العنوان المتاجرة بالتهديد الإسلامي وعلاقتها بتجارة السلاح
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 12-مايو-2001
مشاهدات 78
نشر في العدد 1450
نشر في الصفحة 9
السبت 12-مايو-2001
ساد اعتقاد وقناعة في العديد من الأوساط السياسية من دوائر صناع القرار والمحللين في المراكز البحثية المختلفة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية، أن نهاية الحرب الباردة سوف تدشن عهدًا جديدًا يتحقق فيه «السلام» الذي سوف يصبح خيارًا إستراتيجيًّا للنظام الدولي- ربما يكون له علاقة بالخيار الإستراتيجي لبعض الأنظمة العربية التي اعتقدت في جدية هذا التحول- وأنه سيترتب على ذلك حدوث تحول عن سياسات «الدفاع» وصناعة «الحرب»، ومن ثم يتم توجيه الموارد القومية التي كانت تخصص- فيما مضى لصناعات التسلح- لسد النفقات الأخرى للشعوب والمتعلقة بالتنمية في مختلف البلدان خاصة في العالم الثالث والنامي.
يقرر هذا المعنى جون ترمان المدير التنفيذي لمؤسسة ونستون السلام العالمي بواشنطن، ويلفت الأنظار إلى أن ما يحدث الآن على أرض الواقع، وفي مجال العلاقات الدولية ينقض هذا الاعتقاد، إذ مازالت «تجارة السلاح» على المستوى العالمي تديرها وتسيطر عليها الولايات المتحدة محققة أرباحًا طائلة، فنحو ٧٥% من أرباحها المحصلة من تجارتها الخارجية مع بلدان العالم الثالث تأتي من تجارة السلاح، وقد صدرت طوال عام ٢٠٠٠م حتى بداية العام ٢٠٠١م ما قيمته ٤٥ مليار دولار من السلاح لهذه البلدان، ويرى بعض المحللين الإستراتيجيين أن «تجارة الموت» ليست استجابة لطلب حقيقي في سوق مفتوحة وحرة، أي أن تجارة السلاح التي تقودها وتمارسها الولايات المتحدة ومعظم الدول الغربية ليست استجابة لطلب مستهلكين فعليين، ولا تجري وفق قواعد واقتصادات السوق الحرة والمعروفة، ولكنها تتم من خلال خلق أسواق وصناعة مستهلكة في جميع أنحاء العالم.
ولكن كيف يضمن «تاجر السلاح الأمريكي» بشكل دائم طلبًا مرتفعًا على سلعته؟ كيف يحدث هذا الأمر الآن في ظل ظروف ما بعد انتهاء الحرب الباردة وانتهاء الشيوعية، وفي ظل نتائج السياسة الأمريكية في مناطق نزاعات وصراعات كثيرة في العالم فشلت فيها، وحدت من قدرات مؤسسة صنع السلاح الأمريكي على التأثير في السياسة الأمريكية؟
يمكن تفسير المسألة من خلال تفاعل عاملين أحدهما داخلی، والثاني خارجي؛ فبالنسبة للعامل الأول الداخلي: يفصح تحليل بنية المؤسسة الأمريكية الحاكمة عن وجود تلك القوة النابعة من تنسيق جهود واتحاد أهداف جماعات الضغط المختلفة المرتبطة بصناعة التسلح، وتصدير الأسلحة التي يبلغ عددها ٢٢١ جماعة ضغط وشركة تحيط مكاتبها بالبيت الأبيض وبوزارة الدفاع، وتعمل في هذا المجال بإذن من البيت الأبيض، ويدعم ذلك الاتجاه اليميني المحافظ المسيطر الآن واقعيًّا على إدارات ومراكز صنع السياسة الخارجية الأمريكية، ويعد من أهم العوامل التي تدفع في هذا الاتجاه! فعندما تناقش مسألة صناعة السلاح، والمخصصات المالية والبشرية المتعلقة بها لا يكون النقاش عن مدى الحاجة إلى هذه «الأسلحة» وتجارتها على المستوى العالمي لتحقيق الاستراتيجية الأمريكية الدولية، أي الاستراتيجية الأمريكية المتعلقة بالدفاع عن المصالح الأمريكية في العالم، أو ما يقال عن حماية قيم العالم الحر مثل: التعددية والديمقراطية والسوق أو المنافسة الحرة والكاملة، ولكن النقاش يكون على مستوى مصلحي يتعلق بالمدى الذي يوفره تنفيذ برامج التسلح، وصناعة الأسلحة وتصديرها من «وظائف» و«أعمال» للقوة العاملة الأمريكية، وما توفره من «مداخل مالية واقتصادية» تصل لرجل الكونجرس في الولاية، وللرئيس على المستوى الاتحادي، فالمهم إذًا هو مصلحة الاقتصاد الأمريكي، والنخبة السياسية الحاكمة التي يجرها ويتحكم فيها المجمع الصناعي العسكري الذي استعاد دوره، ويلعب الآن دورًا واسعًا في السياسة الأمريكية، في ظل الإدارة اليمينية المحافظة، ويدين جون ترمان هذه «التجارة الشائهة قيميًّا وأخلاقيًّا» ويثير تساؤلات محورية مثل: لماذا تريد القيادة والنخبة الحاكمة الأمريكية السيطرة على العالم، وفي غيبة موافقة واضحة من شعبها تقوم بسلب موارده القومية وتوظيفها في صناعة التسلح، وتجارة السلاح على مستوى العالم؟ أليست هناك طرق آخرى للحفاظ على الأجندة الأمريكية، أو الأولويات الأمريكية في العالم غير ما يسميه إقامة «مزاد علني للموت» باستمرار، وهل الاقتصاد الأمريكي في حاجة إلى هذه التجارة الشائهة أخلاقيًّا؟.
أما بالنسبة للعامل الخارجي الذي يجعل السياسة الأمريكية تنجح في خلق «الطلب الفعلي» على تجارة السلاح، فالواقع أن نجاح الإدارة الأمريكية في خلق ذلك الطلب يكمن في نجاحها في «تسويق» سياسات معينة على المستوى العالمي؛ وفيما يخص العالم الإسلامي والعربي يمكن تحليل تلك السياسات، وسنجد أنها تعتمد على حزمتين متكاملتين من السياسات هما:
الأولى: خلق أو تفجير مشكلات وصراعات محددة خاصة بالحدود، والنزاعات العرقية، والإثنية والعقدية، وتفجير النقاط القابلة للتفجير، وخلق المستفيدين من ذلك عبر «وكلاء محليين»، يستفيدون من الصراعات والحروب المحدودة، أو منخفضة الحدة، وهذا الأمر ترعاه الإدارات الأمريكية المتعاقبة، خاصة الجمهورية منها، وتضمن عملية استمراريته وتكاد الأوضاع العربية، خاصة في العقد الأخير تفصح عن وجود «وقائع» محددة ناطقة بذلك.
الثانية: التلويح بالخطر الإسلامي والتخويف منه الذي يتم اتخاذ عنوان له هو «الإرهاب الأصولي» ووفق الكثير من المحللين السياسيين فإن الكراهية الغربية التي ورثتها الولايات المتحدة تجاه الإسلام، والمترسبة منذ الحروب الصليبية، ودور اللوبي الصهيوني خاصة دور الصهيونية الإنجيلية، ثم ما يتردد عن الخطر الإسلامي الأخضر، كل ذلك يعد أحد أهم العوامل المحركة لهذه السياسة، لكن الأمر الذي يجعل هذه المسألة ملحة في الوقت الراهن، هو الاعتماد الغربي والأمريكي- شبه الأساسي- على البترول العربي، كما يدعم من ذلك تصاعد حدة التحدي الإسلامي المقاوم والمناهض للهيمنة الأمريكية على المنطقة العربية والإسلامية.
ورغم أن الخبرة الأمريكية في التعامل مع العالم الإسلامي والعربي عبر تجارة الأسلحة حتى أصبح «مخزنًا كبيرًا للسلاح الأمريكي»، لم تؤد- خلال الثلاثين عامًا الماضية- إلى حماية المصالح الأمريكية، فإن هذه التجارة استمرت، بل تطورت بشكل كبير، هل لنا أن نذكر الرحلات السنوية لوزراء الدفاع والمسؤولين الأمنيين والعسكريين إلى المنطقة العربية والإسلامية لتسويق سياساتهم وأسلحتهم؟ وإلى أي مدى يكون النجاح الذي يلاقونه في مقابل تسليح الكيان الصهيوني؟ أسئلة سوف تظل الإجابات عنها مفتوحة على المديين القريب والبعيد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل