; المجانين السياسيون ظاهرة جديدة في مصر | مجلة المجتمع

العنوان المجانين السياسيون ظاهرة جديدة في مصر

الكاتب محمد جمال عرفه

تاريخ النشر الثلاثاء 30-سبتمبر-1997

مشاهدات 62

نشر في العدد 1269

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 30-سبتمبر-1997

 

«المجنون» الذي أحرق السياح الألمان يؤكد أنه فعل ذلك ردًّا على إهانة اليهود للرسول ﷺ.

شكوك في القاهرة حول دور الموساد أو جماعات العنف في الحادث.

داخل مستشفى الأمراض العقلية بالقاهرة أنواع لا حصر لها من المجانين، ولكن خلال السنوات الأخيرة بدأ يظهر نوع جديد من المجانين تجد له نماذج في شوارع القاهرة. فهناك مجنون يسير دائما في شوارع وسط القاهرة وهو يربط العلم الأمريكي في قدمه اليسرى ويجرجره على الأرض ولا أحد يعرف بالضبط ما قصته، وآخر ما أن تقترب منه حتى يحكي لك -وكأنه عاقل- عن قصص اختطاف مريبة وعن عملاء للإنجليز -هكذا يقول- وآخرون لإسرائيل، ولا تكتشف جنونه إلا عندما يبدأ بالهمس ثم الصراخ بشكل متقطع، وقد أطلق على هؤلاء اسم «مجانين الشوارع»، وبرر مسؤول بمستشفى العباسية للأمراض العقلية وجود هؤلاء في الشوارع إما لعدم تسليمهم للمستشفى أو لأنهم غير خطرين.

فمنذ عدة أعوام وقعت حوادث قتل أو شروع في قتل اتهم القائمون بها بالجنون وتم تحويلهم لمستشفى الأمراض العقلية باعتبارهم خطرين، فقد اعتدى أحدهم على شيخ جامع الإمام الحسين في القاهرة أحمد فرحات في صلاة الفجر وقالت الشرطة إنه مجنون، وقبل أيام اعتدى آخر على الداعية الشهير ياسين رشدي في مدينة الإسكندرية وطعنه بسكين وقالت الشرطة أيضا إنه مجنون، وقام شخص ثالث بارتكاب حادثة قتل جماعية في مدينة العياط قبل شهور وقيل إنه مجنون.

وكانت الحكومة قد وصفت الجندي المصري سلیمان خاطر الذي أطلق النار على الجنود الإسرائيليين عبر الحدود وقتل سبعة منهم قبل سنوات بأنه «مختل عقليًّا»، وهي نفس التهمة التي ألصقت بالجندي الأردني «الدقامسة»، وحكم على الثاني بالمؤيد في حين أن المجنون لا يحاكم! وقيل إن الأول وُجد ميتًا في زنزانته بعد أن شنق نفسه.

وفي ٢٤ أكتوبر ۱۹۹۳م دخل شاب أنيق يرتدي حلة ملونة أحد قاعات فندق سميراميس الفخم على نيل القاهرة حيث كان يعقد «المؤتمر الأول للقانون الجنائي»، وفجأة أخرج مسدسًا من بين جنبات سترته وأخذ في إطلاق الرصاص على رؤوس وصدور القضاة والمحامين الأجانب الذين كانوا يشاركون في المؤتمر فقتل على الفور قاضيًا إيطاليًّا يدعى «لويجي راجا» ومحاميين أمريكيين شهيرين هما «كيب هوفمان» و«روبرت لوي مور» فضلًا عن فرنان بولان عميد كلية الحقوق بجامعة مارسيليا في فرنسا. 

وبعد القبض عليه أعلنت الشرطة أنه مختل عقليًّا رغم أنه جاء في أوراق التحقيقات نقلا عن المتهم «صابر محمد فرحات» أنه فعل ذلك بسبب غضبه على ما يحدث للمسلمين من مذابح في البوسنة وتواطؤ العالم الغربي مع القتلة الصرب، وظهر في التفاصيل التالية أنه أحد خريجي معهد الفنون الموسيقية وأنه يعمل في مجال الغناء والتلحين وله في الأسواق المصرية شريط - بالاشتراك مع مطربة جزائرية تدعى شيراز - بعنوان «شط وميه» وأنه فشل في الحب والغناء والتلحين واكتأب واعتزل المجال الفني وأطلق لحيته (دون أن ينضم لأي جماعة دينية) ثم عاد لحياته الصاخبة مرة أخرى وتردد على صالات الديسكو في الفنادق حتى قام بهذا العمل دون أي مقدمات بعد أن سرق مسدس والده الخاص!

وقد صدر حكم قضائي على هذا المجنون بإيداعه مستشفى الخانكة للأمراض العقلية «عنبر المحكومين» بعدما قدم أهله شهادة تفيد أنه كان يعالج في الأقسام النفسية ببعض المستشفيات..

وكانت صدمة غير متوقعة حين اكتشف رجال الأمن أن الشخص الذي قام بإطلاق الرصاص على السائحين داخل حافلة في ميدان التحرير بجوار المتحف المصري في القاهرة قبل أيام وألقى - مع شقيقه - أكثر من 10 عبوات زجاجية مملوءة بالبنزين والكيروسين (على طريقة المولوتوف) ليحرق ويقتل قائد الحافلة وتسعة من السائحين هو نفسه المجنون (صابر فرحات).

فقد تصور الجميع أن هذه العملية من تدبير جماعات العنف وأنها انتقام لصدور الأحكام ضد (۹۷) منهم في قضية الاغتيالات وتفجيرات البنوك التي صدر الحكم فيها قبل ثلاثة أيام فقط من حرق الحافلة، خصوصا أن متحدثًا باسم الجماعة أعرب عن استياء صدور أحكام بالإعدام على أربعة وسجن ثلاث نساء لأول مرة في قضية تنظيمات العنف. 

وقد خرجت بعض الصحف المصرية تسخر من مسؤولي الأمن الذين سبق أن أعلنوا أنهم قضوا تمامًا على الإرهاب وتحذر من عودة العنف للقاهرة بعد فترة هدوء استمرت عامين خاصة أن وزير الداخلية حسن الألفي صرح قبل الحادث بـ٢٤ ساعة بأن الإرهاب انحسر في جنوب مصر وأن الداخلية نجحت في تطويقه. 

كما تسرعت منظمات حقوق الإنسان وأصدرت بيانات يوم الحادث نفسه تحذر من «جولة جديدة لأعمال العنف» وتدعو «جماعات العنف إلى إلقاء سلاحها»، وكانت النغمة السائدة في كل وسائل الإعلام أن الحادث من تدبير إحدى جماعات العنف، ونتيجة لذلك أصدرت وزارات الداخلية والإعلام والسياحة المصرية ثلاثة بيانات منفصلة تركز على أن تحليلات الإعلام خطأ، وأن الحادث لا يجب ربطه بموجة الإرهاب التي اجتاحت مصر من قبل واعتبروا أنه مجرد «جريمة مؤسفة» غير منظمة وليست عودة للإرهاب، وقال وزير الإعلام المصري إن ما حدث من وسائل الإعلام الأجنبية وبعض الوسائل العربية «خطأ غير مقصود» على أساس أنه تفسير صدر لأول وهلة، وأنه طالما أعلنت الحقيقة فيجب أن يتم التعامل معها.

وزاد من تحويل دفة الاتهام بعيدًا عن جماعات العنف أن التنظيمات المسلحة الثلاثة التي خاضت معارك مع قوات الأمن المصرية وهي الجماعة الإسلامية والجهاد وطلائع الفتح أصدرت بيانات أو أعلنت تصريحات تنفي فيها مسؤوليتها عن العملية، بل وتعلن - كما جاء في بيان للجماعة الإسلامية - أنهم يجيرون السياح الأجانب والأقباط في مصر ويعتبرونهم تحت حماية الجماعة وأنهم منحوا - استنادا إلى الفقه الإسلامي ومبادئ الشريعة - السباح والأقباط «عهد الأمان»، وهو تطور مهم للغاية بعدما كانت الجماعة تحذر السياح من الحضور لمصر وتهدر دمهم، ويأتي في سياق مبادرة وقف العنف التي أعلنوها الشهر الماضي وقرروا بموجبها وقف أي أعمال عنف ضد رجال الأمن أو الأقباط في مصر.

إلا أن «الحقيقة» التي أعلن وزير الإعلام أن الحكومة أعلنتها لم تقنع الكثيرين في القاهرة ولاتزال التساؤلات الساخرة تملأ الصحف حول الجريمة، وتركزت الشكوك والتساؤلات حول ما يلي:

  1. أنه إذا كان المتهم الأول «صابر» الذي سبق اتهامه في قضية فندق سميراميس مختل عقليًّا ويعاني من «الفصام الوجداني» - كما هو تشخيص حالته - فهل شقيقه أيضا مختل عقليًّا، ألا يعني ذلك أن هناك تدبيرًا محكمًا خصوصًا أنهما اعترفا بقيامهما بدراسة مكان العملية لعدة أيام قبل التنفيذ؟ وهل من عادة المجانين وفي قدرتهم التخطيط الدقيق لمثل هذه العملية؟
  2. المتهمان أكدا في التحقيقات أنهما قاما بالعملية ضد الأجانب انتقامًا لقيام المستوطنة اليهودية سوسكند برسم صورة مسيئة للرسول ﷺ وألمحا إلى أنهما اعتقدا أن الحافلة بها سياح إسرائيليون رغم أنهما اعترفا بأنهما نفذا العملية ضد أول حافلة مزدحمة رأوها!

يدرك كل هذه الحقائق السياسية؟ وكان مسلحون يعتقد أنهم من الجماعة الإسلامية قاموا في ١٨ أبريل ١٩٩٦م بإطلاق النار على فوج سياحي يوناني كان يقف أمام فندق أوروبا بشارع الهرم بالجيزة وقتلوا ٢٠ سائحًا ثم أعلنوا أنهم كانوا يعتقدون أنهم سياح إسرائيليون!. 

  1. المتهم الأول ثبت أنه: كان يخرج من المستشفى كلما أراد مقابل دفع رشاوى للأطباء والممرضين، كما أنه تزوج منذ ثلاثة أشهر والأهم أن علامات الثراء ظهرت عليه - كما يقول جيرانه - بشكل مفاجئ بعد جريمته الأولى في فندق سميراميس وأصبح يمتلك مخبزًا يدر عليه ۱۲ ألف جنيه شهريًّا فمن أين له هذا؟ كما ذكر أن أسرته دفعت ٥٠ ألف جنيه رشوة لاستخراج شهادة تفيد أنه مجنون عقب ارتكابه الحادث الأول.

لقد دفعت هذه الشكوك الكثير من الصحفيين والسياسيين المصريين للقول إن هناك «جهة سرية» ما قد تكون وراء دفع صابر «المجنون» وشقيقه «العاقل» لارتكاب الجريمة بهدف إظهار الوضع أنه غير مستقر في مصر ولإلهاء الحكومة في مشاكلها الداخلية فلا تلتفت لدورها الخارجي، وساعد على هذا التحليل -كما يقول أطباء نفسيون- أن مرض الفصام الوجداني يسهل قيادة الآخرين للشخص المصاب به والتأثير عليه، كما أنه يجعل الشخص المريض فخورًا بنفسه ولديه الرغبة في الشهرة ولفت الأنظار. 

وقد لوحظ أن المتهم الأول كان يضحك وهو يمثل أمام النيابة كيف قام بالجريمة ويقول لهم بفخر «أنا ممثل ممتاز ولي مستقبل كبير في التمثيل»، كما أن أول شيء قام به بعد اعتقاله وبدء التحقيق معه هو طلب وجبة كباب لأنه جائع!

أما عن الجهات السرية التي رجح البعض وقوفها وراء المتهم فهي كثيرة ولكن يمكن حصرها في اثنتين: فقد رجح مفكرون وكتاب يساريون أن يكون وراء المتهم جهات أصولية تخفت وراءه ودللوا على ذلك بإطلاقه لحيته فترة من الوقت، كما قالوا إن أمن الدولة استدعته عدة مرات للتحري (وهو ما لم يثبت) والأهم -كما قالوا- أن دوافعه التي أعلنها لتنفيذ العمليتين (دوافع دينية) وهي الانتقام لمذابح المسلمين في البوسنة ولسخرية اليهود من الرسول ﷺ.

 وبالمقابل رجّح كتاب وصحفيون آخرون وقوف الموساد الإسرائيلي وراء هذا الحادث، بل وخطب أئمة مساجد في القاهرة -في حضور مراسل المجتمع- يتهمون إسرائيل بالمسؤولية عن الحادث لأنها المستفيد الأول، ويتساءلون لماذا لا تعلن الحكومة المصرية ذلك؟!

وقد برر هذا الفريق اتهامه لإسرائيل واستخباراتها بالانتقام لسجن جاسوسها عزام ورغبة نتنياهو في تحطيم موقف القاهرة المعادي لسياساته الاستيطانية.

وقالوا إن هذه سياسة إسرائيلية معروفة منذ فضيحة لافون الشهيرة في مصر في الخمسينيات التي سعى خلالها يهود مصريون لتفجير منشآت مصرية وأجنبية لضرب الاستقرار في البلاد. 

وهكذا تبقى عملية الحافلة لغزًا لا يعرف الكثيرون كنهه مثل كثير من الألغاز التي انتشرت في وقت غابت فيه شفافية الأخبار والمعلومات.

الرابط المختصر :