; المجتمع الأسري(العدد 1257) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الأسري(العدد 1257)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 08-يوليو-1997

مشاهدات 64

نشر في العدد 1257

نشر في الصفحة 60

الثلاثاء 08-يوليو-1997

خبراء التربية والتعليم يناقشون في ندوة بمدينة جدة المراهقة والفجوة بين الأجيال (1 من 2)

جدة: أحلام علي

 غياب الأقلام الجيدة التي تخاطب عقلية الطفل مع غزو الفضائيات أحدث سلبيات جديدة في شخصية الطفل.

تحت عنوان «المراهقة والفجوة بين الأجيال» أقامت الجمعية الخيرية النسوية بمدينة جدة ندوة مهمة يومي الإثنين والثلاثاء 5، 6 من مايو الماضي والتي نظمتها لجنة الأبحاث والدراسات والثقافة برئاسة الأستاذة سعاد بنت عفيف، وشارك فيها نخبة من خبراء التربية والتعليم وعدد من الأساتذة بجامعة الملك عبد العزيز... وأدارت الندوة الإعلامية «شعاع الراشد».

وناقشت الندوة موضوعات مهمة وحيوية عن تطورات مرحلة المراهقة من الناحية الفسيولوجية ثم انتقلت إلى البلوغ النفسي للمراهق، والمراهقة المتأخرة وكذلك العوامل المؤثرة في السلوك الاجتماعي للمراهق... ثم الإدمان لدى المراهقين.

وفي بداية الندوة تحدثت الدكتورة منال الحكيم - استشارية طب الأطفال بمستشفى الأطفال والولادة - عن «تطورات مرحلة المراهقة» والتي قسمها العلم إلى خمس مراحل، وذكرت أهم التغيرات الفسيولوجية المصاحبة لكل مرحلة بالنسبة للذكر والأنثى... وأشارت إلى أن المراهقة والبلوغ هما وجهان لعملة واحدة... فالمراهقة تعتبر مرحلة انتقال من سن الطفولة إلى سن الرشد... والبلوغ يعود إلى تلك التغيرات الفسيولوجية والتي يقصد بها الحيوية المتسلسلة والتي تقود بدورها إلى القدرة التناسلية، وأحداث البلوغ تظهر بتسلسل يمكن التنبؤ به ولكن توقيت البدء وسرعة حدوث هذه التغيرات تختلف من شخص لآخر.

ونصحت الدكتورة منال الحكيم القائمين على الرعاية الصحية للمراهق أو المراهقة أن يكونوا على علم بتطور ونمو المراهق ومراحل النمو خلال تلك الفترة حيث أن التطورات الفسيولوجية للمراهقين في هذه الأثناء ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالتطورات السيكولوجية...

كما نوهت إلى أهمية تنمية العلاقة بين المراهق وأهله من حيث أن عنصر الصراحة الآن مفتقد بين الأهل وأبنائهم، وحذرت من مغبة ترك المراهق يستقي ثقافته الجنسية من أي مصدر غير الأسرة خاصة في بعض الأشياء التي تتناوب على عقلية المراهق بحكم التغيرات الهرمونية.

البلوغ النفسي للمراهق:

وتحدثت الدكتورة زينب العايش - أستاذة علم النفس بجامعة الملك عبد العزيز - عن البلوغ النفسي والمراهقة المتأخرة، وذكرت أن البلوغ النفسي هو عملية فسيولوجية وسيكولوجية «نفسية» واجتماعية وبيئية، أي أنها عملية تندمج فيها كل الأطر المرجعية التي تؤثر في صورة الفرد عن ذاته... كما أن البلوغ النفسي عملية قد تمتد لفترة طويلة من العمر وأحيانًا العمر كله... حيث إنه عملية فيها شيء من النضوج والوعي والإدراك لماهية أو قدرة الفرد على إدراك حدود إمكانياته... والبلوغ النفسي والعقلي والمعنوي لا تنفصم عري أي واحدة عن الأخرى فهم يكملون بعضهم بعضًا.

وأشارت الدكتورة زينب العايش إلى أن الدراسات العلمية عرفت فترة المراهقة بأنها تبدأ من فترة زمنية معينة وتنتهي عند فترة زمنية معينة «24:8 سنة».

ولكن هذا لا يعني أن الشخص الذي يصل إلى سن ثلاثين أو أربعين عامًا يكون قد وصل لدرجة من النضوج الكافي والذي يمكنه من خلاله أن يعطي دلالة ويضفي معنى ولديه من الإرادة والوعي بماهيته كإنسان وكفرد متميز له حضوره في وسط الآخرين ويكون له بصمة نفسية.

يتركها في نفس كل فرد يتعامل معه!! حيث أن هذه العملية تتناوب على الفرد في مراحل وفترات مختلفة من العمر وفي ظروف معينة... فالإنسان لا يولد وهو مكتسب هويته الإنسانية وإنما كل يوم يضيف درسًا جديدًا ليكون بذلك قد وصل إلى درجة ما من النضج ودرجة ما من البلوغ النفسي والقيمي والأخلاقي والذي بدوره يتربى مع الفرد ويتربى مع نماءاته العقلية والقيمية.

فمفهوم البلوغ النفسي - كما تذكر الدكتورة زينب - واسع المدى وقد يمتد عمرًا بأكمله، فمن الممكن أن نتصور أن إنسانًا في الستين من العمر ولم يبلغ بعد درجة من النضج الكافي التي تسمح له بإدراك أو محاولة الفهم العميق الكافي لكافة ما يمكن أن يحدث فيه من تغيرات... وهذا الصنف تظهر عليهم مراحل المراهقة المتأخرة والتي تبدأ عند الرجل بعد الخمسين وعند المرأة بعد الأربعين.

الجانب التربوي للمراهقة:

أما الأستاذة هيام مطوع - رئيسة توجيه وإرشاد الطالبات بالرئاسة العامة لتعليم البنات - فتناولت الجانب التربوي للمراهقة ومفهوم المراهقة من الناحية الاجتماعية وقالت إنها تعتبر مرحلة التقدم للنضج الاجتماعي والتأهب للمرشد، وفي خلال هذه المرحلة يتم تحمل المسؤوليات من قبل المراهق ويتم تكوين علاقات جديدة ورفقاء جدد غير التي كونها في الطفولة.

كما أن المراهقة تعتبر إحدى مراحل النمو الطبيعية التي يمر بها الإنسان ولكن قد تعترض هذه المرحلة بعض الصعوبات بسبب التغيرات الفسيولوجية والتغيرات السيكولوجية.

وأكدت الأستاذة هيام مطوع على أن مشكلة الفجوة التي حدثت الآن بين جيل الآباء وجيل الأبناء هي إحدى المحاور الرئيسية المهمة في هذه الندوة.... كما أن مشاكل المراهقة في هذا الجيل أكثر من الأجيال السابقة على الرغم من وجود المراهقة في كل جيل وفي كل زمان ومكان! مشيرة إلى أن هناك عوامل مؤثرة في السلوك الاجتماعي للمراهق وهي التي تزيد من عمق الفجوة بين الأجيال أو العكس وكذلك تقلص من حجم مشاكل المراهقة والعكس.

وأوضحت الأستاذة رباب أبو زنادة - مساعدة رئيسة توجيه وإرشاد الطالبات بالرئاسة العامة لتعليم البنات - ماهية العوامل المؤثرة في السلوك... ولخصت هذه العوامل في خمس نقاط: الأسرة - المدرسة - وسائل الإعلام – الأصدقاء - مفهوم الذات عند المراهقين.

دور المدرسة:

وأشارت الأستاذة رباب إلى أن هناك فكرة سائدة عن وظيفة المدرسة وهي نقل الحقائق العلمية التي تنمي عقلية الطالب أو الطالبة، وبالأصح المراهق والمراهقة... وهذه الحقائق العلمية يتلقاها المراهق من خلال الفصل الدراسي... وهناك مشكلة تتردد على ألسنة الطلبة وتعترض حياة المراهق الدراسية وهي مشكلة المناهج الدراسية التي لا تشبع متطلبات الطلاب «المراهقين» ظانين بأن المناهج الدراسية هي ذلك الجزء المتعلق بالمواد الدراسية التي تدرس في حجرة الفصل... وهذا تصور غير سليم، فهناك مناهج دراسية خاصة بالنشاط غير الصفي تتمثل في برامج التوجيه والإرشاد وبرامج النشاط الطلابي، وهذه تعتمد اعتمادًا أساسيًا عند وضع خططها ورسم أهدافها على ألا تصدم المراهق؛ حيث إنها تكيف أهدافها وخططها في صورة احتياجات المراهق... وهذه الاحتياجات تلمسها المدرسة من خلال مشاكل الطالبات... وتضع خطة التوجيه والإرشاد للمدرسة الهيئة الإدارية والتعليمية بالتعاون مع مجموعة من أمهات الطالبات، وبذلك تكون الطالبة متلقية لهذه الخطط التي نبعت أساسًا من احتياجاتها وبالتالي تعتبر برامج النشاط الطلابي هذه هي الجزء المتمم للمنهج الدراسي.

حلول لمشاكل المراهقة:

وترى الدكتورة زينب العايش أن حل المشكلات التي تعترض المراهق أو المراهقة في حياته الدراسية تكمن في إيتاح الفرصة للطالب أو الطالبة لكي يعبر عن رأيه أو رأيها لأن بعض الأنظمة المدرسية أحيانًا تلغي حضور وحق المراهق في التعبير عن رأيه! حيث أن الطالب في سن المراهقة يعيش في صراع مع نفسه... يريد أن يثبت هويته ويحقق ذاته «وهذه تؤرق كل المراهقين»، فلا بد من التحاور بين المعلم والطالب حتى في توصيل المعلومة، ولكي لا يكون الطالب مجرد ملقن والمعلم ملقن وبالتالي تفقد العملية التربوية جدواها.

وتتفق مع د. زينب في هذا الرأي الأستاذة هيام المطوع فتقول:

المدرسة سلاح ذو حدين... فإذا لم يكن هناك حوار مفتوح ومناقشة مفتوحة بين التربويين في المدرسة وبين الطلاب فإن هذا يسبب شعور الطالب بالتسلط، وأن مجتمع المدرسة مجتمع مستبد ومن ثم يأتي هذا السلوك بمردود عكسي.

وألقت د. زينب العايش الضوء على الدعامة الأساسية في تشكيل شخصية المراهق ألا وهي الأسرة فقالت:

ليس هناك شك في أن الوالدين هما الشخصيتان المحوريتان اللتان تلعبان دورًا مهمًا وخطيرًا في حياة المراهق... فإذا استوى الأب والأم استوى الجيل... ونحن نتحدث عن الغالبية العظمى من الأبناء والبنات... ولكن قد توجد بعض الحالات الشاذة حيث نجد الأب والأم يجتهدان في تربية أبنائهم ومع ذلك قد تظهر بعض الانحرافات في سلوك الأبناء والتي يعزوها البعض للتغيرات الفسيولوجية في هذه الفترة، ومن المعوقات التي تعوق النمو السوي لشخصية المراهق عدم إتباع مطالب النمو النفسي للمراهق بمعنى أن نسخر من شخصيته ونقلل من شأنه - فهذا المراهق يعتبر «واو» ملحقة بعائلة فلان.. فكيف نبلور شخصية المراهق في مجال أسري يلغي وجوده وحضوره؟! لذا لا بد أن نعطيه الفرصة للتعبير عن نفسه لا أن نحجمه فيشعر بشيء من القصور الوجداني والإحباط والكبت والفراغ الداخلي، لأنه إذا اتبعنا مع المراهق الأسلوب غير السوي فسوف يكون سلوكه على نمط «خالف تعرف»... فلا بد أن تدرك الأسرة تمامًا الاحتياجات النفسية والعقلية للنمو النفسي للمراهق...

كما أن من العوامل التي تؤثر في شخصية المراهق أيضًا هي البدائل المعيبة للوالدين وذلك حين يستبدل دور الأب بالسائق وشخصية الأم بالخادمة فهذه البدائل ذات تأثير سلبي واسع المدى.

وتشير د. زينب العايش إلى شيء خطير لدى بعض المراهقين وهي النزعة «الأنانية» وترجع سبب وجود هذه النزعة أن المراهق لم يتعلم كيف يحافظ على حقوق الغير لأنه لم يتعلمها في المدرسة الأولى «البيت»... فإذا لم يستق المراهق الأسس الأساسية من خلال الوالدين فسوف يكون خانعًا باستمرار واتكاليًا وسلبيًا وأنانيًا يعرف فقط كيف يأخذ ويحصل على حقوقه، ولكنه لا يعرف كيف يؤدي واجباته وحقوق الغير عليه... لذا يجب أن يكون الأب هو الحاضر الحاضر وليس الحاضر الغائب وكذلك الأم... لأنه إذا جف المعين فكيف للمراهق أن يتعلم المسؤولية؟!

ثم تناولت الدكتور زينب العايش عاملًا مهمًا من العوامل الأخرى المؤثرة في السلوك الاجتماعي للمراهق وهو الإعلام، موضحة أن المراهق ما هو إلا صورة للبيئة الأولية التي نشأ وتربى فيها، فأطفالنا لديهم ذكاء خارق، ولكن حدودهم العقلية محصورة ومقتصرة في حدود الكرتون.

فالطفل يبدأ حياته بالفراغ العقلي والفكري فليس هناك من الاستثارات الإعلامية وأدب الطفل وقصص الأطفال ما يهتم ويحترم عقلية الطفل... فلقد جفت الأقلام في مخاطبة عقلية الطفل وأصبح البديل سيئًا من خلال الفضائيات، فغدا الطفل الصغير يقلد أدوار من أمامه، لذلك تطورت الجوانب السلبية في شخصية الأبناء، فالتربية الآن أصبحت معاناة... فنرجو من الإعلام أن يرحمنا فالعنف والسلوكيات الخاطئة تأتي عن طريق أفلام الكرتون والتي يتقمصها الأبناء من الطفولة فتصبح طابعًا فيهم.

وتضيف د. زينب العايش: إن من العوامل المؤثرة في شخصية المراهق افتقاره للحميمية الأسرية فيشعر بالإحباط والقصور، فأحيانًا يكون الأب هو الحاضر الغائب وكذلك الأم فلا يجد المراهق نفسه داخل الأسرة فيلجأ للبحث عن جماعة أخرى.

وترى هيام مطوع أنه لا بد من اختيار الأصدقاء لدى المراهق، فهذا حق من حقوقه وليس سليمًا تمامًا أن الأب والأم يمنعان تمامًا الصداقة للمراهقين لأنها احتياج ذاتي لديه، ولكن يجب أن يكون هناك رعاية «توجيه سليم» في اختيار الصداقة.

وأشارت هيام مطوع إلى أن حل المشكلات التي تعترض حياة المراهق لا بد أن نستقيها من تعاليم ديننا الإسلامي... فمنذ أن جاءت تعاليم الإسلام عملت على تنظيم سلوك الفرد وسلوك الجماعة، وكذلك تنمية الوعي الفردي والوعي الجماعي... فمسؤولية المربين من منظور الإسلام نجدها في قول الرسول : «كلم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». أخرجه مسلم (1829) باختلاف يسير

وعلى صعيد آخر نجد تقدير المربين واحترامهم ضرورة أشار إليها الرسول الكريم  في حديثه الشريف «ثلاث لا يستخف بهم إلا منافق: ذو شيبة في الإسلام، وذو علم، وإمام مقصد». أخرجه ابن زنجويه في ((الأموال)) (51) باختلاف يسير، والطبراني (8/238) (7819)، والشجري في ((ترتيب أماليه)) (2654) واللفظ لهما.

فهذه أحاديث تنادي بأهمية التربية وبأهمية أن تكون هذه التربية تبادلًا بين المربي والمربي...

وأيضًا أثبت دارسو السلوك الإنساني أن الدين يعتبر الركيزة الأساسية التي يقوم عليها سلوك الفرد وأخلاقه... كما أن تقوية الوازع الديني في نفوس المراهقين تعتبر هي الأسلوب الأمثل لحل مشكلات المراهقة، ومما لا شك فيه أن ديننا الإسلامي الحنيف جاء بالطرق المثلى للتربية سواء للمراهق أو غير المراهق.

الرابط المختصر :