; المجاهد الصومالي أحمد بن إبراهيم جران (1-2) | مجلة المجتمع

العنوان المجاهد الصومالي أحمد بن إبراهيم جران (1-2)

الكاتب د. محمد بن موسى الشريف

تاريخ النشر السبت 11-مايو-2013

مشاهدات 57

نشر في العدد 2052

نشر في الصفحة 50

السبت 11-مايو-2013

ولد عام ٩١٢هـ /١٥٠٧م في إقليم ، حوبات ، بسلطنة زيلع ، في أسرة صومالية عمل أفرادها جنودا في جيش أمير مقاطعة هرر 

جاهد الصليبيين في ١٠٠ معركة تقريبا من عام ٩٣٣هـ / ١٥٢٧م إلى ٥٩٤٩ / ١٥٤٣م لم تنهزم فيها قواته إلا مرة أو مرتين !

خاض حروبا مريرة مع ملوك الحبشة حتى انتصر عليهم.. ومنذ ذلك الحين حتى اليوم تحاول الصليبية العالمية السيطرة على الصومال

كانت حياته سلسلة من الجهاد ضد الصليبيين الأحباش وفضل العيش في الغربة على العودة إلى وطنه مع العز والتمكين

دعا القبائل الصومالية للجهاد في سبيل الله تعالى فاستجاب له عدد كبير وصار له جيش قوي مرهوب الجانب.

استعان ملك الحبشة بالبرتغاليين الذين كانوا قوة بحرية هائلة ودارت بينهم معارك انتصر الإمام في بعضها وهزم في الأخرى حتى أصابته رصاصة فاستشهد وتفرق جيشه وضاعت الفتوحات

بمقتل الإمام وتفرق جيشه انتهت مرحلة من الانتصارات الإسلامية في أرض الحبشة ولم تتكرر بعد ذلك.

إن المتتبع لتاريخ منطقة القرن الأفريقي الصومال والحبشة وما جاورهما، ليجد غموضاً كبيرا وقلة في المصادر والمراجع المنيئة عن تاريخ تلك البلاد خاصة في العصر الوسيط والحديث فالأحداث كثيرة ومتشابكة والمعارك متتابعة وعديدة بين المسلمين والصليبيين، وكم من رجال عظماء وقادة مجاهدين برزوا في تلك الفترة، وعملوا على حماية الملة ونشر الدين، لكن طواهم الزمان، وأسدل على سيرتهم النسيان، فلم يعد يذكرهم أحد. ولا يتعظ ويعتبر ببطولاتهم وجهادهم وبذلهم وتضحياتهم أحد، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

ومن هؤلاء المجاهدين الأبطال أحمد ابن إبراهيم جران، الإمام الصومالي الذي عاش في القرن العاشر الهجري السادس عشر الميلادي.

نشأته

فقد ولد عام ٩١٢ هـ / ١٥٠٧م في إقليم حوبات، من أعمال مقاطعة «عدل»، في أسرة صومالية عمل أفرادها جنوداً في جيش أمير مقاطعة «هرر» وتلك المناطق معروفة عند المؤرخين العرب بسلطنة ، زيلع»، و«جوان» لقب له معناه الأعسر باللغة الأمهرية، وذلك لأنه كان يضرب بالسيف بيده اليسرى وتنطق الجيم معطشة كالجيم المصرية وفي بعض المصادر تقلب غينا.

وبداية أمر هذا الإمام المجاهد أنه كان أحد قادة فرسان المجاهدين مع سلطان اسمه الجراد أبون بن آدشه و الجراد، لقب ملكي يدل على فروسية وكان هذا السلطان عادلا، أبطل منكرات عديدة، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر وأقام الحق حتى أحبه الرعية وملك سبع سنين، وكان يحب أحمد بن إبراهيم جران ويقدمه لما رأى من شجاعته وبراعته فارتقى حتى صار أميرا على مقاطعة عدل.

توليه الإمامة


ثم إن هذا السلطان خرج عليه أبو بكر بن السلطان محمد بن أزر، وكان محمد بن أزر هذا من سلاطين المسلمين في تلك المنطقة قبل الجراد أبون، واقتتل الفريقان للأسف حتى قتل الجراد أبون، وتولى أبو بكر سلطنة الصومال لكنه كان على عكس السلطان الجراد أبون في سيرته وحكمه فأظهر المنكرات، وأذى الناس فلما كثر هذا من صنيعه هرب من معسكره أحمد بن إبراهيم جران، وجرت أمور عديدة وحروب حتى عقد الصلح بين السلطان أبي بكر، وأحمد جران، وتقاسما الحكم، وتسمى أحمد بن إبراهيم جران به الإمام، وصار إليه أمر ضبط البلاد وإقامة الأحكام، وللسلطان أبي بكر السلطنة والاسم...

مقتل السلطان

لكن السلطان عاد إلى سيرته الأولى من إظهار المنكر، وأظهر العداوة للإمام أحمد ابن ابراهيم وأراد قتله، لكن انقلب السحر على الساحر وقتل الإمام السلطان، وعين أخاه عمر دين سلطاناً مكانه، وهدأت الأمور أنذاك، وضبط الإمام البلاد وأقام فيها حكم الإسلام وحارب القبائل الصومالية المفسدة حتى دخلت تحت الطاعة، واتخذ من بلدة هرره عاصمة له، وابتدأ سلسلة من المعارك الطويلة ضد الحبشة الصليبيين وعمره واحد وعشرون عاما فقط، وقد كانت الحبشة تغير على الصومال، بل سيطرت عليها في بعض الأزمنة وجعلتها تابعة لها .

صراع طويل

والصراع الحبشي الصومالي صراع طويل مرير حاولت فيه الصليبية العالمية أن تسيطر على الصومال منذ زمن بعيد وإلى يوم الناس هذا.

دعا الإمام القبائل الصومالية للجهاد في سبيل الله تعالى، فاستجاب له عدد كبير من المجاهدين، وصار له جيش قوي مرهوب الجانب فخرج به إلى بلاد الحبشة، فلما سمع به ملك الحبشة النجاشي لينا دنكل خرج للقائه بجيش كثيف كثير العدد، ومعه مئات البطارقة والقادة، وعشرات الآلاف من الفرسان والرجالة، ومع الإمام اثنا عشر ألفا من الرجالة، وحوالي خمسمائة فارس.

نصر موزر

واصطدم الجبلان والتقى الجمعان في موقعة هائلة في رجب من عام ٩٣٥هـ، وكان للإمام أحمد أثر كبير جدا في المعركة من حيث التخطيط وتقسيم الجيش وتثبيته في مواضع بايات وأحاديث ومواعظ وكان لثباته وقوته وشجاعته أثر كبير في التغلب على عوامل التفوق عند الحبشة، فقد كانوا أكثر عددا وعدة. وكانوا يقاتلون في بلادهم، لكن صبر المسلمون صبرا عظيما في معركة تسمى «صمبر كوري» حتى قتل منهم خمسة آلاف، وهو عدد كبير بالنسبة لمن كانوا مع الإمام، وأنزل الله تعالى نصره، وقتل من الأحباش عشرات البطارقة وزيادة عن عشرة آلاف، وغنم المسلمون غنائم هائلة، وعظمت هيبتهم، وارتقت سمعتهم، ولله الحمد والمنة، وعاد الإمام بجيشه إلى هرره مسروراً بفضل الله تعالى ونصره.

الانطلاق للغزو

ولم يمكث الإمام إلا قرابة شهرين ثم انطلق للغزو، وقد حلف الا يعود إلا بعد النصر أو الشهادة، وكان معه بعض العرب يجاهدون معه، واصطدم بالأحباش في معارك عديدة كبيرة وصغيرة حتى قام له ملك الأحباش بنفسه يريد قتاله، لكن لم يستطع وهرب من امامه، والإمام أحمد في كل ذلك يغزو ويغنم

ويفتح البلاد أو يصالحه أهلها. وكان مع ملك الأحباش أربعون رجلاً من إفرنجة أوروبا يقاتلون معه ويخططون له ويعينونه، لكنهم لم ينفعوه بشيء أمام همة المسلمين وقوة اندفاعهم في الجهاد، وأسلم كثير من الأحباش بعد ما رأوا قوة الإمام واستيلاءه على البلدان واحداً تلو الآخر، وكثير ممن أسلم حسن إسلامه وقاتل مع الإمام بعد ذلك.

كنيسة من ذهب

وبعد أن رأى الملك أن الإمام قد انتصر في كل معاركه وفتح كثيرا من أرض الحبشة عزم على السير إلى أرض أجداده وأصل ملكه وتدعى أمخرة، وفيها أعظم كنيسة في الحبشة، بناها الأحباش في ٣٨ عاما، وصفحوها بصفائح الذهب، وطولها مائة ذراع قرابة سبعين مترا، وعرضها كذلك. وعلوها مائة وخمسون ذراعا، كل ذلك ذهب مرصع باللؤلؤ والمرجان، وفيها قبر أبي الملك. وه أمحرة بلدة ذات حرث وزرع وضرع، وأنهار ومطر، وفيها القساوسة والرهبان، وهي دار الملك، وفيها كنائس كثيرة إضافة إلى الكنيسة الضخمة.

وكان الملك آنذاك في مكان قريب من أمحرة، اسمه واصل، فباغته الإمام ليلا في جماعة من الفرسان فهرب الملك من أمامه، تم المسلمون خيمته الهائلة وسريره وفرشه أموالا لا تحصى، وكانت الواقعة عام ٩٣٨هـ.


فتوحات كبيرة

ثم سار الإمام إلى أمحرة، فدخلها سهولة، ولم يلق مقاومة لأن الملك هرب جب هو ومن معه من عظم الكنيسة وهول ما ها، ووجدوا في الكنائس من الذهب والفضة يناً لا يمكن تقويمه حتى أنهم وجدوا عجلاً الذهب طوله كقامة الأدمي، ووجدوا في ض الكنائس الضخمة حريراً مثقلاً بالذهب ر خمسمائة حمل وفيها تيجان الملك والملوك لقدمين، وفيها من الزينة الذهبية شيء لم ير مثله.

وبعد ذلك قرر الإمام أن يطهر باقي أرض حبشة من أدران الكفر، فسار في البلاد. تح الله على يديه كثيرا من البلدان والقرى.

انتشار الإسلام

وكان الناس يدخلون في دين الله أفواجاً. من لم يدخل الإسلام يدفع الجزية، ومن صور الدالة على عدل المسلمين أنهم لما فتحوا دورب، ودفع أهلها الجزية أرسل إليهم ت الحبشة نجدة، فأخبر أهل البلد الأمير ي عينه الإمام واليا على البلد واسمه يعقيم فقال لهم: ماذا تقولون أنتم؟

فقالوا له: أنتم أحب إلينا منهم، وما ترحنا إلا معكم، وأما أهلنا فإنهم قوم ظلمة حدون أموالنا عصبا فنحن نقاتل معكم، ونحن د عداوة لهم منكم فعملوا مع المسلمين مثل عمل أهل حمص مع أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه.

البقاء في الحبشة: ولما تغلب الإمام على ثلثي أرض الحبشة تقريباً ولم يبق إلا أرض التجراي. وبعض البلاد الأخرى، جمع قادة جيشه وأمراء ورؤساء واستشارهم في البقاء في الحبشة وعدم الرجوع إلى الصومال، وسوف يرسل إلى نسائهم وأولادهم ليلحقوا بهم في الحبشة، ويتخذونها بلادا لهم، فوافقوه على رأيه، فأرسل الإمام إلى السلطان عمر دين رسالة يطلب فيها منه أن پرسل نساء الجيش وأولادهن إليهم، وأرسل له هدايا كثيرة والرؤساء هدايا كذلك، فأرسل السلطان النساء والأولاد إلى جيش الإمام، وأما الإمام وجيشه فلم يكفوا عن الجهاد.

الاستقرار في الدنبية.

وأراد السير إلى أرض التجراي، ليفتحها، وكان له ما أراد، لكنه لم يستطع المكث فيها: لأنها كانت مجدبة آنذاك، وانتشر فيها الطاعون ومات عدد من قواده، فارتحل منها إلى بلاد الدنبية، واتخذها مقرا له، وهي قريبة من بلاد و بقى مدره التي افتتحها أيضا، وكان ذلك عام ٩٤١هـ، وبنى فيها مساجد، واستوطنها وجعل فيها نساء العسكر وأولادهم، وصار يغزو منها ويجاهد ويعود إليها، ووزع قواده وأمراءه على بلاد الحبشة.

الانتصار في ١٠٠ معركة

وظلت المعارك تدور بين الإمام وصليبية الحبشة ردحا من الزمن، ونتائج تلك المعارك في أغلبيتها الساحقة الصالح الإمام، فقد جاهد الصليبيين هو وقادته في مائة معركة تقريبا، بين معارك كبيرة وأخرى صغيرة من عام ٩٣٣هـ / ١٥٣٧م إلى عام ١٤٩ هـ / ١٥٤٣م، لم تنهزم فيها قواته إلا مرة أو مرتين وذلك من فضل الله تعالى عليه وعلى من معه، ولما رأى ملك الحبشة أنه يهزم في كل مرة أمام الإمام لم يبق أمامه إلا أن يستعين بالبرتغاليين، وكانوا أنذاك قوة بحرية حربية كبيرة، فاستنجد بهم وحثهم على المجيء لإنقاذه فخف البرتغاليون سراعا لنجدته، فهم يحركهم الوازع الديني الصليبي، وفي الوقت نفسه يريدون الهيمنة العسكرية والسياسية على الموانئ المطلة على البحر الأحمر وبحر العرب، فتلك الدعوة كانت الفرصة المناسبة لتحقيق ذلك، فاشترك البرتغاليون مع الأحباش القتال الإمام، وكانت أسلحة البرتغاليين حديثة وقوية، وأسلحة الإمام قديمة وضعيفة نسبيا.

استشهاده

واشتبك الجيشان في معارك عديدة، كان النصر فيها حليفا للحلف البرتغالي الحبشي تارة، وللإمام أخرى إلى أن تمكن البرتغاليون ... من قتل الإمام برصاصة أصابته في معركة ز نظطراء في ۱۷ ذي القعدة عام ٩٤٩هـ / ٢٢ فبراير ١٥٤٣م، فلم يتمكن جيشه من التماسك بعده وتفرق، وحاول بعض قادته وزوجه الاستمرار في المعارك، لكن لم يتمكنوا من مواجهة الحلف الصليبي، فأضاعوا ما حققه الإمام من فتوحات باهرة، وقد ذكرت من قبل أن جيش الإمام كان قصير النفس، فإذا حقق انتصارا ونال الغنائم فإنه لا يريد الاستمرار في المعارك بل يرغب في العودة إلى الوطن، وهذا هو الخطأ الإستراتيجي القائل الذي وقع فيه ذلك الجيش، ولم يستطع الإمام إجبارهم على غير ما يريدون في أحيان كثيرة، فسبب هذا الأمر ضياع مكاسب كثيرة كان يمكن تحقيقها لو استمر الجيش في القتال كما رغب الإمام ولم يقطع ذلك بالعودة إلى بلاده.

جهاد طويل

فذلك الجهاد الطويل الذي استمر خمسة عشر عاماً كان كفيلاً - لو استمر بدون انقطاع أن يطهر أرض الحبشة كلها، لكن المقدر كائن ولله الحمد والمنة، وبمقتل الإمام وتفرق جيشه انتهت مرحلة من البطولات والانتصارات الإسلامية في أرض الحبشة لم تتكرر بعد ذلك في التاريخ إلى يومنا هذا، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

وكان من نتائج معارك الإمام الطويلة فتح أكثر بلاد الحبشة، ودخول الآلاف من النصاري والوثنيين إلى الإسلام، وعاد بعض من أجبر على التنصر إلى الإسلام، وجاهروا بنصرة هذا الدين العظيم، وعادت للمسلمين هيبتهم في تلك البقعة الجغرافية المهمة، ودفع كثير من النصارى الجزية للإمام، والتف حوله كثير من القبائل ووثقوا به وجاهدوا معه.

فما أحسن صنيعه، وما أجمله، فقد كانت حياته سلسلة من الجهاد المتصل ضد الصليبيين الأحباش، ولم يعد إلى وطنه، بل فضل العيش في الغربة مع الجهاد على العودة إلى وطنه مع العز والتمكين، فلله دره، يرحمه الله تعالى رحمة واسعة ورفع درجته إلى عليين.


الرابط المختصر :