; المجتمع الأسري- العدد 1616 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الأسري- العدد 1616

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الجمعة 03-سبتمبر-2004

مشاهدات 68

نشر في العدد 1616

نشر في الصفحة 60

الجمعة 03-سبتمبر-2004

كيف تكون أبًا ناجحًا؟

الباحث أكرم عثمان: الرقابة الصارمة والمتابعة الدقيقة والغلظة في التوجيه... تنتج أبناء ضعفاء ومتواكلين.

إذا أردت أن تكون أبًا ناجحًا، وخبيرًا بشؤون تربية أبنائك وما ينفعهم وما يضرهم. وما يصنع منهم أولادًا صالحين، ونافعين لمجتمعهم وأمتهم فعليك أن تعلم أنك لست قائدًا حربيًا لتشرف إشرافًا دقيقًا على تحركات أبنائك، إنما اجعل جهدك منصبا في بوتقة واحدة، وهي إيجاد رؤية مشتركة في التوجيه والتربية والدعم.

ومن الضروري أن يتم المربي بسعة الأفق – والعقلانية، كما يقول الباحث الاجتماعي والتربوي أكرم عثمان في دراسته «التميز في فهم النفسيات»، وذلك لن يتحقق إلا بمنح الأبناء الاستقلال والحرية منذ طفولتهم دون، ترك الحبل على الغارب، فجاة، مما يوقعهم في حيرة وتخبط لفقد عونهم وسندهم الدائم المتمثل في الآباء والمربين.

وتشير الدراسة إلى أن بث الثقة في الأفراد - كي يصبحوا أكثر ابتكارًا وإيجابية من خلال إعطائهم المزيد من الحرية ليس ضربًا من ضروب التفاؤل والثقة الزائدة بكمال العنصر البشري، بل ايمان بأن الأخطاء البشرية يمكن تخطيها والتغلب عليها عندما يعمل الجميع متعاونين في جو من الثقة والحرية والاحترام المتبادل.

حرية معقولة

ويقول الباحث: إنك حين تفتح لابنك فرصًا للتعلم في مناخ تعمه الثقة والحرية المعقولة، تكون قد وفرت له فرصًا للاستكشاف واكتساب الخبرات اللازمة التي تكون بمثابة الشمعة التي تنير له دروب الغد، ولعل التغيرات التي تطرأ على المراهق سواء كانت جسمية أو فسيولوجية، أو نفسية تدفع به نحو الاعتداد بالنفس، وطلب الحرية والاستقلالية، وليس مستغربًا أن نجد الأبناء يتمردون على السلطة الأبوية، وينحون حياة بعيدة عنهم، إذا قيدت حريتهم وهمشت شخصيتهم. 

ومن المفيد عند تنمية المسؤولية لدى الأبناء. كما ترى الدراسة - تجنب اتباع الرقابة الصارمة، والمتابعة الدقيقة لهم، فهذا يخالف الأهداف التربوية التي يسعى إليها المربي. مشيرة إلى أنه من الأهمية بمكان الابتعاد عن سياسة العصا والجزرة العقاب والثواب، لأن هذا يشير إلى ثقة منخفضة ومحدودة داخل البيئة التي تمارس فيها تلك السياسة، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى سلب حريات الآخرين. وإهمال شخصيتهم ودورهم في البناء والعطاء.

ويقول الباحث عثمان: ربما يجادل البعض حول نوعية الحرية التي ينبغي أن تعطي للأبناء لتسهم في بناء ذواتهم وشعورهم بالانسجام والتوافق مع محيطهم الاجتماعي، مما يجعلهم أسوياء يتمتعون بالاتزان الانفعالي والصحة النفسية، موضحًا أن الحرية التي تنشدها تتم تحت إشراف ولي الأمر في الوقت المناسب. كحرية تمكن المراهق من صنع القرار وبناء فلسفة حياة تعده ليكون ناجحًا وقادرًا على استثمار قدراته وإمكاناته وفق النظم والأطر الدينية والاجتماعية والثقافية.

ومن الجدير بالذكر – حسب الدراسة – أن الانسجام لن يتحقق بيننا وبين أولادنا إلا إذا تعاملنا معهم كأفراد مستقلين ذوي كيانات منفصلة، ولعل البعض يخطئ في محاولته استدراج أبنائه في بوتقته الخاصة، وكأنهم نسخة منه، عندها لن ينال منهم إلا التمرد والعصيان وسوء المعاملة، فالعناد يحدث عندما تتصادم إرادة المراهق الذي يود أن يستقل بنفسه، ويبرهن على أن له كيانًا يجب احترامه.

ويدعو الباحث ولي الأمر إلى أن يتقبل ميل المراهق للتفرد. كما ينفرد الكبار، فعليه ألا يتدخل في صداقاته إلا بالقدر الذي يحفظه من قرناء السوء، وعليه إعطاؤه الحرية في التصرف والعمل فيما يتعلق بشؤون حياته الخاصة لاتخاذ القرار الذي يراه ملائمًا فيما ينسجم مع السلوكيات السوية. 

وتقول الدراسة: إن البعض قد يلجأ إلى منع أبنائه وتقييد حريتهم في اختيار أصدقائهم، بل ومنعهم من مخالطة أقرانهم تمامًا، متناسين دور الرفقة وأهميتها في حياتهم، مؤكدة أن هذا يصطدم مع طبع الإنسان وجبلته، ويحرمه من حاجة نفسية مهمة، ولذلك كان السجن الانفرادي عقابًا قاسيًا؛ لأنه يعزل الإنسان عن حاجة من حاجاته المهمة، ويحرمه من الاجتماع بالناس والاختلاط بهم وبث همومه وأحزانه وأشجانه إليهم.

اختيار المهنة:

ويطالب الباحث أكرم عثمان بمنح الحرية اللازمة لأبنائنا في اختيار المهنة الملائمة التي تصاحبهم مدى العمر، ويؤكدون أنه من الجور والقسوة ما يفعله بعض الآباء عندما يفرضون على أبنائهم المهن التي تروقهم هم متناسين تمامًا ميول أبنائهم وقراراتهم الخاصة في هذا الشأن، والسؤال الذي يراود المربي دائمًا : كيف ننجح في تنشئة جيل مهذب ومتوازن معادلة صعبة ولكنها ممكنة عندما تصبح أكثر قدرة على استخدام كلمة «لا» في وقتها الصحيح. 

وهناك من يعتقد أنه لابد من وضع قوانين وحدود تنظم سلوك الأبناء – كما توضح الدراسة ، وإلا فستنشنئ جيلًا سيئًا، ولكن رغم أهمية وضع هذه القوانين تبقى الطريقة المثلى الإنشاء جيل مهذب هي أن تقول نعم وهنا قد تحصل على أبناء يسعون دائماً للالتفاف حول القوانين التي يعتبرونها غير منطقية، وإن الآباء الذين يكثرون من «لا» في معاملتهم مع الأبناء يشعرونهم باللامنطقية والظلم، مما يحرمهم من فرص التعلم واتخاذ القرارات، وبالتالي ينشؤون بعيدًا عن مجتمعهم المحيط، ويؤثرون العزلة.

وأشار الباحث إلى أن كثيرًا من الأهل يتعصبون لآرائهم ويفيدون حرية أبنائهم لظنهم أن رؤيتهم للأمور هي الأصح والأنفع على الإطلاق لكن الحرية في كل أمر محمودة إذا ما علمنا أن هذا الأمر سيكون له الأثر النافع فيهم، وقد يطال هذا الأمر مستقبلهم، وحين تعلم أن التمرد الناشئ من الابن عن غير وعي. فلا يتلمس له بعض العذر، خاصة أنه يشعر بأن العواطف التي تحيط به هي بمثابة قيد يعرقل تقدمه إلى ما يصبو إليه، ويحلم بإنجازه.

 

اللبنات الأولى وجسور الحب المتينة

د. هشام الحمامي

إن حب الأبوين لأبنائهم غريزة وطبيعة فطرية، وحقيقة لا يجادل فيها عاقل، ولكن لابد من فهم هذا الحب، وقد يتساءل أحدنا عما إذا كان الحب يحتاج إلى فهم تقول: إنه حقا يحتاج إلى فهم. وأهم مكونات هذا الفهم أن تؤمن يقينا أن حاجة الطفل إلى الحب تتماثل مع حاجته إلى الطعام والشراب ودفء الغطاء، بل وحاجته إلى النظافة والدواء وقت مرضه.

ولا ريب أن اللبنات الأولى في بنائه العاطفي والوجداني تعتمد على ما ناله من حب في طفولته المبكرة، والتي تقوى مع الأيام، ثم لا تلبث أن تصبح أساسًا متينًا لعاطفة نقية صافية صحيحة تجعله قادرًا على حب الآخرين وحسن الظن بهم وتفهمهم والتعاون والتعايش معهم والعكس صحيح تمامًا. كما أن اللبنات الأولى في بنائه الاجتماعي والنفسي كشخص يقبل على الآخرين، ويشعر أنه مقبول منهم لابد أن تشتمل على الثقة والهدوء الداخلي وطريقة إدارته لعلاقاته الآخرين وقدرته على تقديم إنتاجه وعطائه، وبالأحرى تقديم نفسه كشخص موثوق به، كل ذلك يعتمد على ما ناله من حب في طفولته المبكرة. 

ومعلوم أن اللبنات الأولى لبناء الطفل العقلي والذهني تؤسس في سنوات الطفولة الأولى، فالتساؤل والدهشة والتجربة والخطأ. والتفكير والتخزين والتذكر وتراكم التجارب وتحويلها إلى خبرة وحب التعلم والمعرفة والسعي للاكتشاف، كل هذا يتم تدشينه في السنوات الأولى عبر جسور الحب المتينة. 

يضاف إلى ذلك ضرورة أن تصل رسالة الحب كاملة مع علم الوصول، وعلم الوصول هذا مهم جدًا، ومعناه أن ما في قلوبنا لابد أن يصل إلى قلوبهم، وإلى أعماق شعورهم، وأن نتأكد من ذلك وتؤكد عليه بالقبلة والحضن والنظرة العميقة الرقيقة المليئة بألوان الحب والعاطفة والتقدير، نعم... التقدير على ما منحونا إياه من أعلى الصفات وهي صفة الأبوة والأمومة، فما كان لنا أن تحمل هذه الصفة لولا وجودهم في هذه الحياة، هذا التقدير الذي يرونه منا في هذه المراحل الأولى سيظل في صورتهم عن أنفسهم حين يشبون ويكبرون.

وحين يكبر أطفالنا ويبدؤون ممارسة دورهم الطبيعي في التجربة والخطأ، لا يجب أن نترك أنضمنا لانفعال اللحظة وتعاملهم كأنهم راشدون فما أقساها! وما أخطرها! وما أعمقها من لحظة! 

وحين يبدؤون حقهم الطبيعي في الاكتشاف والسؤال ويزداد إلحاحهم وتكرار أسئلتهم فلا يجب أيضًا أن نترك أنفسنا لانفعال تلك اللحظة التي تنتهي عندنا بانتهائها، فيما تستمر العمر كله مصاحبة لنمو ونضج واكتمال أغلى الناس علينا.

فلا ينبغي أن نغلظ عليهم في القول والفعل أحيانًا بحجة تربيتهم، ولا يجب أن نكثر من الأمر والنهي والوعظ على مدار الساعة بحجة توعيتهم، كما لا يجب أن نثور ونهيج على أشياء تبدو في أعين صغارنا منطقية جدًا وطبيعية جدًا بحجة تعريفهم الصواب من الخطأ.

لنقف وقفة مراجعة كاملة مع هذا الجانب من جواب تربيتنا لصغارنا، جانب الحب علينا أن نغمرهم بكل ألوان الحب والشعور الدافئ الدافق وتفيض عليهم حنوا وعمقًا وشفقة، ونتذكر أن كل هذا لا قيمة له على الإطلاق إن لم تبده وتظهره ونتأكد من وصوله اليهم.

الرابط المختصر :