; المتدينون اليهود محظوظون .. وغيرهم مسجونون | مجلة المجتمع

العنوان المتدينون اليهود محظوظون .. وغيرهم مسجونون

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 23-نوفمبر-1999

مشاهدات 102

نشر في العدد 1377

نشر في الصفحة 47

الثلاثاء 23-نوفمبر-1999

عرف الناس من قديم وتأكد لهم في العصر الحديث أن الهزيمة الروحية والضياع النفسي، هما شر أنواع الهزائم، وأبأس مراتب الضياع، ولهذا تعمد كثير من الأمم الناهضة اليوم إلى بناء شخصيتها الروحية، وذاتيتها النفسية بالعقائد الإيمانية، وعرفت إسرائيل ذلك، وعلمت أن الحماس الديني والقوى الإيمانية خير معين على تبليغ الآمال، فأنشأت الدولة الدينية، وأحيت شعائرها ولغتها وأسماءها الدينية، واحترمت تعاليمها وأخلاقها وعاداتها، في حين حرضت غيرها على تهميش الهوية ومحاربة التدين ونبذ المقدسات، وتجفيف المنابع، ومطاردة المتدينين، وخلق شروخ، وبناء سدود، وإنشاء محن وعداوات بينهم و سلطاتهم ودولهم، في حين تعمد هي إلى تعميق الحس الديني اليهودي بين الشباب في الدولة العبرية وتوجيهه في خدمة أهدافها وتحقيق غاياتها.

ولما شعرت إسرائيل في هذه الأيام أن جيل المحاربين القدماء الذين تربوا في المهجر على العقيدة اليهودية، وجاءوا لبناء إسرائيل على أرض فلسطين المسلمة، قد أحيل إلى التقاعد لكبر سنه، عمدت اليوم إلى تربية جيل آخر ليحمل الراية الروحية والعسكرية، ويعيد شباب إسرائيل الروحي والعقدي، ولقد رصد هذه الظاهرة «روبي بيرمان» ونشرت مجلة «موينت» ذلك في أبريل ۱۹۹۹م، تحت عنوان «متدينون على خط النار»، فقال: بعد عشر سنوات سيكون أغلب ضباط قوات الدفاع الإسرائيلي ممن هم في رتبة عميد يرتدون قبعات صغيرة على رؤوسهم، كعلامة على انتمائهم للتيار الديني الأصولي المعاصر في إسرائيل، هذا ما تنبأ به شلومو جازيت - الرئيس السابق للمخابرات الإسرائيلية العسكرية، وأحد كبار الباحثين بمركز جافي للدراسات الإستراتيجية، وهذا سيمثل ثورة في تركيبة القيادة العسكرية في الدولة اليهودية.

ثم يقول : لقد انقضى ذلك العهد الذي كانت تنتمي النخب العسكرية فيه إلى القطاعات الوطنية العلمانية في المجتمع الإسرائيلي، وأخذت تحل محلهم نخب التيار الديني الأصولي المعاصر الذين يشاركون في الدولة، ويعارضون أي انسحاب من الأراضي المحتلة، ويحلمون باحتلال المزيد، وتحقيق حلم إسرائيل الكبرى، ولقد حدث هذا التحول بالفعل، فقامت الدولة بإنشاء مدارس «الميشنوت»  تلك المدارس الدينية، وينتمي إليها الطلاب في سن الثامنة عشرة، ويزاوج فيها بين المنهج الديني الأصولي والمعاصرة، لإمداد الجيش، وتهدف مدارس الميشنوت - كما يقول العسكريون - إلى تقوية الجانب الديني عند الطلاب بحيث تمكنهم من الخدمة في الوحدات الأكثر صعوبة، ولقد تخرج في تلك المدارس من يتقلد اليوم المناصب الرفيعة، وهم في طريقهم إلى شغل المناصب المرموقة، وبعد أقل من عشرة أعوام من الآن سيصبح أحد الجنرالات من خريجي المدارس الدينية رئيسًاً لهيئة الأركان في الجيش الإسرائيلي.

ويقول ليبوتز عن هذه المدارس: تهدف المدرسة الدينية إلى بناء شخصية يهودية كاملة الاندماج في المجتمع، ويمكنها أن تصبح نموذجًاً للمجتمع، ولهذا السبب فإن طلاب المدارس الدينية يجب أن يكونوا أول المستعدين لأداء الخدمة العسكرية».

ويقول ستيوارت كوهين - أستاذ العلوم السياسية بجامعة بار إيلان : «إن ثمة اتجاهًاً متناميًّاً ينشأ من الفخر والاعتزاز هو الذي يدفع الشباب المتدين إلى الالتحاق بالخدمة العسكرية الكاملة، إنهم يرون العسكرية واجبًا دينيًّاً ووطنيًّاً، وهم يشعرون أنهم بحاجة إلى ذخيرة روحية قبل أن يمسكوا بالبنادق، هذا الشعور ولاشك يريده الشعب اليهودي ليبني به دولته، ويحارب به عدوه، وقد جرب الصهاينة سلاح العقيدة ورجال العقيدة، واستعملوا ذلك في المهام المعقدة والصعبة».

يقول العقيد المتقاعد «موشى إيفنجيف» رئيس الطب النفسي السابق في جيش الدفاع الإسرائيلي و يهودي ملتزم: «عندما فتحت المدارس الدينية العسكرية، وبدأت تدخل الجيش أخذت تحتل الرتب العليا في الوحدات الخاصة، لقد كانت الوحدة الاستكشافية في القيادة العامة صاحبة الدور الشهير في عملية إنقاذ الرهائن الإسرائيليين في مطار عنتيبي في عام ١٩٧٦م، وغير ذلك من المهام الجسيمة، وكانت هذه هي أول الوحدات التي تم اختراقها من قِبل الشباب المتدين، ثم جاءت بقية الوحدات».

إن هذا التدين اليهودي رغم ما فيه من التهور تحاول الدولة أن تستفيد منه، وتنميه وتجني عطاءه، وتحاول كذلك أن تفتح له أبواب المناصب الكبرى ليثريها بطاقاته وحماسه وحبه لبلده ودينه، ولهذا يقول وزير الدفاع السابق والمرشح لحزب الوسط لمنصب رئيس الوزراء إسحاق مردخاي: «إذا قمت بزيارة مدرسة عسكرية دينية فإنني أرى خيرة الشباب هناك»، ثم يضيف: «إذا كانت برامج هذه المدرسة تقوم بخدمة الدولة والجيش وقوى الأمن إلى أقصى حد. فله مني التحية، إنه مثال يجب أن يحتذى».

بعد هذا الذي نسمعه ونراه، ماذا نقول: أنقول إن العقيدة اليهودية فاعلة ومحركة وبانية، والإسلام غير فاعل ولا محرك؟ أم نقول: إن العقيدة اليهودية متحضرة ومعاصرة وحافذة، والإسلام غير ذلك؟ أم نقول: إننا لسنا في حاجة إلى قوة ولا إلى بناء ولا غابات، ولا شباب فاعل أو أمة ناهضة؟ إن الإسلام والإيمان هو القوة الكبرى التي تستطيع أن تصنع التغيير الأكبر في مسيرة الحياة، وإن قوة الروح والعقل والعزيمة أبعد أثرًاً من قوة العضلات والحديد وكل مظاهر القوة المادية.

أقول: لابد للأمة من بعث إسلامي إذا أُريد لها أن تنهض من جديد، ولابد لها من معالم وينابيع تستقي منها ولا بديل لها عن المصدر الأول لهذه العقيدة وهو القرآن والسنة، ومن توجيهاتهما الأساسية ومن التصور الذي أنشأه في نفوس الصفوة المختارة التي صنع الله بها في الأرض معجزة التاريخ الإسلامية، ولابد من حرية وكرامة وتعهد وبذر لتنبت الشجرة الطيبة، أما الجحود والتسلط والتخويف والضياع فإنه أفة المجتمعات البشرية، يتسبب في جمود المهارات والإبداعات وإحالة حياة الناس إلى جحيم، كما يعطل الاندفاع الفطري إلى الأمام، ويفتح الطريق أمام القلق والاكتئاب، والعجز البدني والعقلي، والانهيار العاطفي والشعوري، فتصاب الشعوب بالسلبية وعدم الانتماء والطموح، وتبرز الأنانية والأثرة، وتغيب الشجاعة والتحرر، ويسود الاستعباد والعمالات.

إن ضياع الفكر الإسلامي والانتماء الإسلامي اليوم هو ضياع لمستقبل الأمة ولأمنها القومي، ونهضتها الحضارية، كما أنه قتل لشبابها، وضياع لطموحاتها وفاعليتها، ومنع الشباب المسلم من المشاركة في نهضة أمته كارثة يجب أن تتوقف، وحريق ينبغي أن يُطفأ، وسجن المخلصين العاملين الناهضين من هذا الشباب جريمة سيتحمل وزرها الجميع في زمن نحن كأمة في أشد الحاجة إلى عطائه وحميته، وفي مواجهة تخلفنا الحضاري وعدونا المتربص، فهل آن الأوان لنعي هذا، وقد وعاه شذاذ الآفاق؟... نسأل الله ذلك. 

الرابط المختصر :