; المجتمع الأسري (العدد 1619) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الأسري (العدد 1619)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الجمعة 24-سبتمبر-2004

مشاهدات 145

نشر في العدد 1619

نشر في الصفحة 60

الجمعة 24-سبتمبر-2004

د. محمد مسعد

«خاطبة ديجيتال»

هل تحقق مكاتب الزواج مصالحة بين مطالب الأهل والرغبات الشخصية للفتى أو الفتاة؟

  • لا توجد طلبات مادية إطلاقًا! فالمتزوجون بهذه الطريقة يحلمون ببيت بسيط وشريك حنون.

  • التدين صفة أساسية في المواصفات التي تنشدها الفتاة في زوج المستقبل

هل يمكن لبرامج التواصل بين الجنسين أو Match Making أن تقوم بعمل الخاطبة في عالمنا العربي؟ هل تستطيع هذه البرامج أن تتعامل مع مسألة الزواج الحساسة والدقيقة، بنفس إنسانية الخاطبة؟ ثم هل يتقبل شبابنا الذين كانوا يتراوحون بين الزواج التقليدي الذي يتم عن طريق الأسرة أو الخاطبة، والزواج الحديث القائم على الاختيار الشخصي، أن يتجهوا إلى الطريق الثالث: أجهزة الكمبيوتر؟

في دراسة حول مكاتب الزواج بالكمبيوتر في مصر للباحثين مارك بيترسون أستاذ علم الاجتماع بالجامعة الأمريكية وشيرين أبو حشيش الباحثة بالجامعة نفسها، توصلا إلى أنه على الرغم من تأكيد زبائن هذه المكاتب على قيمة الحداثة والعلم إلا أن هذا الزواج أكثر اتساقًا مع الزواج التقليدي، القائم على الوسيط، لا على الزواج الحديث القائم على المعرفة الشخصية المباشرة.

بعبارة أخرى فإن أزواج وزوجات المستقبل يذهبون إلى الكمبيوتر بنفس الطريقة التي كان أهلهم يذهبون بها إلى الخاطبة.

ومن المدهش أن طريقة الدفع لهذه المكاتب تتفق مع النسق التقليدي للتعامل المالي مع الخاطبة، يقوم الراغب في الزواج أو الراغبة بدفع مبلغ ٤٠ جنيهًا حوالي 6 دولارات عند ملء استمارة البيانات الشخصية، وما يفضله في الطرف الآخر، بعد ذلك يدفع ٢٠ جنيهًا مقابل كل لقاء مع شريك محتمل.

هذا اللقاء يتم داخل المكتب لمنع العابثين من إفساد المشروع الجدي، ويتم دفع المبلغ الكبير إذا تحقق المنشود وقرر الشابان الارتباط، حيث تعلو الزغاريد ويحصل المكتب على مكافأته السخية.

هذه بالطبع طريقة الدفع نفسها للخاطبة، بل إن بعض الشباب يتعهد للمكتب بمبالغ كبيرة إذا تحققت أمنيته وعثر على عروسته التي يحلم بها، ويقوم فعلًا بدفع هذه الأموال تعبيرًا عن امتنانه وسعادته، مما يعنى أن هذه الإنسانية في التعامل مع البرنامج تعتبر أكثر توافقًا مع الماضي وتقاليده -لا العلم والحداثة- والقيم المحددة بالطبع.

أما أهم أسباب إقبال الشباب على هذه المكاتب، والاتصال عبر الإنترنت فهو أنها لا تحتاج إلى باحثين لاكتشافها، فالعمل يجري صباحًا ومساء، خاصة أن عدم وجود وقت للزيارات العائلية والذهاب للتنزه ولقاء الأصحاب، وغيرها من مشكلات الطبقتين الوسطى والدنيا، تبدد كثيرًا من أحلام الزواج الحديث.

والمتزوجون بهذه الطريقة يحلمون ببيت بسيط وشريك حياة حنون يسيرون معه بحب وإخلاص.

ولا يعني هذا الكلام أن الشباب لا يحلمون بما يسمى الحب الرومانسي، فهم يحققون من خلال برامج الزواج على الكمبيوتر أو الإنترنت مصالحة بين مطالب الأهل والرغبات الشخصية بين زواج العقل القائم على الشروط الاجتماعية والاقتصادية، وزواج القلب القائم على الأحاسيس فإذا انطبقت الشروط حدث اللقاء، أما إذا لم يتوافر القبول في هذا اللقاء فإنهما يعيدان المحاولة العاقلة.

وتتساوى نسبة المقبلين على الزواج بهذه الطريقة بين الذكور والإناث، وإذا قام القراء على سبيل المثال بزيارة إحدى المجموعات البريدية الخاصة بالراغبين في الزواج، فستتكون لديهم فكرة بسيطة عن أحلام هؤلاء وأمنياتهم، والملاحظ أنه يمكنك أن تقسم الفتيات الراغبات في الزواج إلى فريقين:

أحدهما يشمل الفتيات في مقتبل العشرينيات، وهن غالبًا حديثات التخرج مشروعهن الكبير تكوين أسرة، ولا يبدو ذلك غريبًا مع ما نعرفه عن قيمنا الاجتماعية تجاه المرأة ومسؤولياتها، وما نعلمه من واقع مؤلم السوق العمل في كثير من بلادنا.

أما الفريق النسائي الآخر فيشمل النساء الكبيرات نسبيًا في السن وهن غالبًا إما مطلقات أو أرامل، وهؤلاء أيضًا يواجهن مشكلات في إيجاد زوج جديد.

على الجانب الآخر فإن الرجال الذين يرسلون برسائلهم الإلكترونية بحثًا عن العروس المناسبة يمكن تقسيمهم إلى ثلاثة أقسام حسب أعمارهم: القسم الأول في العشرينيات من أعمارهم، وعلى عكس البنات فإن نسبة هؤلاء الرجال قليلة جدًا؛ لأن غالبية الشباب في هذا السن لا يستطيعون أن يقوموا بأعباء الزواج المادية.

القسم الثاني هم متوسطو العمر من ٤٠:٣٢ عامًا، وهؤلاء إما يعملون بالخارج، أو في منتصف طريق الاستعداد المادي للزواج، على سبيل المثال هناك مهندس عزب في السادسة والثلاثين من عمره أرسل قائلًا: إنه يمتلك عشرة آلاف جنيه وسيارة حديثة، ويريد آنسة، أقل من ٣٥ سنة على أن تكون عاملة، ويفضل المدرسات والطبيبات، ولديها شقة للزواج. مثال آخر مهندس أيضًا عمره ٤٠ سنة يمتلك الشقة، لكنها - مثل الشركة الكبرى التي يعمل بها- تقع في جدة لا القاهرة، وعلى العروس أن تلحق به.

القسم الثالث من الرجال هم كبار السن، وهؤلاء إما قد رتبوا أمورهم المادية أخيرًا وعادوا بسلامة الله للوطن، أو أنهم مطلقون أو أرامل أو على المعاش على سبيل المثال هناك رجل أعمال على مستوى صغير كما يقول في رسالته، يشعر بالوحدة ويريد شريكة للحياة بعد أن عاد إلى الوطن بعد ٢٥ سنة من العمل قضاها في إنجلترا وعمره ٥٨ عامًا وهناك أيضًا ذو الستة وأربعين عامًا الذي كان يعمل في قطر ولديه شقتان ويريد الزواج، لكن عنده أيضًا ولدان بعد أن طلق زوجته.

بعض الرجال يريدون زوجة ثانية، وتوضح الدراسة المشار إليها سابقًا أن هؤلاء تبلغ نسبتهم ١٠٪ من المتقدمين للزواج، ومن الطريف أن الصفة التي لا يحب الرجال أن يروها في زوجاتهم هي السمنة.

وقد أكد مديرو مكاتب الزواج أنهم يجدون صعوبة كبيرة في إيجاد زوجة توافق على الاقتران بزوج أصلع.

على أي حال فإن التعليم والحالة المادية والخلفية الاجتماعية هي أكثر ما يهم الراغبين في الزواج، والملاحظ على الخطابات المرسلة أنه رغم أن الرجال لا يتحدثون عن المهارات المنزلية إطلاقًا إلا أنه تقريبًا في كل الحالات تؤكد النساء مهاراتهن المنزلية وإتقانهن للطهي، في إحدى الحالات أكدت عروس عمرها ٢٤ عامًا، وتعمل مدرسة للغة الإنجليزية أنها تستمتع فعلًا بإعداد الطبيخ، ومن الصفات التي تؤكد عليها النساء إضافة إلى ذلك الحنان والشخصية القوية وتقدير الحياة الزوجية.

والعجيب أنه لا توجد طلبات مادية إطلاقًا حتى إنك لا تدري هل هي مكيدة حتى إذا وقع الصيد في الفخ انهالت عليه المطالب، أم أن هذه الصورة مبالغ فيها ولا صلة لها بالواقع، فقد كتبت إحدى الفتيات أنها لا تريد شبكة غالية ولا مهرًا فقط حياة عادية، وذكرت أخرى أنها لا تهتم بتكاليف الزواج.

الصفة التي تقرأها في كل رسالة، سواء من شاب أو فتاة، دون استثناء، هي التدين، أحيانًا تذكر هذه الصفة وأحيانًا أخرى تؤكد عليها بشدة. وما يلفت النظر أن اللغة المستخدمة أحيانًا تعكس صفات كاتب الرسالة المهنية فقد كتب طبيب ٤٧ عامًا واصفًا زوجته ولا يهم أن تكون عذراء، ووصف نفسه بأن «صحته جيدة» والخطابات الأخرى لا تتعرض عادة لمسألة الصحة وتتناول مسألة العذرية بعبارة سبق لها الزواج أولم يسبق لها الزواج.

وبعد، لم يعد أمامنا إلا أن ندعو من قلوبنا أن يوفق الله الجميع إلى أن ينعموا بالحب الحقيقي، والعش الدافئ، والزواج الناجح والسعيد، الذي يستمر من خلاله الكمبيوتر فيلعب أدوار اجتماعية جديدة ومهمة.

 

الخبرة الناضجة

يقول البعض: إن السن أهم عوامل النضج، ويقول البعض الآخر: بل هو الذكاء والسمات الشخصية، لذا فإن قولًا مثل الحياة تبدأ بعد الأربعين ليس قولًا دقيقًا، إذ قد يصل الإنسان إلى مرحلة النضج الفكري والعاطفي قبل ذلك، وقد يظل غرًا طوال عمره.

هذه المقدمة هي استهلال لشرح التأثير الذي تحدثه مهنة التدريس على شخصية الإنسان، انطلاقًا من تجربة عشرين عامًا فيها، وليس في ذلك ادعاء باكتساب الحكمة، بل هي استنتاجات قد يتفق البعض معها وقد يخالفها الكثيرون.

إن مهنة كمهنة التدريس تسهم إسهامًا بالغًا في النضج، حيث يبدؤها الإنسان نزقًا وحاد الطبع وضحل العلم، وينتهي رائقًا ومتعمقًا ومتسامحًا وصبورًا، ولكن المؤسف أنه حين يصل إلى هذه المرحلة، يكون قد اقترب من الرحيل، وحين يودع في لحده، فإن التراب يضم في كنفه عقلًا قرأ الكثير، ومر بتجارب صقلته وأكسبته حكمة واتزانًا.

فحين يبدأ الخريج مهنته كمعلم، فإنه يكون محلقًا في الفضاء، يرى الأشياء صغيرة ودون مرتبته معتقدًا أنه جمع العلم في جعبته، ويأمل أنه سيحدث انقلابًا في أسلوب التدريس، ثم لا يلبث أن يكتشف أنه قد جهل أكثر مما علم بكثير، وكثيرًا ما يضطر أن يرجع إلى دفاتره وكتبه القديمة لفهم جزئيات كان قد أغفلها أو غفل عنها، فيبدأ بالهبوط التدريجي لتتضح الرؤية أمامه ويدرك حجمه الطبيعي وفقر مخزونه الفكري، وإلى أن يدرك هذه الحقيقة، فإنه يكون قد ارتكب أخطاء كثيرة بحق طلابه علمية كانت أو مسلكية، لذا فإن معظم المدراء لا يوكلون تدريس الصفوف العليا إلى الخريجين الجدد لكي لا تكون الأخطاء مصيرية بالنسبة للطلاب، وإذا كان هذا الجانب من الواقعية، وهو إدراك المعلم لحجم معرفته الحقيقي واعترافه بالخطأ أحيانًا جانبًا منيرًا، فإنه يكتسب كذلك جانبًا آخرًا من الواقعية المرة، ألا وهي البون الشاسع ما بين النظرية والتطبيق، ففي حين يحثه الجميع على الحرص على التطبيق والإقلال من الشرح النظري يجد أن المدرسة تفتقر إلى أبسط أدوات التطبيق. وحدث ذات مرة أني شاهدت في كتاب العلوم للصف الأول الابتدائي صورة ميزان ذي كفتين، وضع في إحداهما بالون وفي الأخرى كرة بحجم البالون، ولكن الكفة كانت تميل إلى جهة الكرة لتوضيح مفهوم «أثقل وأخف» فسألت المعلمة إذا كانت ستحضر الميزان معها إلى الصف فأجابت أنه لا يوجد ميزان في المدرسة. فدارت في ذهني أسئلة كثيرة تتعلق بكيفية استيعاب هؤلاء الأطفال لمفهوم الوزن من خلال الصورة في مرحلة تسمى في علم التربية المرحلة الحس- حركية، بمعنى أن الطفل يتعلم من خلال الحواس والحركة ويفهم ما هو ملموس وليس ما هو معقول، مع أن ثمن الميزان والكرة والبالون أقل بكثير من تكلفة أحد الاحتفالات بزيارة أحد المسؤولين.

سها الجندي

Suha al sulalj@yahoo.com

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل