; المتغيرات النفسية لشعوب البلدان الشيوعية | مجلة المجتمع

العنوان المتغيرات النفسية لشعوب البلدان الشيوعية

الكاتب إسماعيل فرحات

تاريخ النشر الثلاثاء 15-يوليو-1980

مشاهدات 81

نشر في العدد 489

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 15-يوليو-1980

تكثر التعليقات والتساؤلات بين المحللين والساسة والصحافيين حول تأثير الصحوة الإسلامية في بلدان الشرق الأوسط والنشاط الإسلامي المتزايد في وسط آسيا وفي أفغانستان بالذات حول أثر ذلك كله على شعوب البلدان الشيوعية والاشتراكية -وفي روسيا بالذات- المجاورة للحزام الإسلامي الممتد من ضفاف المحيط الهندي حتى شواطئ الهادي في أقصى الشرق وفي جبال طوروس بتركيا حتى يوغسلافيا وسائر دول أوروبا الشرقية.

فمما لا شك فيه أن هذه المتغيرات السياسية قد وجدت لها صدى سلوكيًّا تسخنه حرارة العقيدة الإسلامية التي تشكل القاسم المشترك بين هذه الشعوب. وقد سرت آثار هذه الصحوة إلى ما وراء الأسوار الحديدية لتلك البلدان ذات الطابع الدكتاتوري.

وقد انعكست آثار هذه الصحوة على مقالات وتحليلات الصحف الرئيسية في أوروبا حتى أطلق بعضهم على عام 1980 «عام الصحوة الإسلامية»، وهناك من اعتبرها نهاية منحنى الأكدار والانقسام الذي مرت به الشعوب الإسلامية لقرن مضى. فإذا أردنا أن نركز النظر لما وراء جبال الأورال ونحدد النظر في أصحاب البشرة القوقازية من مسلمي الاتحاد السوفييتي فماذا سنرى؟

مؤشرات اليقظة الإسلامية داخل روسيا:

  • تساؤلات عدة تطرح تحت هذا البند، هل ثمة «يقظة إسلامية» لدى الــ 50 مليون مسلم سوفياتي الذين مروا برحلة تذويب شيوعي على مدى نصف قرن من الزمان؟! 
  • هل تدرك القيادة الروسية خطورة هذه اليقظة؟ وما هو رد فعلها؟!

للإجابة على هذه التساؤلات يتطلب الأمر منا إیراد بعض الشواهد على مظاهر اليقظة رغم الضغوط والتعتيم الواقع عليها، وتحدد هذه المظاهر فيما يلي:

1- انضمام جزء من القوات السوفياتية من الجنود المسلمين إلى صفوف المجاهدين الأفغان.

2- فرار ثلاثة طلاب من جمهورية أوزبكستان ممن استدعوا للاحتياط وذلك بعد وصولهم إلى أفغانستان مباشرة وجاء في أقوالهم «إننا أخبرنا بأننا سنقاتل الإمبريالبين فتبين أننا نحارب مسلمين وبصورة إجبارية».

3- إقبال عدد من الجنود السوفييت المسلمين على شراء المصاحف سرًّا بعد أن تبين أنهم يفتقدونها كلية في روسيا، بل لجأ بعضهم إلى بيع بعض حاجياته وقطع السلاح لشراء هذه المصاحف.

4- حدوث صراعات دموية بين المسلمين والروس في مدن آسيا الوسطى كان آخرها في شهر مايو سنة 1979 في «دو شمب»، وهي تذكرنا بأن الأراضي الإسلامية في الاتحاد السوفياتي تظل براكين لم تنطفئ بعد.

5- حفاظ المسلمين الروس في الجمهوريات الإسلامية على شخصيتهم المتميزة رغم اختلاطهم مع الروس السلافيين، فهم ينظرون إلى المسلمين نظرة متعالية في حين لا يخفي المسلمون حقدهم ضد الروس وما يسمع في آسيا الوسطى «انتظروا قدوم الصينيين وسنخضب الجدران بدمائكم»!

6- المؤتمر الإسلامي الذي يعقد في طشقند من 11/9 أيلول 1980 عاصمة أوزبكستان السوفياتية المكرس للاحتفال بحلول القرن الخامس عشر الهجري، وسيصل إلى طشقند ممثلو مختلف الأديان من كل أطراف الاتحاد السوفياتي، وبهذه المناسبة جرت في الكثير من مساجد الاتحاد السوفياتي أعمال ترميم واسعة وعلى سبيل المثال جرى تجديد مسجدي موسكو ولينينغراد ومساجد عدد من مدن القفقاس وآسيا الوسطى السوفياتية. وإن كان هذا المؤتمر ينعقد بمباركة الحكومة السوفياتية لكنه إن دل على شيء فإنما يدل على الثقل الإسلامي في الولايات الإسلامية السوفياتية، هذا من جانب، ومراعاة لشعور هؤلاء المسلمين واحتوائهم من جانب آخر.

من هذه الدلائل السابقة كلها نشير إلى المتغيرات السلوكية للشعوب الإسلامية داخل الاتحاد السوفياتي الذي يبلغ عددهم 50 مليون مسلم معظمهم في آسياالوسطى والقوقاز.

ولكن هذا لا يجعلنا شديدي التفاؤل بنشوب انتفاضة شعبية إسلامية وذلك لأن القادة المسلمين المنصبين من قبل السلطات في الاتحاد السوفياتي من الإطارات ومن النوع الذين يعتبرون أنفسهم شيوعيين فخورين بمكاسب جمهورياتهم في المجال التكنولوجي، إنهم يريدون بناء مجتمع اشتراكي بدون الجنس الروسي ويظل الإسلام مصدر ثقافتهم ولهم طموحات واسعة بصدد تعزيز كيانهم بينما لا تقدم لهم ماركسية الروس شيئًا من ذلك بقدر ما تؤدي إلى تذويبهم في الاتحاد السوفييتي، وعلى ذلك فإن لدى مسلمي روسيا بشكل عام طموحات -مستترة- نحو إبراز شخصيتهم الخاصة التي لم تندمج في وقت من الأوقات مع الشخصية الماركسية التي أرادها حكام الكرملين لهم مما يجعل هؤلاء المسلمين بيئة خصبة لأي رياح ثورية تهب من الحزام الإسلامي في الجنوب.

  • بوادر البعث الإسلامي في الصين:
  • الأوضاع السياسية الأخيرة في الصين أعطت بعض الحرية والمتنفس للمسلمين في الصين ليعبروا عن آرائهم، فقد أذاعت وكالة أنباء الصين الجديدة «شنجوا» أثر الغزو الروسي لأفغانستان، وهو بيان للرابطة الصينية الإسلامية دعت فيه المسلمين الصينيين إلى حرب مقدسة ضد الغزو السوفياتي لأفغانستان ونددت فيه بالغزو وذبح المسلمين وقمعهم في ذلك البلد المسلم.
  • تمسك شعب تركستان الشرقية «سنكيانغ» بعباداته الإسلامية نوع من مقاومة الاحتلال الصيني لأراضيه؛ فالقرآن الكريم لا يزال هو الكتاب الشعبي في تركستان يتعلمه الشباب والكبار حتى الآن.
  • انتشار المساجد في جميع أنحاء الأقاليم، بالإضافة لما يرى غالبًا من جماعات يتدارسون القرآن الكريم في الشوارع أو رجل يصلي على سجادته أو يقرأ القرآن الكريم رغم شدة البرد.

ولعل السلطات الشيوعية أدركت هذا الأمر وتبين لها خطورته فأسرعت إلى تعديل سياستها تجاه الدين وتجاه الثقافات المختلفة للأقليات المتبوعة داخل حدودها.

* المسلمون في شرق أوروبا:

وننتقل نقلة أخرى لنتعرف على أوضاع المسلمين في شرق أوروبا لنرى مدى تأثير الإسلام في تلك الشعوب التي تحكمها الاشتراكية والشيوعية فنجد أن: 

  • الإسلام قد حقق أعظم نفوذ دائم له في الجزء الجنوبي الشرقي من أوروبا على حياة الناس وعقليتهم ولا زال عدد كبير من المدن والقرى في هذه المناطق تحتفظ بطابعها الإسلامي، وكان هناك دولتان في هذه المنطقة لديها أغلبية مسلمة وهي الجمهورية اليوغسلافية المركزية لبوسنا وهرز يجوقنا وألبانيا. 
  • وقد وجد في بوسيتا وفي النومان حيث يوجد خليط من الأتراك والسلاف «برماكي» في إقليم ترافيا يمارسون التقاليد الإسلامية بإيمان وإخلاص.
  •  في بولندة كانت تهيأ للمسلمين الظروف الحسنة للاستمرار في تنمية المجتمع الديني، ومع هذا ففي المجتمع نفسه كان يوجد به نقص في القدرة اللازمة للانتفاع الكامل بالإمكانات الموجودة السياسية والاجتماعية لتقوية نفسه.
  • ويلاحظ أنه في بلاد عدة من أوساط وشرق أوروبا نجحت الكنيسة الكاثوليكية تحديًا للشيوعين في الاحتفاظ بنفوذها على الناس، فحيثما وجد المسلمون بالقرب منها كانوا ينتفعون من هذه الحالة، وينطبق هذا على بولندة والأقاليم الغربية ليوغسلافيا.

مما تقدم نخلص إلى أن الشعوب الإسلامية القابعة خلف الأسوار الحديدية قداقتنعت بأن الإسلام هو الحل الوحيد الذي يلبي نداء فطرتهم، وسيأتي ذلك اليوم الذي يستطيعون فيه تكسير الأغلال لينعموا بالعيش في ظلال الإسلام دين رب العالمين ﴿وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ (إبراهيم:20).

الرابط المختصر :