العنوان المبادرة بين الزوجين.. خيرهما من يبدأ بالسلام
الكاتب د. يحيى عثمان
تاريخ النشر الأربعاء 01-سبتمبر-2021
مشاهدات 76
نشر في العدد 2159
نشر في الصفحة 59
الأربعاء 01-سبتمبر-2021
- زوجي طاقة فياضة من مشاعر الحب والحنان لكنها لا تتدفق إلا استجابة لمبادرتي له عاطفياً وحميمياً
- يجب ألاّ تكون المبادرة فرضاً على طرف بعينه دون الآخر حتى في أقدس علاقة
- من المفاهيم الخاطئة عن المبادرة أنها انتقاص من الكرامة أو إعطاء قيمة للزوج أكثر مما يستحق
- المبادرة لا تعني دائماً الإقرار بالخطأ لكنها الرغبة بإزالة حالة الشحن السلبي وعودة الحب
- لا تسود نعمة المودة والرحمة بمعرفة الحقوق والمطالبة بها فقط دون تعديها ومعرفة الواجبات وأدائها على أكمل وجه
أستاذي الفاضل، جزى الله القائمين على مجلتكم الموقرة خيراً، أنا سيدة في منتصف الأربعينيات، تزوجت منذ حوالي 20 عاماً ورزقنا الله بثلاثة من الأولاد، حياتنا ولله الحمد طيبة بفضل الله؛ فزوجي يشغل مركزاً مرموقاً في إحدى الشركات، وهو كريم ويبذل جهده لننعم بالمودة والرحمة، كما أنه مثقف ويجيد الحديث في العديد من الموضوعات، له علاقات طيبة سواء على المستوى العائلي أو الاجتماعي، كما أنه يقوم بواجباته تجاه أولادنا ويحرص على رعايتهم دينياً وعلمياً، ولكن كل توفيق الله هذا بفضلي أنا وأنا فقط!
لا تتعجب أستاذي، فزوجي طاقة فياضة من مشاعر الحب والحنان ولكنها لا تتدفق إلا استجابة لمبادرتي له عاطفياً، حتى العلاقة الحميمية رغم أن تفاعله معي ينم عن رغبة وشوق شديد، فإنه عليَّ أن أبادر(!)، رغم كرمه الفياض فإنني عليَّ أن أهديه -من ماله حيث لا أعمل- فيبادلني بهدية تفوق الخيال، ولا يقتصر الأمر على علاقتنا الخاصة، بل شؤون حياتنا، مثل ترتيب مدارس الأولاد ومتابعتهم، علاقتنا بالأهل والأصدقاء من زيارة مريض أو تهنئة أو حتى صلة رحم.. عليَّ أنا أن أبادر بإثارة الموضوع فيتم على أكمل وجه.
ولعلك تتساءل أستاذي الفاضل: ما المشكلة ما دام زوجك يستجيب لدعوتك ويشاركك سواء في علاقاتكم الزوجية أو في تربية ورعاية الأولاد أو علاقاتكم الاجتماعية؟
معاناتي مع سلوك زوجي تتضاعف، عندما يحدث بيننا خلاف مهما كان تافهاً أو كبيراً، وأياً كان المخطئ أو حتى لو كان مجرد سوء تفاهم خارج عن إرادتنا، فعليَّ أنا وأنا فقط أن أبادر بمصالحته، وإن لم أبادر تتعقد الأمور ويبالغ في الخصومة ويصعّد من درجات التباعد، مهما كان الخلاف تافهاً، أو هو المخطئ يعطيني ظهره ويهجرني ويظل طول الليل قلقاً، وفي الصباح مشكلات لي وللأولاد، مشكلات بدون سبب، ويظل يصعّد إلى أن أبادر أنا بمصالحته فتُحل كل المشكلات.
حتى في فترة خطوبتنا، عندما كنا نختلف على شيء، ويكون هو المخطئ ما لم أبادر أنا بالاتصال به لم يكن ليتصل فأبين له خطأه فيعتذر، وعندما ناقشت معه هذا الأمر برر ذلك بأنه الولد الوحيد لوالدته وقد بالغت في تدليله، ومنذ طفولته فمهما كان خطؤه كانت هي التي تبادر وتحتضنه فرجاني أن أبادر ووعدني بحسن الاستجابة، وفعلاً وعدته أن أبادر حتى لو كان هو المخطئ.
في أول حياتنا كان الموضوع سهلاً، وكنت سعيدة أنني أملك زمام المبادرة، لكن مع تكرار السيناريو بأنه فرض عليَّ في كل خلاف أن أبادر أنا وأنا فقط، خاصة وقد أصبحنا أسرة من خمسة أفراد، وتشعبت وتنوعت مجالات حياتنا، مما أدى إلى كثرة نقاط الخلاف بيننا فضعفت طاقتي النفسية وأصبح هناك عبء نفسي صعب عليَّ أن أتحمله.
التحليل:
- ما زلت أكرر وأؤكد قيمة وأهمية بل وخطورة فترة الخطبة، وأنها تؤسس ليس فقط للإطار العام لشكل العلاقات الزوجية المرتقبة بل -وهو الأهم- بيان الحق والفضل؛ فابنتنا صاحبة الرسالة وافقت صراحة بأن تتفضل بالمبادرة حتى ولو كان خطيبها هو المخطئ، ومارست ذلك خلال فترة الخطبة، وأصبح ما تفضلت به حقاً لزوجها وواجباً عليها بأن تبادره ليس فقط بالمصالحة في حالة خطئه، بل والمبادرة أيضاً بأي تفاعل سواء على مستوى علاقاتهما الخاصة أو على المستوى العائلي أو الاجتماعي، حتى ولو كان فرضاً عليه هو أن يقوم به كزوج وأب.
- كما أنها استسلمت لمدة عشرين عاماً لهذا العبء النفسي خوفاً من أن يصعّد زوجها الخصام، ولم تبادر بتصحيح معادلة العلاقة بينهما، لذا فهي قد ساهمت في تعقيد مشكلتها.
- كما يجب التنويه هنا إلى أثر التربية في ضبط سلوكيات الأولاد على قيمة المبادرة بصفة عامة والاعتذار بصفة خاصة، ومهما كان حبنا لهم وشفقتنا عليهم في حالة خطئهم، فإننا يجب أن نعوّدهم على أن يبادروا بالاعتذار ولا يجدوا حرجاً أو استكباراً في ذلك.
- رغم قيمة وأهمية المبادرة والأجر العظيم الذي يتفضل به المولى عز وجل على المبادرين، وتفاعلهم الإيجابي مع الخلافات التي تعترضهم، فإنه يجب ألا تكون المبادرة تكليفاً وفرضاً على طرف بعينه دون الآخر، حتى في أقدس علاقة وهي علاقة الولد مع والديه؛ فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «رحم الله من أعان ولده على برّه»، ومن البر بالأولاد المبادرة معهم وليس فقط ذلك فرضاً على الأولاد، وحتى نعلمهم ونسهل عليهم المبادرة ببرنا، فما بالنا بعلاقة متكافئة مثل العلاقة الزوجية؛ (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (البقرة: 228).
- إن القوامة التي اختص بها الله الزوج مقام تكليف، لذا فعليه هو بالمبادرة، ولكن في المقابل على الزوجة ألاّ تحرم نفسها من التسابق في هذ الفضل، وهنا قد يتساءل البعض: أليس أحق على المخطئ أن يبادر؟ بلى، ولكن كثيراً ما يتمكن الشيطان ليلبس الحق بالباطل فيتخيل كلا الزوجان أنه على حق وعلى زوجه المبادرة، فيظل كل منهما معتداً برأيه منتظراً المبادرة من الطرف الآخر، وقد يظلان أياماً، فتزداد الأمور تعقيداً وقد تمتد إلى شهور.
- من المفاهيم الخاطئة عن المبادرة أنها انتقاص من الكرامة أو إذلال للنفس أو إعطاء قيمة للزوج أكثر مما يستحق إلى آخر ذلك من التعليلات الشيطانية والهوى وأثرة النفس، ولكن بإخلاص النية واحتساب الأجر وتقدير أثر المبادرة على العلاقة الزوجية يخنس الشيطان وتلين النفس.
- ومن المعينات على حسن المبادرة الانتظام في أداء العبادات، سواء الفردية أو المشتركة بين الزوجين، فإذا حدث خلاف ما وذهب الزوج إلى الصلاة فيجب أن يعود بوجه غير الذي ذهب به، كما أنه أيضاً على الزوجة أن تستقبله بهيئة غير الذي ودَّعها بها.
- المبادرة لا تعني دائماً أنني أقر بخطئي، لكنها تعني رغبتي في إزالة حالة الشحن السلبي، وأن تعود حالة الحب والوئام حتى نتمكن من حل المشكلة، هذا إذا كان الأمر يستحق ذلك، أما إن كان الأمر مجرد حدث عارض بسيط فدعنا نتخطاه، وهنا أياً كان شكل المبادرة فهي اعتذار ضمني.
- ولبيان قيمة المبادرة، أستطيع أن أؤكد من واقع المشكلات التي عرضت علينا أن أكثر من 50% منها كانت مجرد خطأ عابر غير مقصود، لم يبادر الزوج المخطئ سواء بالاعتذار أو بقبلة أو لمسة أو نظرة حانية.. كما أن الطرف الآخر للأسف لم يبادر بالعفو ويتجاهل الخطأ غير المتعمد أو يعاتبه بعبارة حانية، ولكنه انكفأ على نفسه وأطلق لهواجس الشيطان العنان، وأصبح كل منهما يرى تصرفات الآخر بنظرة سلبية، فيرد عليها بسلبية أكثر، وهكذا حتى تتفاقم العلاقة من سيئ إلى أسوأ ويصلا إلى حافة الطلاق.
لذا أوجه حديثي إلى هذا الزوج الكريم وكل الأزواج والزوجات، وبيان ما أعدَّه الله للزوج الذي يصبر على زوجه ويعفو عنه ويحسن إليه: (وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة: 195).
ولعل من أفضل صور إحسان الزوج لزوجه ليس فقط الصبر وكتم الغيظ والعفو عنه، بل المبادرة إلى الإحسان إليه.
فإذا وعى كل زوج قيمة ذلك تسابقا في أن يبادر كل منهما إلى الإحسان لزوجه طمعاً في معية الله.
وقد تعاضدت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة وقصص حياة الصحابة والتابعين لبيان قيمة السبق والمبادرة؛ حتى مع المسيء، فما بالنا بالعلاقة بين الزوجين اللذين يمثل كل منهما لباساً للآخر؟
كما أن هناك الكثير من الآيات والأحاديث التي تؤكد قيمة وأهمية العفو والأجر العظيم الذي أعده الله للعافين، فالعفو يهيئ النفس إلى المبادرة بالسلام، كما أنه يهيئ النفس إلى قبول الاعتذار من المسيء، كما أن الأطباء يؤكدون أهمية العفو على للصحة النفسية والبدنية، ومن المؤكد أن البيئة النفسية للحياة الزوجية هي الأكثر تأثيراً علينا، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهله».
إن قصة أم سليم بنت ملحان الأنصارية، أم أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع زوجها أبو طلحة، تبين كيف تكون مبادرة الزوجة وأثرها الطيب في تعاملها مع فقد ابنها، وكيف هونت أمر وفاته على زوجها فبادرت بالزينة له عند عودته، وعندما سألها ما فعل ابني، قالت أم سليم، وهي أم الصبي: هو أسكن ما كان، فقربت له العشاء، فتعشى، ثم أصاب منها، فلما فرغ، قالت: واروا الصبي، فلما أصبح أبو طلحة، أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره، فقال: «أعرستم الليلة؟»، قال: نعم، قال: «اللهم بارك لهما»، فولدت غلاماً، فقال لي أبو طلحة: احمله؛ حتى تأتي به النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث معه بتمرات، فقال: «أمعه شيء؟»، قلت: نعم، تمرات، فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم، فمضغها، ثم أخذها من فيه، فجعلها في في الصبي، ثم حنَّكه، وسماه عبدالله، وفي رواية للبخاري: فقال رجل من الأنصار: فرأيت له تسعة أولاد، كلهم قد قرؤوا القرآن من أولاد عبدالله المولود.
من عليه أن يبادر بحل الخلاف؟
الأصل أن على المخطئ أن يبادر، ولكن دائماً ما يحاول الشيطان أن يخيل لكل من الزوجين أنه على حق، وأن على زوجه أن يبادر، وهنا يجب التنويه إلى أنه يجب التفريق بين حل المشكلة وتهيئة الأجواء لحل المشكلة، بمعنى أن مبادرة الأفضل من الزوجين لا تعني أنه هو المخطئ ولكنها تبين رغبته في تهيئة الحالة النفسية لحل المشكلة، لأنه شتان بين زوجين يسعيان لحل مشكلة ما وهما في حالة من الغضب والثورة، ويسيطر عليهما الشيطان ويصور لكل منهما زوجه وكأنه كله عيوب، وبين زوجين بادر أحدهما سواء بكلمة طيبة أو نظرة امتنان أو لمسة حانية فصرفا الشيطان وهدأت نفسهما، ولم يجعلا للشيطان عليهما سبيلاً، فنسيا الخلاف أو بادر المخطئ بالاعتذار أو عفا صاحب الحق، أو استطاعا أن يريا المشكلة بموضوعية ويسعيا لحلها دون لوم أو تبرير.
إن نعمة المودة والرحمة لا تسود بمعرفة الحقوق والمطالبة بها فقط دون تعديها ومعرفة الواجبات وأدائها على أكمل وجه دون نقص، ولكن بمعرفة الحق والمبادرة بالعفو عنه ومعرفة الواجب، والمبادرة الفضل عليه.
رسالتي إلى ابنتنا صاحبة الرسالة:
نحسبك على خير عظيم فيما قلته إن أخلصت لله تعالى، واحمدي الله أن الله وفقك أن تبادري خلال العشرين عاماً الماضية، وأن تكوني سبباً لتنعمي وزوجك وأولادك بحياة طيبة، ولكن عليك أن تقفي وقفة تصحيح مع زوجك؛ فبعد إخلاص النية لله عليك أن تتحيني الوقت المناسب لحديثك معه، وتدعيه لحديث خاص في مكان مناسب:
- ابدئي حديثك بحمد الله أن وفقك لزوج على هذا القدر الطيب من الخلق (الإشادة به).
- أكدي له أنك بدافع الحب والتقدير له كنت دائماً المبادرة في علاقتكم وهو جزاه الله خيراً كان يستجيب، ولكن من حبك له وحرصك على أن يشاركك أجر المبادرة مع تذكيره بالآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التي تبين فضل المبادرة، وأنك تحسبينه على خير، وأنه حريص على نيل العفو من الرحمن، وأنه سينال بفضل الله أجراً عظيماً بمبادرته سواء بحل أي خلاف بينكما أو بتفاعله في علاقته الزوجية معك.
- لقد وصلت إلى مرحلة يصعب عليك فيها الاستمرار، ما قد يؤثر سلباً على علاقتك به وأنت حريصة عليه كزوج كريم، وأنت تعلمين مدى حبه لك ومبادرته تعبيراً فعلياً عن هذا الحب.
- عليك أن تستخدمي كل أنواع القناعات، ولعل أهمها القناعة الوجدانية من خلال مشاعر الحب؛ فتتفتح قنوات التلقي للقناعات الدينية مع التركيز على القناعات النفسية لبيان الأثر السلبي عليك من استمرارك لعبء المبادرة.
وندعو الله أن يوفقك لإقناعه، ولكن قد تستغرق قناعته إلى أن تتحول لعادة سلوكية بعض الوقت، ويجب مساعدته حتى يعتاد على سلوك المبادرة من خلال رد فعلك على مبادراته بأفضل مما يرجو، كما عليك مبادلته بالمبادرة أيضاً مع الابتهال إلى العلي القدير بالتوفيق.