العنوان الماضي والحاضر يؤكدان فشل دعوات القومية.. فلماذا يا عقيد؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 16-مارس-1999
مشاهدات 91
نشر في العدد 1342
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 16-مارس-1999
منذ انفراط عقد دولة الخلافة، والشعوب الإسلامية تهفو قلوبها نحو عودة الكيان الذي يجمع شتاتها، ويلم شملها، ويوحد كلمتها، لم تكن الوحدة مجرد حلم يداعب الأخيلة، ولكنها مطلب شرعي تفرضه العقيدة الواحدة، وتقويه المقومات المشتركة التي تجمع بين تلك الشعوب، وتعززه التجربة التاريخية المجيدة التي عاشتها الأمة، والتي حققت انصهارًا نادرًا في التاريخ البشري داخل بوتقة «وحدة العقيدة»، تضاءلت أمامه كل النزعات القومية والعرقية وغيرها.
وبعد التفكك الذي أصاب العالم الإسلامي على يد الاستعمار الأوروبي، وجه الغرب سعيه الحثيث نحو زرع كل ما يمزق أواصر الوحدة الدينية بين تلك الشعوب، فكان أن غذى الأفكار القومية والشعوبية، وأذكى هذه النزعات، وشجع معتنقيها ليكون ولاؤهم لها، وتعلقهم بها بدلًا من التعلق بالإسلام.
وفي الوقت الذي كان فيه الإنجليز والفرنسيون يقسمون العالم العربي حسب اتفاقية «سايكس- بيكو» كانت العاصمة الفرنسية باريس تستضيف المؤتمر العربي الأول عام 1913م، والذي تحدث فيه رئيس المؤتمر فزعم أن «الرابطة الدينية قد عجزت دائمًا عن إيجاد الوحدة السياسية».
وحاولوا أن يُلبسوا فكرة القومية طابعًا عقيديًّا، فقال أحدهم: القومية بالنسبة إلينا نحن القوميين العرب دين له جنته وناره، ولكن في الدنيا.
وقد عمد الاستعمار وأدواته من المنصرين وعملاؤه من الحاقدين تغذيهم اليهودية الماكرة، عمدوا إلى زرع وهم التناقض بين الإسلام والعروبة، وحولوا الدعوة إلى العروبة حربًا ضد كل ما هو إسلامي، فأقصوا الأحكام الشرعية عن القضاء، وسيطروا على مناهج التعليم ووسائل الإعلام، محاولين تحقيق مطلب القس زويمر- رئيس جمعيات التنصير الذي خاطب أعوانه بالقدس عام 1935م قائلًا: «مهمتكم أن تخرجوا المسلم من الإسلام؛ ليصبح مخلوقًا لا صلة له بالله».
انقضت فترة الاستعمار الغربي المباشر، فانسحبت الجيوش الأجنبية؛ لكنها هيأت الحكم في عدد من البلدان العربية للانقلابيين العسكريين الذين تولوا تنفيذ المخططات ذاتها بأساليب أخرى، وخلال قرابة نصف القرن الماضي شهدت المنطقة العربية العديد من محاولات الوحدة بين قطرين أو أكثر من الأقطار العربية.
وقد اتسمت هذه المحاولات جميعًا بالتسرع والفجائية في اتخاذ القرار، وكانت تهدف لتحقيق الدعاية السياسية للأنظمة المشاركة فيها، أو الكيد لأنظمة أخرى، أو إحراجها، ولم يكن لأي من تلك التجارب أساس عقيدي مستمد من رابطة الإسلام يحسن استخدام المقومات المشتركة بين الشعوب، ويعيد صهرها في بوتقة الإسلام، وكما جاءت تلك الوحدات سريعًا فقد انهارت سريعًا مخلفة وراءها الشعوب العربية، وقد تغشتها الحيرة والتخبط، لا تدري لماذا حدثت الوحدة ولا لماذا جرى الانفصال.
وقبل أيام عاد العقيد الليبي – صاحب أكبر عدد من مشاريع الوحدة الفاشلة - عاد ليطرح مطلب الوحدة مع مصر مقترحًا أن تبدأ الوحدة بالنفط والنيل، ثم شرح مطلبه في مناسبة أخرى بقوله: «إذا كان العرب يريدون القومية فعليهم إنشاء دولة عربية واحدة للتعامل مع عالم التكلات، كل القوميات لها دولة.. هناك الطورانية في تركيا، والكنفوشيوسية في الصين، والفارسية في إيران، والبوذية في الهند»!
والغريب أن العقيد الليبي يتحدث عن الكونفوشيوسية في الصين، والبوذية في الهند، وهاتان ديانتان وليستا قوميتين! وهو يقبل وحدة على أساس من ملل منحرفة ناقصة لا تتضمن تشريعًا سماويًّا محكمًا فيه كل ما يخص الإنسان في دينه ودنياه.. يقبل ذلك في الصين والهند، ولا يقبله لأمة الإسلام.
إن ما يجمع بين المسلمين أقوى مما يجمع بين الولايات الهندية التي تضم عشرات المعتقدات واللغات والثقافات، ولا تنتهي الحرب بين بعضها البعض حتى اليوم، كما أن مسلمي تركستان الشرقية أقرب إلينا منهم إلى النظام الشيوعي في بكين، وقد حاول الاتحاد السوفييتي السابق صهر شعوبه في قومية واحدة وأطرهم على عقيدة الإلحاد واللادينية لأكثر من سبعين عامًا ففشل فشلًا ذريعًا.
وها نحن نرى دول أوروبا تتخلى عن قومياتها طواعية لتكوين اتحاد قوي يسمح لها بمكان بين التشكيلات القوية القائمة في عالم اليوم، وبعد أن وعت كلمة المؤرخ الشهير أرنولد توينبي: «القومية لا تستطيع أبدًا أن توحد الإنسانية، بل إنها توزعها وتشتت شملها، ومن أجل ذلك ليس لها مستقبل».
إن الرابطة الإسلامية هي الرابطة الأساسية بل الوحيدة التي يمكن أن تجمع بين المسلمين ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]، «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر»، وبقية الروابط إنما هي روافد تصب في هذا التيار الرئيس.
ومن الطبيعي أن تحدث الرابطة أول ما تحدث بين البلدان المتجاورة... ولكن باعتبار أن ذلك يؤدي في النهاية إلى الوحدة الإسلامية الأشمل والأعم.
ويوم يقوم نظام على أساس من تلك الرابطة فإنه سيكون قادرًا – بإذن الله - على أن يبذ أي نظام آخر ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: 8].