت العفة والسماحة والخير والحياء، يريدون أن تموت الغيرة في قلوب الرجال والنساء، ولتموت الحماسة لهذا الدين والإحساس بمن يجاهد في سبيله من إخواننا في أرض الله، يريدون أن ينشروا التخاذل والهمم الدنية النازلة في الاهتمامات فصرنا نرى أبناء المسلمين مدمنين «شبس، وكتشب وبيبسي»، مجذوبين لجهاز تظهر عليه صور أكاذيب وتخيلات وتفاهات يجلسون أمامه بالساعات الغالية من عمر المؤمن التي ليس لها ثمن قد ترهلت منهم الأجساد، وبرزت البطون، وضمرت والله العقول، وماتت الأرواح والقلوب وعقمت الأفكار.

ما أبلغ عبارة عمر وأحقها: «نحن قوم أعزنا الله بالإسلام.. ومهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله، ولكن صدق رسول الله : الخير في وفي أمتي إلى يوم القيامة، أو كما قال عليه الصلاة السلام... ولن تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله.

زوجي الحبيب.. أسأل ربي سبحانه أن يجعلني وإياك وأحبابنا من هذه الطائفة المنصورة.. أمين.. أمين، وأذكر الآن ما زدت علي نفسك من مسؤولية عمل زائدة على طاقتك كثيرًا، من ميزان الخيرية في العمل عند الله ديمومة العمل وإن قل: أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل، والحقوق كثيرة على الإنسان حقوق ربه خالقه ومولاه، وحقوق نفسه وروحه وقلبه وعقله وجسده، وحقوق العباد ممن قرب منه أو بعد لیست حياتك يا (....) فقط العمل بأوراق والكمبيوتر والأبحاث، فإن هذا سيتعبك عاجلًا أو اجلًا، فالقلب والروح محتاجان لربهما ولقوة الصلة به سبحانه حتى نحس بالروحانية التي تخفف من قسوة المادية في عصرنا أراك كل يوم تصحو على العمل والفكر فيه، وتنام على التخطيط له قد تعطش لسانك إلى ذكر الله، وقراءة القرآن والتسبيح، وأنت لا تدري قد تعب قلبك من كثرة الغفلة عن ذلك، وكأنك في دوامة أو تيار يجرفك بعيدًا حتى ما تجد وقتًا لتفتح القرآن فتقرأ منه ولو صفحة، وحتى لم يعد لديك وقت تخلو فيه مع ربك لوحدك فيصفو قلبك، فتصفو أنت بذلك... ليتك يا (....) تعرف كم هو جميل ورائع ونوراني ذلك الكلام الطيب المكتوب في كتب علمائنا رحمهم الله، إنها والله كنوز تشترى بالأرواح.. فيها هداية ونور وفلاح.. فلا حرمنا الله بركتها.

وقد علمت مما أقرأ من كلام العلماء أن الإنسان إذا كان مستغرقًا بهذه الصورة في الغفلة عن الذكر والقرآن والطاعات فإن وضع ذلك الإنسان يكون خطيرًا بميزان دين الله، ولذلك تفسيره الذي قد يطول قليلًا فلا أكتبه هنا، ولكن الله سبحانه برحمته ومنه وكرمه ولطفه ورفقه يوقظ عبده من غفلاته بما شاء من الأسباب، وبما شاء من التيسيرات، وعلى العبد أن ينيب إلى ربه ويقبل هدى الله ويشكر الله رحماته وفتحه وتوفيقه وفضله، وعليه كذلك أن يعلي همته في درجات الجنان لتصل إلى الفردوس الأعلى ورضوان من الله أكبر.. وعلينا أن نعرف تمامًا أن أيامنا على هذه الأرض محدودة، بل سريعة المرور جدًا... عرف ذلك المتقون المشمرون وغفل عن ذلك الغافلون جعلنا الله وأحبابنا ممن انتبه لآخرته وعرف قدر أيامه التي يعيشها، وأعاذنا ربنا من الغفلات والضياعات والنقصان والحرمان من الفوز العظيم، وبصرنا الله بعيوبنا، وعرفنا قدر نفوسنا حتى لا نشم للكبر ولا للعجب ولا لسائر الآفات رائحة.

والله يا (....) إني لأكتب ذلك أرجو به الخير لي ولك اعترف بذنبي وتقصيري في دين ربي ونزولي في الدرجات عن حسن خلقك فاقبل ذلك الخير ودع عنك شري وتقصيري، فلن يضرك شيء، وارحم نزولي عنك في حسن الخلق والدين وادع ربي لي أن يهديني ويزيدني خيرًا، وإياك وجميع أحبابنا، وأمة محمد أجمعين.. أمين.

یا زوجي الحبيب.. استودعك الله الذي لا تضيع ودائعه وأستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك، لا تنس أذكار صباحك ومسائك وليكن لسانك من ذكر الله رطبًا، وقلبك بالإيمان عامرًا، أنت الآن مسافر ودعاؤك مستجاب فعليك بالدعاء، وادع لي أن يرضى عني ربي ويوفقني لما يحبه ويرضاه، وأن يبلغني أملي من الخير، يسر الله جميع أمرك ورزقك السلام والغنيمة من كل بر.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

زوجتك المحبة (....)

(*) هذه الرسالة ليست ردًا على رسائل (نبضات قلب مسافر) التي تنشر في الباب.

الرابط المختصر :