; المافيا الروسية تخترق العالم العربي عبر إسرائيل | مجلة المجتمع

العنوان المافيا الروسية تخترق العالم العربي عبر إسرائيل

الكاتب عامر الحسن

تاريخ النشر الثلاثاء 18-أبريل-2000

مشاهدات 59

نشر في العدد 1396

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 18-أبريل-2000

■ قوتها المالية ٥ مليار دولار.. وقواعد انطلاقها من الكيان الصهيوني.. شبكات الدعارة.. تجارة المخدرات.. غسل الأموال

المخدرات، الجنس، المعدات العسكرية، عمليات غسل الأموال، والتزوير على نطاق دولي، مرادفات لأنشطة المافيا الروسية في إسرائيل ومنها لدول العالم العربي، وهو ملف غامض لم يسلط الضوء على خطورته بالشكل الكافي حتى الآن، في حماة الحديث عن مفاوضات التسوية في المنطقة، فما المافيا الروسية، وما طبيعة أنشطة هذا التنظيم المتعددة الأطراف، ومن القائمون عليه؟ يطمح هذا الموضوع للإجابة عن بعض هذه التساؤلات؟

المافيا الروسية، تنظيم إجرامي يستهدف القيام بمختلف الجرائم على مستوى محلي وإقليمي ودولي من خلال شبكات عنقودية غير مرتبطة بهيكل واضح، لكن بين أعضائها نوع متطور من الاتصالات والتنسيق بدأت في روسيا ووصلت إلى مرحلة تمكنت فيها من السيطرة على قطاعات مهمة في المؤسسات العسكرية والسياسية والاقتصادية بعلم الحكومة أو بدون علمها، واستطاعت أيضًا الاستفادة من ظروف انتهاء الحرب الباردة للتمدد والتغلغل في بقية أنحاء العالم ومنها العالم العربي من خلال إسرائيل وفي عصر ما يسمى بالعولمة وتشعب الاتصالات الإلكترونية صار لشبكات المافيا وجود فيما يزيد على ٦٠ دولة منها إسرائيل ومناطق السلطة الفلسطينية، ولبنان والعراق والأردن، وبعض دول الخليج، تحت شعارات وأسماء لشركات وبنوك وهمية أو حقيقية، وعلى الرغم من أن المافيا الروسية تفتقد لهيكلية المافيا الإيطالية من ناحية تماسك التنظيم، وإنما هي عبارة عن مجموعة عصابات مستقلة، إلا أن بين أعضائها اتصالات منتظمة وتنسيقًا، ويشرف عليها قادة معدودون، ومعروفو الهوية لدى قيادات هذه العصابات.

أنشطة المافيا الروسية

تمارس المافيا الروسية عملياتها الإجرامية واسعة النطاق على الساحة الدولية «من وراء الستار» من خلال  مشاريع تجارية واقتصادية معترف بها قانونًا، لكنها ذات أنشطة مشبوهة، ومن ذلك أن العديد من الشركات والمصانع التابعة للمافيا الروسية تأوي لديها عمالًا هربوا من روسيا ودخلوا حدود الدول المجاورة، والدول الأوروبية بصورة غير مشروعة، باستثناء إسرائيل التي تستقبل أعدادًا غفيرة من الروس المهاجرين من موسكو باعتراف وتشجيع القوانين الدولية، لدرجة أن من يفشل من الروس في الهروب للإقامة بإحدى الدول المتقدمة مثل الولايات المتحدة، يستخرج أوراقًا رسمية مزورة يدعي فيها بأنه يهودي كي يمكنه الدخول إلى تل أبيب ومنها يستطيع أن يبقى أو يخرج لأمريكا أو إلى أي دولة أوروبية، إسرائيل إذن، ضمن قوانين هجرة الروس اليهود الحالية تعتبر جسرًا أساسيًا لانتشار المافيا الروسية وعملياتها الإجرامية لبقية أنحاء العالم. 

وأما طبيعة أنشطة المافيا فتشمل غالب العمليات الإجرامية مثل: تهريب الأموال والمعدات العسكرية والثروات الطبيعية لخارج روسيا مستفيدة من ظروف الفوضى بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وفساد السلطة وتنازع القيادات فيما بينها، سيما قيادات السلطة العسكرية والسياسية وتشمل عمليات التهريب أيضًا كافة المعدات الإلكترونية والكومبيوتر، والسيارات بالإضافة لعمليات تهريب المخدرات على نطاق واسع، وبالنسبة للمخدرات، فإن مصادر المافيا من التصدير كانت تتمركز في جمهوريات آسيا الوسطى، بحيث تنافس جمهورية قرقيزستان مثلًا دولة مثل تايلاند في حجم ما تنتجه من المخدرات لدرجة أن كمية المخدرات المنتشرة في العالم زادت مرتين منذ سقوط الاتحاد السوفييتي، ومنذ سنة ۱۹۹۱م صارت روسيا مركز تجارة وتبادل الهيروين مقابل الكوكايين مع مستهلكين ومروجين من دول أمريكا اللاتينية، بواسطة قنوات وشبكات المافيا الروسية الموجودة في أمريكا اللاتينية. 

كما استفادت المافيا الروسية من ظروف انهيار المؤسسة العسكرية للاتحاد السوفييتي السابق في تهريب كميات كبيرة من المعدات العسكرية والأسلحة لدول مثل العراق وإسرائيل أو جماعات انفصالية أو متمردة ضد الدولة، كما في كولومبيا، وتعتبر المافيا الروسية المشرف الرئيس والمسؤول عن رواج السوق السوداء الروسية للأسلحة، حيث تمكنت من الاستيلاء على ما يزيد على ٣٠ ألف قطعة سلاح من بعض قطاعات المؤسسة العسكرية داخل موسكو، وعلى الأقل ضعف هذا العدد من المصانع العسكرية الروسية المعروفة، وبسبب نشاط المافيا في بيع الأسلحة التقليدية، التي تشمل رشاشات ومسدسات قديمة مثل طراز «AK- 47» وحديثة طراز «74U- AKS»، نشأت مخاوف أمنية لدى الكثير من خبراء العنف في العالم، تفوق مخاوفهم من تسرب أسلحة الدمار الشامل. فعلى الرغم من وجود أسلحة نووية وكيماوية وبيولوجية بوفرة في روسيا، إلا أن المافيا تعتبر أن عملية تهريبها للخارج لا تحقق مكاسب أو أرباحًا على المدى الطويل، فضلًا عن أنها لا تخلو من أخطار سياسية. 

أما أنشطة المافيا الروسية التي تتمثل في عمليات غسل الأموال، والتي تكاثرت من خلال المشاريع المشبوهة والممنوعة، فميسرة نسبيًا داخل روسيا بسبب سيطرة المافيا على العديد من البنوك حتى أنه يمكن اعتبار المافيا الروسية مسؤولة عن النصيب الأكبر من مجموع عمليات غسل الأموال التي تتم في العالم كل سنة وتقدر بنحو ٥٥٠ بليون دولار أمريكي، ومن خلال سيطرة المافيا الروسية على ربع عدد البنوك الخاصة في موسكو، ويسبب تغلغلها في النظام الاقتصادي الروسي وعلاقاتها مع المسؤولين ومع بنوك الدولة، فهي تقوم أيضًا بغسل الأموال كطرف ثالث لمنظمات وعصابات أخرى.

غسل الأموال..

ويذهب غالب العائدات من عمليات غسل الأموال في تمويل  مشاريع تجارية استثمارية مشروعة كنوع من التورية القانونية، وتشمل هذه المشاريع شراء أسهم وعقارات في دول صناعية مهمة، لأن أرباح العقارات غالبًا ما تكون مضمونة ولسبب أمني آخر وهو أن امتلاك عضو من أعضاء المافيا الروسية مجموعة من العقارات الاستراتيجية غالبًا ما يسهل عملية الحصول على حقوق المواطنة في هذه الدولة، أو يسهل عملية تجاهل الدول لطبيعة بعض أنشطة العضو المشبوهة ما دامت مشاريعه تدر دخلًا كبيرًا يدعم اقتصادها، ويحدث ذلك غالبًا في بعض الدول التي تكون بحاجة ماسة لبناء اقتصادها مثل دول حلف وارسو التي كانت تحت الغطاء الشيوعي حتى مستهل التسعينيات، وكانت على اطلاع بأنشطة المافيا الروسية داخل حدودها، إلا أنها تجاهلتها طمعًا فيما تدره أنشطتها المشبوهة على عمليات دعم للبنية التحتية للدولة. 

استفادت المافيا الروسية من قوانين هجرة اليهود الروس غير المقيدة إلى إسرائيل، في تعزيز مواقعها وامتداداتها السرطانية لدول العالم العربي ويسبب علاقة المافيا الروسية بإسرائيل ذهب الكثيرون إلى حد وصف المافيا الروسية بأنها تنظيم دولي يقوده اليهود تمامًا مثل الحركة الماسونية وبالرغم من أن عددًا من اليهود الروس يشكلون جانبًا من عضوية المافيا الروسية إلا أنهم يظلون حسب بعض التقارير أقلية وليس من السهل رفض أو قبول هذه المعلومة على ضوء صعوبة تحديد هوية أعضاء المافيا الروسية، خصوصًا أن العديد من الروس انتحل شخصية اليهودي كي يتمكن من الاستفادة من قوانين هجرة الروس إلى إسرائيل وذلك فرارًا من موسكو، ومن أوضاعها الاقتصادية المتدنية.

فبعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وجد الكثير من المجرمين الروس فرصة سانحة للاستفادة من الظروف العالمية الجديدة في تهريب الكثير من ثروات البلاد للخارج، نظير تحسين قدراته الاقتصادية، وتوسيع فرص إقامته في دول أخرى، وتمكن العديد من المجرمين من الاستفادة من الفرص المتاحة للهجرة، ومن بينها قانون سنة ١٩٥٠ الذي يعطي كل مواطن يهودي روسي حق الهجرة للإقامة في إسرائيل، وقد أدى ذلك إلى تدفق موجات من الهجرات اليهودية الروسية من مختلف المناطق التي كان يسيطر عليها الاتحاد السوفييتي السابق، وصل مجموعها فيما بين ۱۹۸۹ م حتى ۱۹۹۰م فقط ما يزيد على ٧٥٠ ألف يهودي، فيما شهدت سنة ١٩٩٩م ذروة تدفق المهاجرين الروس لإسرائيل وقد ضمت موجات الهجرة عددًا مؤثرًا وخطيرًا من أعضاء المافيا الروس الذين سرعان ما بدأوا في ممارسة أنشطتهم الإجرامية على مستوى إقليمي ودولي.

ولم تقتصر موجات الهجرة على اليهود الروس فحسب، وإنما ضمت مجرمين روسًا تمكنوا من تزوير هوياتهم الشخصية من خلال رشوة بعض ضباط الجوازات بمبالغ تصل إلى خمسة آلاف دولار أمريكي فقط ليكتسبوا الديانة اليهودية، ويستفيدوا من الحصول على تأشيرة دخول إسرائيل وقد يختار بعد ذلك هؤلاء المجرمون الإقامة في إسرائيل والتمدد بأنشطتهم المشبوهة إلى أنحاء العالم العربي، أو الهجرة إلى الولايات المتحدة أو أوروبا إذا خشي افتضاح أمره وتعتبر إسرائيل بلدًا آمنًا في عيون المافيا الروسية لافتقارها إلى قوانين صارمة تحظر ممارسة أنشطة مشبوهة مثل عمليات النصب والتزوير وغسل الأموال، فقوات الشرطة والاستخبارات الإسرائيلية ليست مشغولة بمتابعة وملاحقة قضايا الفساد الداخلية، وإنما مشغولة بملاحقة الفلسطينيين المنضمين لحركات إسلامية جهادية مثل حركة المقاومة الإسلامية «حماس» والذين تعتبرهم إسرائيل عدوها الرئيس، حتى أن مجرمًا روسيًا علق على هذا القصور قائلًا: «إن السلطات الإسرائيلية لا تعرف كيف تحارب الجريمة في الداخل» وهو ما تستفيد منه حتمًا شبكات المافيا الروسية ويشبه سيناريو وجود المافيا الروسية في إسرائيل وتمتعها بالحرية في ممارسة الإجرام بعيدًا عن سلطة القانون سيناريو تدفق موجات الهجرة اليهودية من جورجيا في السبعينيات، وكان من ضمنهم مجرمون مخضرمون في عالم الإجرام تمكنوا من إقامة شبكات واسعة ومتجذرة داخل المجتمع الإسرائيلي. 

ويلعب المهاجرون الروس دورًا سياسيًا في إسرائيل، تظهر دلائله في فترة انتخابات الحكومة والكنيست ولهم لوبيات سياسية واقتصادية قوية، تعقد من مسألة قدرة الحكومة على مطاردة المافيا الروسية، وتكسبها قدرًا من الحساسية، فعلى سبيل المثال، عندما تكلم وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي أفيجدور كهلاني عام ١٩٩٦م عن ظاهرة انتشار الجريمة المنظمة عن طريق المهاجرين الروس، هاجمه وزير التجارة والصناعة الإسرائيلي ناتان شارانسكي، وهو من أصل روسي هاجر إلى إسرائيل سنة ١٩٨٦م، هاجمه لأنه ربط بين الجريمة والمهاجرين الروس لكن شارانسكي لا يغير من الحقيقة شيئًا وهو أن المهاجرين الروس مكنوا المافيا من التواجد بقوة داخل إسرائيل منذ بداية التسعينيات تحت تسميات وتبريرات شتى تمكنت خلالها المافيا من تعزيز وجودها داخل شريحة المجتمع الإسرائيلي نفسه من خلال نشر شبكات الدعارة وتجارة المخدرات وعمليات التزوير وغسل الأموال والتورط في جرائم أخرى مختلفة، كما تمكنت المافيا من استغلال نفوذها الاقتصادي «الذي تقدر ميزانيته داخل إسرائيل بأكثر من 5 بلايين دولار أمريكي» من خلال عمل شبكات اتصال هائلة من مسؤولين وقيادات من المؤسستين السياسية والعسكرية وكان الوزير كهلاني قد أعلن في ١٩٩٦م عن وجود ما يزيد على ٣٥ من قيادات المافيا الروسية داخل إسرائيل، وأن ثلاثين منهم موضوعون تحت المراقبة فيما يقوم الآخرون بالسفر المستمر إلى أوروبا للتنسيق مع بقية شبكات المنظمة في الخارج.

المافيا الروسية في العالم العربي

لوجود المافيا داخل إسرائيل فإنه من الطبيعي أن تتمكن من دخول أراضي السلطة الفلسطينية، لاستكمال ممارسة عملياتها الإجرامية، مما حدا بالسلطة الفلسطينية لاتخاذ تدابير أمنية خاصة لمنع تغلغلها، حيث قامت في عام ١٩٩٦م بأول حملة تطهيرية ضد المافيا من خلال منع بناء فندق في مدينة حيفا كان من المفترض أن يضم ملهى ليليًا وصالة قمار بعد ثبوت تورط المافيا الروسية في تمويل هذا المشروع التخريبي الضخم، وقد أسفرت الحملة عن تقليص تحركات المافيا داخل الأراضي الفلسطينية، بحيث صارت محصورة في استقطاب بعض الفلسطينيين لبيع المخدرات بكميات كبيرة ونقلها لداخل العالم العربي أو إلى الدول الأوروبية.

كما تمكنت المافيا الروسية أيضًا من اختراق لبنان من خلال تمويل مشاريع فنادق وملاه ليلية وصالات قمار، وجميعها  مشاريع تخريبية الهدف من ورائها التستر والتعتيم، وغسل الأموال من عمليات تجارة المخدرات كما تشمل  مشاريع المافيا أيضًا جلب المخدرات وترويجها داخل لبنان أو تهريبها إلى سورية ودول عربية أخرى وأشارت مجلة «جينس انتجلنس ريفيو» وثيقة الصلة ببعض المصادر الاستخباراتية إلى أنه أمكن التعرف على وجود محدود للمافيا الروسية في دول عربية مثل الأردن وعمان ودبي والكويت، وتقوم المافيا باستغلال العلاقة التحالفية التقليدية بين دمشق وموسكو في استخدام سورية كقاعدة وسيطة لتهريب المخدرات غالبًا من خلال استقطاب مسؤولين سابقين في الاستخبارات الروسية كي جي بي أيضًا ظهرت في العراق حالات تدل على وجود نشاط واضح للمافيا الروسية من خلال تعاونها مع النظام العراقي في تهريب معدات عسكرية وقطع غيار من روسيا، بالرغم من القوانين الدولية للحظر العسكري المفروض على بغداد.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 118

96

الثلاثاء 19-سبتمبر-1972

نحو قصة هادفة "انفجار"

نشر في العدد 478

109

الثلاثاء 29-أبريل-1980

أمريكا وإيران والعراق

نشر في العدد 353

101

الثلاثاء 07-يونيو-1977

في الهدف(353)