العنوان المثقفون والسادومازوخية
الكاتب خضير جعفر
تاريخ النشر الثلاثاء 13-أكتوبر-1998
مشاهدات 76
نشر في العدد 1321
نشر في الصفحة 55
الثلاثاء 13-أكتوبر-1998
السادومازوخية مصطلح حديث جدًا، للتعبير عن ظاهرة قديمة جدًا، استخدمه المشتغلون بمدارس التحليل النفسي لبيان العلاقة المثيرة بين السادية» و«المازوخية»، في عملية اقتران بين أقطاب التضاد في المنهج السلوكي لدى الأفراد والجماعات على حد سواء.
فالسادية وصف سيكولوجي لأولئك الذين يجدون لذة في إنزال الأذى والألم بالآخرين، وهي تنتسب إلى المركيز دي ساده (١٧٤٠ - ١٨١٤م). الذي ضمن أفكاره في كتاباته التي اشتهر منها روايته المعروفة لعنة الفضيلة، ونعمة الرذيلة، أو جوستين وجوليت.
أما المازوخية، فهي تعبير عن حالة الفرد، في إقباله وتقبله لما يمكن أن يوقع عليه الأذى والألم الجسمي والنفسي، ومن ثم استمتاعه بذلك الألم والأذى، وينسب هذا المصطلح إلى الكاتب الروائي النمساوي ليبولد زاخر مازوخ (١٨٦٣ - ١٨٩٥م) وفقًا لروايته الشهيرة فينوس في الفراء.
وإذا كانت المازوخية هي المضاد للسادية، فإن اقترانهما بعلاقة وثيقة قد ولد مصطلح السادومازوخية، الذي احتل في كتابات مدرسة التحليل النفسي الحديثة وموضوعاتها حيزًا مهمًا. في مجال تفسير الكثير من مظاهر السلوك البشري لتسوقها تلك المدرسة إلى علم النفس الاجتماعي ومن ثم إلى علم الاجتماع، وأخيرًا إلى ميدان الفلسفة السياسية، حيث تتمظهر في هذه الأخيرة على شكل كوارث اجتماعية مروعة تصنعها العلاقة بين طرفين: الأول قوة مسيطرة متسلطة تفرض إرادتها ورأيها، والثاني أمة مستسلمة خانعة ارتضت لنفسها هذا المصير السلبي السيئ في إطار علاقة قائمة على الميل المشترك، دون أي تناشز اجتماعي بينهما، مما يعكس حاجة مشتركة بين الميلين يطلق عليها إريك فروم مصطلح التكافل)، والذي يعني لديه سيكولوجيا اتحاد ذات الفرد مع ذات أخرى، أي قوة الآخر الذي يقع خارج دائرة الذات) بطريقة تجعل كلًا منهما يفقد تكامل ذاته أو استقلاليتها، ويعتمد على الآخر اعتمادًا تامًا.
وهكذا يحتاج الشخص السادي إلى موضوعه بقدر ما يحتاج إليه الشخص المازوخي تمامًا، والفرق بينهما هو أن أحدهما يبحث عن أمان في شخص يبتلعه والآخر يسعى إلى الأمان عن طريق ابتلاع شخص آخر، وبما يضيع استقلال الذات في الحالتين، إحداهما تذيب نفسها في قوة خارجية والأخرى توسع من ذاتها، بحيث تجعل الآخر جزءًا منها، ومن ثم تحصل على القوة التي كانت تنقصها كذات مستقلة، ويظل العجز عن تحمل وحدة الذات هو الدافع باستمرار للدخول في علاقة تكافلية مع شخص آخر، وهكذا يتضح السبب في امتزاج الميول السادية والمازوخية بعضها مع البعض الآخر، ورغم أنهما يبدوان متناقضين، لكنهما في الجوهر يضربان بجذورهما في حاجة أساسية واحدة، ومأساة الأمم . عبر التاريخ - في ميدان العلاقات السياسية تكمن في ظاهرة السادومازوخية التي اجتاحت المانيا، إبان حكم هتلر، وإيطاليا في عهد موسوليني، وروسيا في حقبة ستالين، وإسبانيا زمن فرانكو، وكمبوديا أيام بول بوت والعراق أيام صدام حسين.
إن دور المثقف الحر الغيور - في مثل هذه الحالة يتمثل في بذل الجهد لنسف العلاقة السادومازوخية، بين الأمم ومضطهديها، من خلال معالجة السادية والوقوف في وجهها، وتطبيب المازوخية ببعث الوعي، واستبدال اليأس بالباس والانهزام بالإقدام والفرار من الحرية باللجوء إليها. لأن حالات الضعف البشري، قد تنتاب شعوبًا، وأممًا فترديها في وهدة الضياع والانصياع، فلا تجد سوى الاسترحام والاستسلام سبيلًا، وإلا كيف يمكن أن نتصور شاعرًا يفترض به أن يكون ذا إحساس وشعور، وهو يخاطب شاديًا كصدام ليقول له لولاك ما طلع القمر، وكيف ينبغي لجماعات أقل ما يقال فيها أنها « مازوخية» تهتف للطاغية ببؤس مذل «صدام حسين يلوك إلنا» أي يناسبنا إنها السادومازوخية بعينها، التي يتحمل المثقف والمثقف الإسلامي، بالذات مسؤولية كبح جماحها وديمومتها، ولو كلفه ذلك حياته، لأن الأمم تحيا بشهدائها وتسقي شجرة كرامتها بدمائهم الطاهرة القانية.
وإذا كان دم الشهداء قد أوقف انتشار سرطان الاستسلام في ميادين المنازلة، وسوح الكفاح، فإن اقلام المثقفين مدعوة في ساحاتها للعمل الإيجابي لاستعادة ثقة الأمة بنفسها، وتحويل مواقعها من خنادق الانصياع إلى خطوط الهجوم والاندفاع في مواجهة الاستخفاف الذي يستهدف قتل إرادة الأمة. وسحقها، واستخذائها، واستزلام رجالها، وهذا ما يحتاج إلى صوت جري، وموقف مضيء، وقلم راعف وجرح نازف، وإصرار على مواصلة درب الانعتاق رغم كل التضحيات، وإلا فالتاريخ لا يرحم، ولا يخشى والله لا يهمل، ولا ينسى، بعد أن أخذ على العلماء ألا يقاروا على كظة ظالم، ولا سغب مظلوم.
إن إنقاذ الأمة من كارثة سادومازوخية، تدعو المثقف الإسلامي أن يخاطب الساديين بلغة «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟!».
ويتحدث مع المازوخي بلغة لا تكن عبد غيرك وقد خلقك الله حرا.
وتبقى القدوة الحسنة، والتجسيد الحي لقيم التحرر والانعتاق أكبر من كل مقولات التنظير، وإن عظمت واستحقت كل الاحترام والاهتمام.
إذن تعالوا نقاوم السادومازوخية في البيت حينما نجد أبًا قامعًا، وابنًا خانعًا، وفي المدرسة حينما نرى المعلم الجبار، والتلميذ الذي ارتضى الصغار والاحتقار، وفي المجتمع الذي يستسبع فيه الأشرار، ويتصاغر أمام بطشهم جموع كثار ويتفر عن الطغاة، ويصفق لهم حشود الحفاة.
هذه هي مسؤولية الثقافة، وضرائب الوعي واستحقاقات من يمتلك الوجدان وناصية البيان والبنان.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل