; المتاجرون بالدين.. الأزمة والمخرج | مجلة المجتمع

العنوان المتاجرون بالدين.. الأزمة والمخرج

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 27-يونيو-1978

مشاهدات 93

نشر في العدد 401

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 27-يونيو-1978

بغض النظر عن الحقد النصراني واليهودي المتأصل في نفوس متبعي هاتين الديانتين ضد الإسلام والمسلمين، ذلك الحقد الذي كشف عنه المولى بقوله جل وعلا: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة: 120)، حيث رضاهم مطلب شديد الاستحالة إلا بشرط واحد هو أن يتخلى المسلمون عن منهجهم الإسلامي الذي ارتضاه رب العزة.

ذلك الحقد الدفين الأصيل الذي أجج سعار الحرب الصليبية التي أعلنها نصارى أوربا على العالم الإسلامي وكان الدافع الأساسي الذي دفع شباب أوربا لخوض تلك الحروب المدمرة الشعواء والتي تمثلت فيها قمة تسلط الضلال المدعم بالقوة المادية وقسوته في وأد الحق ونحره حيًّا.

بغض النظر عن ذاك الحقد المسير، فإن دراسة الحروب الصليبية دراسة تاريخية معتمدة على الوثائق تكشف لنا عن تمثيلية قذرة معدة إعدادًا محكما:

*حبكتها الفنية: تعتمد على المتاجرة بالدين المسيحي واتخاذه ستارًا لمطامع الأوروبيين بخيرات الوطن الإسلامي.

.مخرجوها ومنفذوها من وراء الستار: القساوسة والبابوات المتسلطون الذين كانوا يمثلون خلفاء الله في أرضه ويهبون صكوك الغفران وقطع الجنة مقابل ما يأخذون من أموال الفقراء المضطهدين.

.أبطالها الحقيقيون: هم شباب أوربا الذين قدموا للقتال تدفعهم رغبتهم وحقدهم الدفين في إبادة الاسلام والمسلمين ليتسنى لهم الحصول على مباركة آبائهم الروحيين فينالوا رضى الرب ومباركة الابن وروح القدس ونصيبًا من غنائم الأرض الإسلامية.

والوثائق التاريخية تثبت لنا وبدون شك كيف أن القساوسة والبابوات استطاعوا المتاجرة بتعاليم الدين المسيحي عن طريق إثارة أحقاد النصارى ضد المسلمين، فهذه وثيقة مارت لسنة 1201 ميلادية تصور لنا طبيعة تلك المتاجرة الرخيصة حيث تقول الوثيقة بالحرف:

"سيدي -الحديث موجه من سفير البابا إلى حاكم فينيسيا التجارية- نحن ممثلو نبلاء وبارونات فرنسا الذين حملوا لواء الصليب والذين صلوا لله من أجلكم، جئناكم لنتفق وإياكم على أن تزودنا بوسائل النقل والسفن الحربية.

سأل الحاكم

- وبأية شروط؟

-بأية شروط ترونها أو تقترحونها، إذا كانوا يستطيعون تنفيذ ما تقترحون من شروط.

- نستطيع أن نزودكم بسفن كبيرة تحمل 4500 فارس و80000 جندي من المشاة، هذا بالإضافة إلى ما أستطيع أن أزودكم به من الذخيرة مما يكفي لمدة تسعة أشهر.

هذا أقل ما يمكن أن نقدمه لكم شرط أن تدفعوا إلينا 4 ماركات عن الحصان الواحد وماركين عن الرجل. وسنضيف إلى ذلك 50 سفينة مسلحة، وذلك في سبيل حب الله...

وثمة شرط آخر هو أن يكون لنا بعد الانتصار على الأرض والحصول على الكنوز في البر والبحر نصف الغنائم ويكون لكم النصف الآخر.

- سيدي نحن على استعداد لعقد هذه الاتفاقية».

وفي هذه الاتفاقية ما يكشف عن حدود تلك اللعبة التي كان لها ما بعدها.

الأزمة

وفي نفس تلك الظروف الاستغلالية السوداء التي استغلها رجال الدين النصارى بالتواطؤ مع حكام أوربا للمتاجرة بالدين واتخاذه حاجبًا وستارًا يستر أطماعهم وأهواءهم البعيدة كل البعد من دعوة عيسى عليه السلام إلى التوحيد الذي هو صلب الدين الإسلامي وأساس كل الأديان السماوية جميعًا، كان هناك خط آخر للمتاجرة بالدين واستغلال هيمنته على النفوس يتمثل في محاربة الكنيسة بمباركة الحكام للعلم والعلماء فقد شنت الكنيسة حملة شعواء ضد بوادر الثقافة والتعلم التي كانت تستمد قوتها وأنوارها من شعلة الضياء والنور التي كانت تتلالأ في سماء الدول الإسلامية المجاورة لأوربا وخاصة أسبانيا ودول البحر الأبيض المتوسط.

فالدين الرباني، أيا كان، إنما هو فيض من الرحمة الربانية لا يمكن أن تؤتي أكلها أبدًا في عتمة الجهل، والجاهلية وعدم إدراك الحقائق ومعرفة الطريق، والعلم والثقافة هي سبيل الإنسان للتخلص من كل ذلك، فكان أن ناصبت الكنيسة العداء للعلم والعلماء لا بصورة العدو الظاهر ولكن بصورة رجل الدين -المؤيد من الحاكم- الذي يؤلمه أن يضل الناس عن الدين بما يكشفه له نور العلم والثقافة من أبعاد عميقة وخفية من المتاجرة بالدين وتسخيره لخدمة أغراض وأهواء رجال الدين والحكام فيقع الناس في غضب الله ويحرموا من خبثه.

تلك كانت هي الظروف القائمة التي لعب بها رجال الدين النصارى لعبتهم بالمتاجرة بالدين واستغلاله لتحقيق مآربهم وأطماعهم الشخصية فكانت له نتائجه الوخيمة جدًّا..

أول هذه النتائج، أن قامت الثورة الصناعية في أوربا بعد طول محاربة من الكنيسة وقامت معها بوادر النهضة الأوربية في شتى المجالات ولكنها نهضة قامت على الفصل النكد -بين الدين والعلم-، فكانت أولى مرتكزات هذه النهضة الأوربية أن يتخلى الناس عن الدين، أيا كان، وأن يحصر في المعبد الخاص به فقط إذا أراد الناس أن ينهضوا وأن يعيشوا الحياة الحقيقية.

فكانت الأزمة المؤلمة بين الدين والواقــــع الأوربي فابتعد الناس أشد البعد عن الفضيلة والأخلاق والعدل فغرقت أوربا في بحر من الفساد جعل الكثير من الأوروبيين يبكون على مستقبل النهضة الأوروبية ويرون أنها ستفقد أهم عنصريتها.. الإنسان.

ويا ليت الأمر وقف عند هذا الحد فقد فاضت أوربا أبأن قوتها وحيوتها من فكرها ذلك السقيم على جميع دول العالم حتى أضحى الفساد الآن سمة العالم المتحضر، وتداعى فلاسفة العالم وعقلاؤه للبحث عن مخرج لإنقاذ.. الإنسان... في كل الأرض وليس في أوربا وحدها..

وكل ذلك نتاج الفصام النكد بين الدين والدنيا، نتاج المتاجرة بالدين.

ثاني هذه النتائج، أن قامت الثورة الشيوعية في أوربا لتكافح استغلال أصحاب رؤوس المال للعمال ولم يكن لها منطلق في إثارة الناس ضد بعضهم إلا أن صورت أن الدور الذي يلعبه أصحاب رؤوس المال إنما هو امتداد لما فعله رجال الدين من المتاجرة بالدين لتحقيق المآرب والأطماع فكان أن تبنت، وبتخطيط يهودي طبعًا مسبق، شعارات متطرفة ضد الدين، أيا كان وفي أي أرض كانت، وقالت الدين أفيون الشعوب - وإذا أراد الناس محاربة الظلـم فليحارب الله.

وكانت تلك العداوة اللدودة الحاقدة بين أي فكر يساري يتبنى الشيوعية وبين الدين، وكانت تلك المجازر التي أقامها الشيوعيون ضد المسلمين بشكل خاص، وبتخطيط مسبق أيضا لأنهم يعلمون أن الدين المسيحي قتلته النهضة الأوربية في أوربا ولم يبق إلا الإسلام يحرك النفوس ولا بد أن تجهز عليه الشيوعية.

وشاءت الأقدار أن يتولى زمام العالم قوتان:

قوة الأوروبيين في أوربا و أمريكا وشعار قوتهم، دع ما لقيصر لقيصر- وما لله لله.

وقوة اليهود الشيوعيين وشعار قوتهم- الدين أفيون الشعوب- .

ووقع العالم جميعًا بلا استثناء ضحية المتاجرة بالدين واستغلاله لتفويت المظالم وتبريرها وتحقيق المطامع والأهواء.

المخرج

ويبدو لنا العالم الآن وكأن لا مخرج له من أزمته؛ فالأوربيون لا يزيدون على البكاء والولولة على مستقبل الإنسان، ولكن زخرف النهضة العلمية يلهيهم عن اتخاذ الخطوات العملية لإنقاذ ذلك الإنسان، بل ويسهمون وبإرادتهم في تدميره عن طريق المضي قدمًا في إبعاد الإنسان عن نور الحق إلى ظلام الجاهلية.

والشيوعيون، من الأوربيين أو غيرهم، ماضون قدمًا في تحقيق أطماع أسيادهم اليهود لتدمير العالم والقضاء على كل ما يمت للدين المسيحي أو الإسلامي بصلة، وحيث إن الدين المسيحي قد وؤد، فلم يبق إلا الإسلام يوجهون إليه طعناتهم القاتلة بين الحين والآخر، وهم في ذلك يسهون في تدمير العالم وتدمير الإنسان.

ولم يبق لخروج العالم من أزمته تلك إلا أن ينتبه المسلمون لواقع حالهم، وأن يقدروا أهمية المشعل الذي بين أيديهم والذي يتطلع إليه الإنسان في العالم أجمع ليستنير به لعله أن يخرج من ورطته تلك.

درس لا بد من الاستفادة منه

ونحن في أوطاننا الإسلامية التي -دينها الإسلام- لا بد أن نعي لخطورة العمل الذي قام به رجال الدين المسيحي والنتائج الخطيرة التي تمخضت عنه، وأن ندرك أن أهم ما يميز المتاجرين بالدين:

- تمرير للمظالم والمطامع الشخصية على الشعوب باسم الدين.

- محاولة استغلال العاطفة الدينية لصد الشعوب عن المطالبة بحقوقها.

- تناقض بين أقوالهم وأفعالهم، فنجد مثلًا رجال الدين المسيحي يدّعون الزهد والرهبنة، ولكن المطلع على أحوالهم الحقيقية في الكنائس والأديرة يرى عجبًا من الفساد والانحطاط وحب الدنيا والتكالب عليها.

لا بد أن نعلم كل ذلك؛ لأن نهضتنا الإسلامية منوطة بالقضاء على سماسرة الدين ومتاجريه، ولأن الله عز و جل قد توعد المتاجرين بالدين شديد العقاب في الآخرة حيث قال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: 85)...

فاذا أردنا حقًّا أن ننهض بشعوبنا وأن نتجنب عقاب المولى عز وجل فلنعلم يقينًا حدود وأبعاد المتاجرة بالدين لنبتعد عنها ولا نقع في نفس الخطأ الذي وقعت فيه أوربا مرغمة لا مخيرة.

الرابط المختصر :