العنوان المبادرات والكباش الملعونة
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 20-مارس-2004
مشاهدات 122
نشر في العدد 1593
نشر في الصفحة 47
السبت 20-مارس-2004
Dar-albhoth@hotmail.com
يرزح الشرق الأوسط بين استعمارين استعمار خارجي، واستعمار داخلي، كما أنه مصاب بمصيبتين مصيبة في مثقفيه التائهين البائسين، ومصيبة في الغزو الثقافي الذي يفرض عليه من خارجه، ففي خلال نصف القرن الماضي، أجهد الغرب نفسه في تربية مساخيط أسماهم مثقفين وأراجوزات أطلق عليهم مفكرين يقومون بأدوار ومسرحيات أريد لها أن توصل الأمة إلى ما وصلت إليه من كوارث، كما ألغيت الشعوب فلا شعوب، فلا أحد يرفع رأساً أو يبدي راياً، ومحيت الدساتير والمؤسسات وأصبحت لا تري قانوناً يحكم بين الناس.
حتى لقد احتقرت القوانين والدساتير والتقاليد الصورية أيضاً، سواء كانت جمهورية أو مدنية، أو حتى انقلابية، واخترع تقليد الأولاد من دون دساتير أو انتخاب أو رأي عام، وتصرف بالأمة ومصائر الجماهير بالأهواء والشهوات باعتبارها ملكاً خاصاً، وبالوظائف الكبرى باعتبارها إقطاعية شخصية. ليس لأحد أن يتقدم فيها أو يتأخر، أو يتكلم أو يناقش أو يؤيد أو يستوضح إلا بأمر السادة أصحاب الإقطاعيات.
هذا كله وعليه مزيد، قد كرس انحطاطاً وانحداراً في كل مناحي الحياة وشؤونها، فانهار الاقتصاد، وندر الغذاء، وعم الجوع، وكثرت البطالة، وعانى العالم العربي من نقص الغذاء، إذ يعتبر منذ السبعينيات أكبر منطقة عجز غذائي في العالم، فماذا فعلت السلطات لحل هذه المشكلة، لقد زادت الطين بلة، فاستدانت حتى النخاع، وعجزت حتى عن دفع فوائد الديون فضلا عن سدادها، وانشغلت بجدولة الديون واستجداء تأخير الفوائد حتى الرمق الأخير. هذا في الدول الفقيرة.
أما الدول الغنية. فقد تلهت كثرتها بمالها و استوردت كل شيء حتى خبزها ونعلها ولباسها ولم تتوجه إلى الاكتفاء الذاتي حتى تنجو من أسر غيرها وتستطيع استخلاص قرارها وعزها، فمن لا يملك قوته، لا يملك قراره أو عزته.
يعاني العالم العربي من أزمة في المواصلات فمثلا كان العراق في الخمسينيات يملك شبكة سكة حديد لأكثر المحافظات، وفي السبعينيات لم يعد يملك سوى قطارين فقط.
يعاني العالم العربي من أزمة في الصحة وتخلف في التعليم والتكنولوجيا، أما عن حرية الصحافة والإعلام وحقوق الإنسان، وهجرة الكفاءات وضياع العقول، فكل ذلك يحتاج إلى حديث طويل لإلقاء الضوء على مصاب الأمة الفادح في هذا الجانب، هذا وغيره حمله أعداؤنا وشرقوا به وغربوا يعرضونه في تندر وسخرية على شعوب العالم ليبرزونا كمتحف للتأخر والانحطاط يتهمونه بتلويث الأجواء، ونشر العدوى، ونقل الأمراض المعدية إلى العالم المتحضر.
وهذا يقتضي تدخل العالم المتمدين لأن يأخذ على يديه ويتدخل لمنع الكوارث المحدقة بالبشرية، لأنه سيهلك نفسه ويهلك الناس بأفكاره البالية، وعقله الأهوج وأسلحته المدمرة دماراً شاملاً، وهمجيته التي لا نظير لها، فكان الاحتلال وكانت القنابل التي تلقى لهدم دوله وقتل الآلاف من أبنائه، وكل هذا عربوناً للإصلاح المنتظر، ولكنه لما تعثر هذا الغزو العسكري. وأصبح لا يؤدي الغرض المطلوب استبدل المخطط بآخر، وهو أن تنفذ كل أمة ما يراد منها مما يريده أصحاب المبادرات والقوى الاستعمارية وهي تعلم علم اليقين أن السلطات المراد لها أن تنفذ ما طلب منها من إصلاحات لن تنفذ هذه الإصلاحات لأسباب كثيرة.
إذن فما الغرض من هذه المبادرات؟ الغرض منها، إما أن تنفذ وهذا ما لا تريده الأنظمة، وإلا فليكن الخضوع لما يملى عليها حتى يرضى عنها هؤلاء، وهذا ما فهمته ليبيا، ونالت الرضا، وليس عندها شيء من هذه الإصلاحات أو في نيتها ذلك، ومن الغريب أن المبادرات الأمريكية جاءت بما يداعب تطلعات الشعوب، في محاولة لاستعداء الشعوب ضد حكامها، واستغلال تطلعها لتنفيذ ما تريد، وتكون بذلك قد وضعت السم في العسل.
والعجيب أن الخلاص من هذا المأزق سهل وميسور، لو خلصت النيات عند السلطات بأن تداعب هي آمال شعوبها وتطلعات الأمة، وتلتفت إلى إصلاح ما أفسدت وترميم ما هدمت فتجمع حولها الشعوب، وتسترد قوتها، وتكبت أعداءها، وحينئذ ستحملها الشعوب على الأكتاف وتكون عوناً لها لا عليها، وينخسف البغاة.
وقد أعجبني وأفرح المؤمنين قيام المرشد العام للإخوان المسلمين بمبادرة طيبة نبعت من رحم الأمة، وخرجت من نسمات القرآن وأريج السنة المطهرة، تقدم تصوراً رائعاً للإصلاح الذي ينبغي أن تلتفت إليه السلطات، وتأخذ به حتى تقطع الطريق على هؤلاء المغامرين والأعداء، وقد أصبح الإصلاح اليوم مطلباً وطنياً وقومياً وإسلامياً ملحاً في هذه الظروف الصعبة التي أحاطت وتحيط بالجميع في أرجاء وطننا العربي والإسلامي.
فهل تجد تلك المبادرة الأصداء اللازمة؟ وهل ينيري المخلصون في الأمة إلى التنفيذ؟ أم تأخذ بعض المتنفذين العزة بالإثم. وينضم إليهم بعض المثقفين الذين يعيشون على آلام أمتهم ويرتزقون من لحومها ودمائها بمصادقتهم للذئاب المتربصة بالأمة ومحاولتهم عقد الصفقات معها، لإيقاع الأمة كلها في براثنهم المفترسة، فيمثلوا بذلك الطليعة الملعونة، والخديعة المأفونة؟!
الكبش قام خطيباً فوق رابية *** ينعي على الذئب فتك الذئب بالغنم
فتمتم الذئب في أذنيه أنت على *** رأس القطيع أمير نافذ الكلم
فقبل الكبش ناب الذئب معتذراً *** عما رماه به من سالف التهم
وقال للشاء خوضوا وارتعوا معه *** من لاذ بالذئب منهم لاذ بالحرم
فإن تصب أحداً منكم مخالبه *** فإنه بلسم يشفي من السقم
فهل نظل أسرى هذه الكباش، أم تنطلق يحدونا الفهم والإخلاص إلى الإصلاح، وتغير أحوالنا حتى يغير الله ما بنا؟! وصدق الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11) نسأل الله السلامة، أمين، آمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل