العنوان تدخل الأسر قد يزيدها تعقيدًا.. الحل القرآني للخلافات الزوجية
الكاتب سمية رمضان
تاريخ النشر السبت 03-ديسمبر-2005
مشاهدات 76
نشر في العدد 1679
نشر في الصفحة 60
السبت 03-ديسمبر-2005
لنتصور أحد الأشخاص وقد حصل على رخصة القيادة بطريقة ما، ولم يستكمل تدريبات القيادة بعد، ولم يتعرف كما يجب على قوانين المرور، وبدلاً من أن يستكمل هذه الأمور المهمة بعد حصوله على الرخصة نراه قد تعجل أمره وبدأ في القيادة الفعلية وحده وبدون معلم.. فماذا ستكون النتيجة؟
لقد دخل في شارع ممنوع الدخول فيه وهو لا يدري ذلك بسبب جهله بقوانين المرور وعلاماته، فنراه يسير عكس الاتجاه، والكل يشير إليه، أو ينصحه بالرجوع، ولكنه مصمم على إكمال سيره معتقدًا أنه طالما أنه يتحكم في السيارة وقيادتها، فليس لهم أن يعترضوا على اتجاه سيره، فالطريق بهذه الصورة مختصر تمامًا بالنسبة له. توقف السير آخر الأمر وحدثت فوضى وتجمعت السيارات وارتبك المرور، واعترض الجميع ووجهوا إليه أصابع الاتهام، أما هو فما زال مصرًا على موقفه وكأن الجميع قد تآمروا ضده وهو وحده صاحب القرار السليم.. فهل يفيد في هذا الوقت حسن نيته في اختيار الطريق المختصر، وعدم تعمده أن يتسبب في فوضى أو تعطيل السير؟!!
بهذا الحديث افتتحت الداعية لقاءها المعتاد مع صويحباتها ومن يؤمون ذلك المجلس أو يترددون عليه، ثم أردفت مكملة: أقول ذلك بسبب ما نراه في كثير من البيوت من مشاحنات زوجية، وخلافات كثيرة، وكل طرف مصر على أن رأيه هو الرأي الصحيح، فيتمسك به ويحاول المستحيل من أجله. ويتضح في الحقيقة -عندما نقترب قليلاً من مشكلتهما- أن السبب الأول هو جهل كل طرف بقوانين الزواج الربانية التي وضعها خالق الكون والذي بإذنه سبحانه، بإذنه فقط تم هذا الزواج وأغلق عليهما باب تلك الدار.
وتابعت الداعية قائلة: في هذا الإطار سنقوم اليوم - بإذن الله تعالى - بتسليط الضوء على بعض هذه المشكلات الأسرية ثم نعرضها على كتاب الله العظيم وسنة نبيه لنتعرف على قانون الله سبحانه الذي فيه الحل الأمثل لمثل هذه المشكلات. فنحاول التحرك بهذه الآيات والأحاديث ونقوم بتطبيقها لعل الله يمن علينا بالسكينة والمودة والرحمة، ولنتابع معًا بعد ذلك نتيجة تحركنا بالآيات والأحاديث وتطبيقنا الواعي لها.
لقد اخترت هذا الموضوع للقاء اليوم بسبب مكالمة هاتفية جاءتني منذ بضعة أيام من إحدى الأخوات التي تجلس بيننا الآن تسألني عن حل المشكلة من هذا النوع، وبعد ذلك حين أخبرتها أننا سنتحدث عن هذا الموضوع في لقاء اليوم رجتني أن أتحدث أنا بلسانها مع استعدادها للإجابة عن أي أسئلة. وسأقص عليكم الآن تفاصيل هذه المشكلة وما انتهت إليه.
مشكلة عاصفة
كانت البداية -كما قلت- أن جاءتني مكالمة هاتفية بعيد صلاة المغرب وبصعوبة استطعت أن أفهم من المتحدثة - وسط بكائها ونحيبها وتشنجاتها - أنه قد حدثت مشكلة عاصفة بينها وبين زوجها. واستطعت أنا بعد لأي أن أنهي إليها أنها ما لم تهدأ وتتحدث بشكل واضح، وتستمع إليّ جيدًا فلن نستطيع مواصلة الحوار. وأخيرًا أخبرتني بشيء من التفصيل عن مشكلتها، قالت: إن زوجها في العادة رجل حكيم لا تأخذ عليه شيئًا، وأن علاقتهما دائمًا جيدة وطيبة لا تتفاقم المشكلات بينهما في العادة إلا أنه في هذا اليوم ولأسباب تافهة حدث الغضب والعناد، ثم أهانها بأقوال جارحة لم تعتدها حتى في بيت أبيها. فما كان منها إلا أن كالت له بمثل ما كال لها، فارتفع الصراخ بينهما وتبادلا الإهانات والأقوال الطائشة، فأعلنت أنها لن تعيش معه بعد الآن، وأنها ذاهبة إلى بيت أبيها، فقال لها: كما تريدين وحسنًا تفعلين، ثم ترك المنزل صافقًا الباب وراءه بعنف. ثم أردفت أنها جمعت أشياءها وأنها بسبيلها لمغادرة المنزل، ولكنها في آخر لحظة فكرت أن تتصل بي قبل الخروج.
سألتها وإلى أين ذهب زوجك الآن، هل ذهب إلى بيت أهله؟ فأجابت: لا لأنه على موعد مهم لن يعود فيه إلا متأخراً. فأجبت لعل الله سبحانه يأتي بالخير، ثم قلت لها: استمعي إلي جيدًا، وتفكري فيما سأقول لك، وبعد ذلك أنت بالخيار. ثم توجهت الداعية بالحديث إلى الحاضرات قائلة: وأنتن جميعًا تفكرن جيدًا فيما أقص عليكن الآن.
قلت لها: أروي لك من واقع خبرتي هذه الأمور ومما تعلمت من عشرات المشكلات التي استمعت إلى أصحابها من قبل ما قد يحدث بعد خروجك غاضبة من منزل الزوجية. ستذهبين إلى بيت أهلك ومعك ثيابك وأشياؤك، وبمجرد رؤيتك لوالدتك ستنفجرين في البكاء والنحيب والشكوى وتعداد الأخطاء والمساوئ التي وقع فيها الزوج، فيكون رد الفعل القوي والفطري لدى الأم أن تساند فلذة كبدها، وتكيل الاتهامات للزوج الذي لا يستحق ابنتها والذي والذي والذي.. مهددة إياه بالويل والثبور أن تجرأ على إغضاب وإهانة ابنتها. ومع هذا التعاطف القوي من الأم تنساق الابنة معها وتسير على منوالها حتى تمتلئ نفسها ضد زوجها دون أن تكون هناك أسباب أو دواعٍ قوية وحقيقية لذلك.
ومن الناحية الأخرى قد لا يذهب الزوج إلى أهله ليقص عليهم ما حدث على الأقل في الأيام الأولى، لكنه غالبًا سيتحدث معهم هاتفيًّا، فربما تصلهم شكوى من الزوجة أو من أهلها، فيتصل بأهله ويشكو إليهم ما فعلته زوجته ويأخذ وهو محتد غضبان في ذكر مساوئ زوجته وما يلقاه من عنت معها، وبالطبع ستعده الأم بمن هي أفضل من هذه الزوجة التي لا تستحقه.
التحرك بالهوى
باختصار كل طرف يتحرك بهواه مما يزيد من هوة المشكلة فتصبح عميقة شائكة، وندخل في دوامة من كبائر الغيبة وأحيانًا الكذب والبهتان فتذهب الملائكة ويحضر الشيطان ومعه قبيله كل منهم يدلي بدلوه.
طبعاً ليس الأمر هكذا على إطلاقه، فهناك من الآباء والأمهات من لا يتسرع في إصدار الأحكام ويتروى ويعالج مثل هذه الأمور بالحكمة، ولكن ما نحن بصدده الآن هي الحالات الأخرى التي أصبحت شائعة هذه الأيام.
هذه مشكلة واضحة المعالم تدخل الأسر في مشكلات الزوجين، فماذا لو عرضناها على كتاب الله تعالى لترى كيف يكون تحركنا العملي التطبيقي بآياته الكريمة فتدخل وتستقر في القلوب. الحل في قول كريم الرب عظيم: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ (النساء: 35). وهذا هو الطريق إلى الحل القرآني، الذي أنزله الله سبحانه، ثم أردفت الداعية قائلة: ولا تنسي أن الزوج له القوامة، وأن مكانك في بيتك لا تخرجين منه إلا في أحوال محددة، كما يجب ألا ينسى الزوج قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (البقرة: 228) و﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (النساء: 19)... وهذا ما عندي فاختاري لنفسك وتفكري قبل أن تقدمي على أمر.
سكتت الداعية وبدأت الحاضرات في السؤال عما حدث بعد ذلك، فأشارت الداعية إلى صاحبة المشكلة، وقالت: لعله قد آن الأوان أن تقص علينا أختنا الكريمة صاحبة المشكلة ما حدث بعد ذلك؛ فهي التي كانت طرفًا في الأحداث التالية، وتعالت الأصوات أن نعم.
ساعة الغضب
قالت كل ما قصته الداعية الحبيبة وقع بالفعل، وبعد حديثي معها أصبحت في دوامة هل أذهب إلى أهلي أم لا! خاصة وأعترف لكم أن من أسباب اتصالي بالداعية أنني شعرت أنني وضعت نفسي في مأزق بإعلاني لزوجي عن ترك المنزل ساعة غضبي الشديد. ولكن بعد أن فعلت شيئين: أولهما أنني أعدت حقيبة ثيابي وأشيائي ووضعتها في المنزل في مكان غير ظاهر، والثاني أنني كتبت بورقة كبيرة كتبت عليها بخط كبير واضح ﴿حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا﴾ (النساء: 35) ثم في الجزء السفلي من الورقة وبخط صغير ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (البقرة: 228). ووضعت الورقة في مكان واضح يراه الزوج فور دخوله الدار، ثم غادرت المنزل.
جاهدت عند دخولي بيت أهلي ألا أنخرط في البكاء، وبالرغم من أن هيئتي كانت تشي بوجود مشكلة كبيرة إلا أن أمي دخلها بعض الاطمئنان بعد أن علمت أن زوجي لديه موعد مهم ولن يعود إلا متأخرًا. وهو يعلم بحضوري لهم، لكنني لم أطق صبراً، بعد فترة فهممت بأن أقص على أمي ما حدث، فتمثلت الآية الكريمة التي كتبتها للزوجي قبل حضوري أمام ناظري، وتذكرت كلام الداعية عن رد فعل الأم، فتوقفت. وهكذا طيلة فترة وجودي كلما هممت ردتني الآية، فأحجمت حتى نبهتني الأم إلى أن الوقت قد تأخر فكان عليّ أن أختار بين البقاء والشكوى أو العودة إلى المنزل، وحسمت الآية الكريمة الموقف، فوجدتني عائدة إلى منزلي.
علمت فيما بعد أن زوجي حينما عاد فوجئ بالورقة المكتوبة، وبعدم وجودي في المنزل وعدم وجود ثيابي في مكانها، وبعد أن كان يفكر في الاتصال بأهله ليستيقن الأحداث، رأى نفسه أمام موقف جديد، فماذا لو طلبت زوجته عرض الأمر على الحكمين؟ هل يرفض؟ لا يستطيع أن يرفض فهو محب لله تعالى طائع له، وتفاقم الأمر أمام ناظريه وهو يتمثل نفسه أمام الحكمين يسألانه عما قصته عليهما زوجته من الأمر التافه الذي حدث وما قال وما فعل. ولأول مرة يرى الأمر على حقيقته ويشعر كم كان متسرعًا، وكم أعماه الغضب، بل وأحس بالخجل من بعض أقواله وتصرفاته ومن الأمر برمته. ووصل به تفكيره: ماذا لو صدقت الزوجة في روايتها ولم تزد ولم تعد الحقيقة، إنها لو فعلت لكان هناك مبرر ليرد أقوالها ويبين عدم صحة روايتها، أما إن صدقت فليس هو بالرجل الذي يكذب. وضاق عليه الأمر وهو يرى نفسه أمام حكمين قد يكون أحدهما أو كلاهما أقل منه علمًا وثقافة وحكمة، وهو الرجل المعروف عنه بين أهله وحتى بين أهلها أنه حكيم رزين عاقل. وفكر أن يتصل بأهله في هذا الوقت المتأخر ولكن الآية ردته إلى الواقع، ولما أعياه الأمر سلم أمره إلى الله تعالى في نفسه: عسى الله أن يأتي بالفرج.
وجاءه الفرج حين سمع صوت المفتاح في مزلاج الباب الخارجي فاندفع ليرى ما الأمر، وعندما رآني جاهد نفسه ليخفي فرحته وارتياحه وقال بصوت متجهم: ها قد عدت ألم تقولي إنك لن تعيشي معي بعد الآن وأنك ذاهبة إلى بيت أبيك؟ الحقيقة أنني كنت أتحسب لهذا السؤال ولم أهتدِ إلى إجابة مقنعة، ولكني وجدت نفسي أقول: نعم قلت ذلك كله وقد ذهبت إلى بيت أبي فعلاً، ولكني لم أقل إنني لن أعود إلى منزلي، فهذا منزلي بحكم الله تعالى لا يخرجني منه أحد إلا في أحوال خاصة أنت تعلم أنها لا تنطبق عليّ. سدت هذه الإجابة على الزوج ما كان يزمعه من تعليقات وسخريات، فقال: وطالما أنك عدت إلى منزلك، فلماذا لم تأتي بثيابك معك؟
ضحكت من أعماقي من المفاجأة المتوقعة من إجابتي التي رأيتها واضحة على وجهه وهو يستمع إلي قائلة: ولماذا أعود بثيابي ومن أين آتي بها، وهي في المنزل لم تبرحه. ذهل الزوج من الإجابة وأحس أن الحوار لا يسير في صالحه فقال: وماذا عن هذه الورقة؟ وأشار إلى الورقة التي كتبتها قبل خروجي. فأجبت: هذا حكم الله سبحانه، وأنا راضية به مطمئنة إليه، راغبة فيه، أليس هذا رأيك أيضًا؟ أليس ذلك خيرًا من تبادل الاتهامات والإهانات وملء النفوس بالأحقاد، واتباع الهوى؟
عودة الصفاء
قلت ذلك ولم أنتظر الإجابة، بل توجهت إلى حيث كانت حقيبة ملابسي فأخذتها وزوجي ينظر، ودخلت إلى غرفتي.
لا أريد أن أطيل عليكن، فبعد أقل من ساعة كان الصفاء قد عاد بيني وبين زوجي وكل منا فرح وسعيد أن منّ الله علينا بحل هذه المشكلة فيما بيننا دون تدخل خارجي، وتعاهدنا أن تبقى مشكلاتنا بعد في حدودنا نحن وأن نعرض أمورنا دائمًا على حكم الله وشريعته، ففي ذلك الخير كل الخير والفلاح كل الفلاح، والسعادة كل السعادة.
جلست صاحبة المشكلة والحاضرات جميعًا قلوبهن معها، فرحات لفرحها، وسعيدات لسعادتها، مستوعبات للدرس الواضح والمعنى الجلي لحكايتها، واستمعن إلى الداعية وهي تعقب وتقول: هذه أحداث واقعية استمعتم إليها من أصحاب الشأن. وهكذا الأمر دائمًا؛ فكتاب الله سبحانه وسنة رسوله فيهما الشفاء والدواء من الأدواء والمشكلات وأمراض القلوب، إن نحن فهمنا وطبقنا وتحركنا بما فيها من آيات وأحاديث.
ولعلنا أن نستمع من بعض الأخوات عن تجارب لهن في حل مثل هذه المشكلات، وذلك في لقائنا التالي إن شاء الله.