العنوان المجاهدون وإكمال المسيرة الصعبة
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 14-أكتوبر-1997
مشاهدات 61
نشر في العدد 1271
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 14-أكتوبر-1997
الجهاد ليس أمرًا هينًا، ولا عملًا سهلًا يستطيعه الكسالى أو المهازيل، ولكنه استفراغ الوسع والطاقة في مدافعة العدو، وتحمل الصعاب والبلاء، وبذل الأموال والأنفس في بلوغ الغايات والصعود إلى سلم المجد، وبناء النهضات وصياغة الحضارات يحتاج إلى كفاح وجلاد
لا تحسب المجد تمرًا أنت آكله *** لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
والجهاد كما قرر العلماء على ثلاثة أنواع:
1-جهاد العدو ظاهرًا وهو رد العدو وقتال المعتدين لتكون كلمة الله هي العليا.
۲- جهاد الملحدين بالحجج الواضحة والأدلة الدامغة البراهين الساطعة.
3-جهاد العدو باطنًا، وهو جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وهو من أصعب انواع الجهاد، وهذا ما قال فيه أبو بكر الصديق رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر يعني مجاهدة النفس وشياطين الإنس والجن وكل ذلك هو المقصود بقوله تعالى: وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم، والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا.
ولست ترى نظامًا قديمًا، أو حديثًا، دينيًا، أو مدنيًا عني بشأن الجهاد والجندية واستنفار الأمة، وحشدها كلها صفًا واحدًا للدفاع بكل قواها عن الحق، كما تجد ذلك في دين الإسلام وتعاليمه وآيات الكتاب الكريم، وأحاديث الرسول العظيم ﷺ، فياضة بكل هذه المعاني السامية داعية بأفصح عبارة وأوضح أسلوب إلى الجهاد والقتال والجندية لصد العدو والدفاع عن الأمة وعزتها بكل الوسائل إلى الكفاح والدفاع بكل أنواعه: بريًا، وبحريًا، وجويًا عن الديار، والأعراض، والأموال؟ ونشر كلمة الله تبارك وتعالى، وتخليص المستضعفين، وفي كتاب البحر الرائق: امرأة مسلمة سبيت بالشرق وجب على أهل المغرب تخليصها وقال العلماء: إذا نزل العدو بقوم من المسلمين فرض على كل مسلم أن يقصدهم مغيثًا لهم، أذن الأبوان فى أم لم باننا وهذا فيه من الفضل والثواب ما يوازي أجل الأعمال ويتفوق على كثير منها، قال الإمام أحمد بن حنبل ولا أعلم شيئًا من العمل بعد الفرائض أفضل من الجهاد وغزو البحر أفضل من غزو البر، وعن أنس رضي الله عنه عن النبي له انه قال: «لأن أشيع مجاهدًا في سبيل الله فأكتفه على رحله غدوة أو روحة أحب إلي من الدنيا وما فيها (رواه ابن ماجه).
هذا وقد أجمع أهل العلم مجتهدين ومقلدين سلفيين وخلفيين على أن الجهاد فرض عين على المسلمين لدفع هجوم الكفار على المسلمين، ونحن والآن قد داهمتنا الأعداء من كل جانب دیست أرض المسلمين في بقاع كثيرة وانتهكت حرماتهم في ديارهم وتحكم في شؤونهم خصومهم، وتعطلت شعائر دينهم في ديارهم، فضلًا عن عجزهم عن نشر دعوتهم، وهذا ما لم يحدث في أي عصر من عصورهم، قبل هذا العصر المظلم الذي ماتت فيه نخوتهم فلم يتركوا الجهاد ولم يفرطوا فيه حتى أن علماءهم والمتصوفة منهم وغيرهم كانوا جميعًا على أهبة الاستعداد.
وكان عبد الله بن المبارك الفقيه الزاهد متطوعًا في أكثر أوقاته بالجهاد، وكان عبد الواحد بن زيد الصوفي الزاهد كذلك، وكان شقيق البلخي شيخ الصوفية في وقته يحمل نفسة وتلامذته على الجهاد، وكان البدر العيني شارح البخاري الفقيه المحدث يغزو سنة ويدرس العلم سنة ويحج سنة، وكان القاضي أسد بن الفرات أميرًا للبحر في وقته، وكان الإمام الشافعي يرمي عشرة ولا يخطى، كذلك كان السلف رضوان الله عليهم، فأين نحن من هذا التاريخ وهذا المجد السامق؟
والجهاد عدته الصبر والمصابرة مصداقًا لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾( آل عمران: 200) وعتاده والاستعداد والإعداد وصدق الله ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة، وسلاحه العزم والأمل
لولا المشقة ساد الناس كلهم *** الجود يقفر والإقدام قتال
وليس اليأس من أخلاق المسلمين وحقائق واليوم أحلام الأمس وأحلام اليوم حقائق الغد والأيام دول، ولازالت عناصر القوة والعزيمة في ونفوس الشعوب المؤمنة رغم طغيان مظاهر الفساد
والضعيف لا يظل ضعيفًا طول حياته، والقوي لا تدوم قوته أبد الآبدين ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين وتمكن لهم في الأرض والزمان في منطقتنا هذه سيتمخض عن كثير من الحوادث الجسام، ولابد أن تسنح الفرص للأعمال العظيمة والرجال العظام والعقائد والرسالات الكبيرة هي التي تحقق الآمال الكبار، وكل ذلك يحتاج إلى جهاد، وإلى مواصلة كفاح، وإلى صبر على الأجواء. الطريق وتبعات السير وتنحية الشهوات وتجنب الأهواء وتخطي المغريات، حتى يبلغ المجاهد أجله وينال بغيته.
وقد يكون التلويح بالمنصب أو الوعود بالزعامة أو الأمنيات بالرياسة مزلق من مزالق الطريق وقد يكون إبطاء النصر وظلمة السجن، وشدة العذاب وتوالي المحن منحدر على الدرب، وقد يكون ظلمة الجو، وحلوكة المكان، وثقل الظلم وعتمة الفساد، وكثرة العمالة، والتسفل مجلبة لليأس والتسليم والهبوط والهلكة، ولهذا قد ترى رجالًا كانوا في القمة كفاحًا ووطنية وجهادًا، ثم تراهم بعد فترة معينة قد انقلبوا رأسًا على عقب إلى العكس تمامًا، فصاروا رأس خيانة وسوط بطش وظلم، ومخلب قهر وبغي، وحربة نكال وتعذيب. للمجاهدين والمخلصين في الأمة يأتمرون بأمر أعدائها، ويتكلمون بألسنتهم، ويبطشون بأيديهم.
وهؤلاء لابد أن تشيعهم الشعوب بما يستحقون من احتقار ولعنات، وصغار وإهانات، تظل في أعقابهم إلى يوم يبعثون وهناك رجال صدقوا عهدهم ووفوا كفاحهم وعقدوا عزمهم على الجهاد حتى النصر أو الشهادة، فمنهم من قضى نحبه «ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلًا»، تنجلي عنهم كل فتنة عمياء وتنقشع عنهم كل ظلمة سوداء، ويطلع على أيديهم. الإصباح فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، وهؤلاء هم أمل الأمة والرسالة.
وهم مثلها ، وقدوتها وشموس دربها الواعدة، نسأل الله لهم العون والتوفيق والسداد. آمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل