العنوان المتفيهقون
الكاتب الدكتور محمد حسن هيتو
تاريخ النشر الثلاثاء 30-سبتمبر-1980
مشاهدات 89
نشر في العدد 499
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 30-سبتمبر-1980
• لماذا كان علماء الأمة يشفقون من التكلم بالفتوى على الرغم من كونهم موسوعات علمية؟
• بعض الناس في هذا العصر يحفظون بضعة أحاديث ويجعل من نفسه المجتهد المطلق!!
لقد سئل الإمام مالك بن أنس عن أربعين مسألة في دين الله فقال في ست وثلاثين منها: لا أعلم.
فقال له السائل: ماذا أقول لقومي إذا رجعت إليهم؟ وكأنه كره هذا القول من مالك.
فقال له مالك: قل لهم إن مالك بن أنس يقول: لا أعلم.
وتوقف الإمام محمد بن إدريس الشافعي – وهو ناصر الحديث، وواضع علم الأصول، والجامع بين طريقتي أهل الرأي والأثر - توقف في سبع عشرة مسألة، فلم يرجح فيها شيئًا لتزاحم الأدلة، وتوارد الاحتمالات.
ونهى أحمد بن حنبل - وهو يحفظ ألف ألف حديث – تلاميذه عن تدوين فقهه، حتى لا يلزمهم رأيه فعسى أن يوجد فيهم من هو أفقه منه، يستنبط كما استنبط ويفهم كما فهم.
وكانت المسألة تعرض على جمع من العلماء وكل منهم يحيلها على صاحبه، إشفاقًا من أن يتكلم بالفتوى في دين الله وثم من هو أولى منه بها، وخشية الخطأ فيها.
على أنهم جميعًا، كانوا حفاظ الحديث، وأرباب الفكر، وأئمة الفقه والأصول.
بل كانوا سرًا من أسرار الله في هذا الدين العظيم، بذلوا من أجله حياتهم، واستنفدوا في سبيله طاقتهم، فحفظه الله بهم تحقيقًا لوعده وإمضاء لأمره.
فجزاهم الله عنا أحسن الجزاء، وأحسن إليهم، أن نقلوا إلينا هذا الدين أصولًا وفروعًا، نصوصًا واستنباطًا، دون أن يكون لهم من أجر سوى ما أملوه من رحمة ربهم، ونعم الأجر والثواب.
ودالت دولة الفقهاء وزالت معالم العلم والعلماء، وأقصى شرع الله عن واقع الحياة، فقلت المعرفة، وفشا الجهل، وظهر الغرور، واتبع الهوى وصار الإنسان يسمى محدث الديار، وعالم الأمة بل المجتهد المطلق.. بل المجدد العظيم.. إذا حفظ على الأمة بضعة أحاديث من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصار يموه بها على الناس، فيكسو الحق ثوب الباطل والباطل ثوب الحق.
بينما كان الإنسان في عصور العلم الذهبية لا يسمى محدثًا، وقد قرأ البخاري ومسلما، وسنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، ومسند أحمد، وسنن البيهقي – إلا إذا ولج الجمل في سم الخياط، كما قال الإمام تاج الدين بن السبكي في كتابه «معيد النعم ومبيد النقم».
وإنما المحدث من حفظ كذا وكذا من الحديث وعرف فقه السند والعالي والنازل، والعلل، وأسماء الرجال.
وما كان العالم يسمى عالمًا بمجرد معرفته لعدد من مسائل الفقه، ولا بحفظه لمتونه ولا بتمكنه من البحث عن المسألة ونقل الفتوى، وإنما بمعرفته لطرق الاستنباط وكيفية استعمال الأدلة والترجيح بينها، وحمل بعضها على بعض، وغير ذلك من أصول الفقه، وبمعرفة الأشباه والنظائر والفروق والموانع، وما إلى هذا من فروع الفقه.
وكان الرجل يحفظ عشرات الآلاف من الحديث، ولا يسمى عالما، لأنه لا يعرف كيف يستنبط، ومن أراد فهم هذا فليسمع قول أمير المؤمنين في الحديث أحمد بن حنبل: «كانت أقضيتنا بأيدي أصحاب أبي حنيفة ما تنزع، حتى جاء الشافعي فنزعناها منهم وقوله: «لولا الشافعي ما عرفنا فقه الحديث».
وقول أبي حاتم الرازي: لولا الشافعي لكان أصحاب الحديث في عمى، وأنا لا أريد أن أتكلم عن الشافعي، فقدمه وقدم غيره من مجتهدي هذه الأمة في دين الله سواء، وإنما أريد أن يفهم بعض من دق عليه الفهم الفرق بين المحدث والعالم.
لقد نادى إمام الحرمين الجويني تلميذه حجة الإسلام أبا حامد الغزالي في يوم من الأيام فقال له: يا فقيه.
فتمعر وجه الغزالي، وبدا عليه عدم الرضا فأخذ أستاذه العظيم بيده، وقاده إلى غرفة كبيرة وأمره بفتحها، وإذا بها مملوءة بآلاف المجلدات فقال له: ما قيل لي يا فقيه حتى حفظت هذا كله؟!
أما اليوم، فقد تبدلت المعايير، وتغيرت المفاهيم وصار الإنسان – كما ذكرت – يسمى محدث الديار، وربما زيد له في الألقاب وهو من أسوأ الناس حفظًا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع جهل مطبق بأبسط قواعد الاجتهاد والاستنباط
وليت الأمر وقف عند هذا إذا لهان الأمر، فإن من أسرار هذا الدين أن يفضح كل دعي فيه.
إلا أن الأمر تجاوز هذا، إذ أصبحنا نرى أناسًا لا يجيدون القراءة، ولا الكتابة، يخوضون في أحكام الشرع، ويأتون بالعجائب، محرمين لشرع الله وهادمين رأسه وقاعدته.
وليت الأمر وقف عند هذا أيضًا، إلا أنه تجاوزه إلى تجهيل السلف والطعن عليهم، وقذفهم بما لا يليق، مما لا يقبله أقران السوء بعضهم في بعض، علاوة على أن يقبله أقطاب هذا الدين ممن لم يجيدوا وسائل القراءة بعد.
تجد أحدهم يفتي بما يخالف به كل الأمة دون أن يشير إليها، وكأنه ترفع عن أن يذكر اسمه معها، وقد ملأ يقينه أن كل من في الأرض من عالم لا يسعه لو كان حيا إلا أتباعه.
ولو أنه ذكر اسمهم معه، وقال: قالت الأمة كذا، وأقول أنا كذا لشكرنا صنيعه، لأنه رضي لنفسه أن ينزل إلى صف أولئك الأئمة، إلا أنه لا يفعل لأن سحاب الجهل قد غطى على عقله. فلمع منه برق الغرور، وهطل وابل الهوى، فخيل إليه أنه لا وزن إلا لما يقول. فهو المصيب، والأمة بأسرها مخطئة، ولا داعي لذكر الخطأ مع الصواب.
وهكذا يفعل الجهل بصاحبه.
وكم من عائب قولًا صحيحا ** وآفته من الفهم السقيم
لقد التقيت منذ أيام بأحد كبار أساتذة الشريعة، فجرنا الحديث إلى ما أتكلم فيه الآن فقلت له: إن بعض الناس يزعم أن النووي صاحب بدع، وضلالات، وهوى، وأنه من الهالكين؟!
فوقف في الطريق، واستوقفني، وكأنه ذهل مما سمع، فقال لي: النووي؟! فقلت له: نعم النووي.
فأقسم يمينًا بالله بأنه ما سمع هذا الكلام إلا في هذه اللحظة، وأنه ما كان يتصور أن يسمع هذا في حياته.
فقلت له: وأزيدك أن سلالة العلماء الذين يتشرف الوجود بذكرهم وتفخر الدنيا بسيرتهم أيضًا وصفوا بهذا الوصف.
فقال لي: إذن صدق ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لن تقوم الساعة حتى يلعن آخر هذه الأمة أولها».
وإن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأول: إذا لم تستح فاصنع ما شئت.