العنوان المؤمِن في رحلة الحيَاة
الكاتب صالح الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 27-مارس-1979
مشاهدات 71
نشر في العدد 438
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 27-مارس-1979
الحياة رحلة قد تطول أو تقصر، ولكنها تبقى كذلك: رحلة تؤخذ لها الأسباب والمتطلبات، إلا أن كثيرًا من الناس يغفلون عن هذا المعنى، معتبرين الحياة نهاية آمالهم ومساعيهم، ويخيب ظنهم عند ساعة الأجل. أما المؤمن الذي أسلم وجهه لربه سبحانه، فيدرك أن له منزلاً وارفاً هانئاً لكنه بعيد، فيكون عون الله والتوكل عليه وتقواه زاد لمواصلة الطريق. فكيف يقطع المسلم هذه الرحلة الشاقة؟
• الشخصية المتميزة:
الحياة كثيرة الألوان والأشكال، فما هو مرئي في واقع الحس من اختلاف الألوان، يلمس انطباقه في واقع المعنويات، فنفوس الناس ذات أوضاع غريبة منها الهادئ الطيب، ومنها الشديد الشرس، ومنها المخادع ومنها القوي، وتبقى كذلك النفوس إلى أن تعتنق منهجًا يصوغ لها الحياة، فيكون هو الاعتقاد والسلوك، وفقراء أولئك الناس الذين نزل بهم القدم فيتبعون مناهج هشة ضعيفة، ليس لها من صلابة الرأي وقوة الحجة وثبات النفس أي جانب من ذلك، وتلك المناهج تصورات بشرية باطلة كالشيوعية والاشتراكية والقومية وغيرها، وقد تكون أفكارًا شائهة تعتمد طرقًا ملتوية في فهم الإسلام. والشخصية المتميزة وسط هذا الركام تلك التي تعتمد الإسلام منهجًا شاملًا يعلو كل منهج واعتقاد وتشريع وسلوك، لأنه دين الله رب العالمين.
وتتميز شخصية المسلم لارتباط سلوكه بالإيمان، وأمثلة ذلك واضحة في خطاب الله سبحانه للمؤمنين في كتابه العزيز يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الحج:77) ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم﴾ (البقرة:254)، كذلك تتمثل هذه المعاني في وصف المؤمنين ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ (الأنفال: 2-3) ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ (المؤمنون: 1- 3).
وأحاديث الرسول تبين هذه الصفات الطيبة منها «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء»، وبيانه عليه الصلاة والسلام الحسن الخلق من كون المؤمن يألف ويؤلف، وإن أقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا، وإن أكثر ما يدخل المرء الجنة تقوى الله وحسن الخلق، وتأمل الآيات والأحاديث ينير البصيرة وينقح الفكر ويهذب السلوك. ومن هذا الفيض الزاخر حديث ابن عباس في توجيه رسولنا الكريم له «يا غلام: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف» رواه الترمذي وقال حسن صحيح.
• المفاصلة والاستعلاء:
أدرك المسلم بثاقب بصره وبتوجيه الله سبحانه وبيان رسوله أن زاده تقوى الله تبارك وتعالى، وهذا الزاد الذي ناله فرقانًا يميز به الهداية من الضلال، والذي ينزل عليه السكينة حال الضيق والألم والذي يجعل حسبه الله، فلا يأبه بملمات الزمان، ولا يحفل بمضايقات الناس، هذا الزاد الذي يعزز المسلم به کیانه، أوقفه على رتبة عالية من الخير والنور هي المفاصلة والاستعلاء.. وما دام قد وجد أساس المفاصلة والاستعلاء وهو الإيمان، فأشواك الدرب وآلام الطريق تهون وتضعف ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران:139). وصور كثير تأخذ طابع الاستعلاء أهمها:
1- التجافي عن دار الغرور:
إن الذي يعقد أملاً أبديًا على الدنيا كمن يعيش أبدًا على قطعة ثلج تنحل وتذوب، أو على شمعة تحترق، إن كلًا منهما له أمد محدود وكذلك الحياة، فالتمسك بها تمسك بالغناء. قال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا﴾ (الكهف: 45) ، وليس من معنى التجافي عزلة الحياة والناس، ولكن الزهد والقناعة والرضا بما قسم الله وعدم التكالب على الملذات والزخارف، ذلك أن موضع السوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها.
2- لزوم الشريعة والابتعاد عن أهواء الضالين الجاهلين:
ومن الآيات البينات في ذلك قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الجاثية: 18).
﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ﴾ (الزمر:14- 15).
﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ﴾ (الأنعام:116).
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ (الكافرون:1- 2).
3- لزوم الطريق الواحد والجماعة:
قال سبحانه: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (الكهف: 28). وقال جل وعلا: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ (طه:131) . وتوجيه النظر بكلتا العينين إلى جهة واحدة سواء بالسلب أو الإيجاب دليل على لزوم الطريق الواحد، وأنه ليس للمؤمن طريق عين الخير والجنة وعين الشر والنار، وليس له خطوتان: رجل في الخير ورجل في الشر، إنه للخير كله ولا يجوز له غير ذلك، ومن معاني الخير في الثبات ما جاء على لسان عبد مؤمن وجد نفسه لله سبحانه بقوله: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَٰنُ بِضُرٍّ لَّا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِ* إِنِّي إِذًا لَّفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ (يس:22- 25) .
4- التميز الخلقي:
فالمسلم معروف بالاستقامة والاتزان، بعيد عن اللغو وفاحش القول، دقيق في أحكامه وتصرفاته.
• في مواجهة الأعاصير:
إذا ما نظر المسلم هنا أو هناك يرى اللهو وقد غطى الحياة، ويرى رؤوسًا ناطحة تدعو إلى المنكر جهارًا، وتدعو إلى الطاغوت ومخالفة شرع الله، ويرى التبجح المادي والكبرياء والغرور، يراه كأمر تزكم منه الأرواح لا الأنوف. فهل يأمن وهل يرقد له جفن ويهدأ له بال؟ إن الغضب لله، والاقتداء بالرسول يدعوه إلى المقاومة والمصاولة، ولكن بالحكمة وبالتي هي أحسن، فالعجلة والإقدام المرتجل لا يعد شجاعة، وإنما الأمر يحتاج إلى إمعان نظر وإلى تخطيط وفطنة، ولا يستطيع المسلم مقاومة هذا الزحام والضجيج من الأفكار والمذاهب الهدامة والنظم الحاكمة التي تعبث بمصائر الناس وحقوق الناس وحتى عقول الناس، وهل الأزمة إلا في العقول؟ حيث تاهت وضلت؟! لا يستطيع الوقوف والثبات أمام هذا الزحف الهائل الهائج إلا بأن يتغذى من الزاد الروحي، ففيه القوة والصلابة، وبه يشمخ المسلم عاليًا على الأوضاع المهترئة المهزوزة، كما شمخ من قبله ربعي بن عامر على أوضاع وزخارف رستم فارس، وكما استعلى حبيب على من صلبوه!؟ وأخبارهم ليست قصصًا ثقافية، وإنما نماذج ناطقة عمن مُلئ إيمانًا كعمار في قول الرسول فيه: «إن عمار ملئ إيمانًا إلى مشاشه»، والمشاش رؤوس الأصابع، بمعنى صار مؤمنًا كاملًا، على أنه يأتي بالدرجة بعد إيمان غيره من الصحابة كأبي بكر وعمر رضي الله عنهم أجمعين.
إن مواجهة ما يقف أمام المسلم ويعرقل سيره تحتاج منه إلى رحابة صدر وإلی إیمان عمیق، وإلى فكر مستنير بهدي الله سبحانه، وإلى جلسات مع كتاب الله وتبتل إليه سبحانه في ساعات من الليل والنهار، وإلى لسان رطب بذكر الله. ذلك أن شياطين الإنس لا يريدون تذكيرًا لأنهم تركوا الآخر، فيحرصون على دقائق الحياة في الشهوة والمتاع والملذات، وواجب المسلم أن يكون لهم مرصادًا، فرجاء الله كبير ورحمته واسعة، وكثيرًا ما يعقب الظلام نور.
• الخاتمة الحسنة:
مما يزيد المسلم حرصًا على مواصلة الطريق أن العاقبة للمتقين، وأنه لا يعلم ما الله فاعل به، فيعمل راجيًا ربه أن يدركه الموت وهو في حالة طيبة.
إن حرصه على الحياة الطيبة نتيجة شعوره أن الله يدافع عن الذين آمنوا وأن الغلبة له قال سبحانه: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (المجادلة:21) وفي الحديث القدسي: «من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب..». وإن العاقبة السيئة ليس له من تكفير، فلا يقبل منه يوم القيامة - إن هو أساء - ملء الأرض ذهبًا، وماذا يفيده إن خسر نفسه. وأمور أخرى تدعو المؤمن إلى أن ينتهي نهاية طيبة، وهو شعوره أن الله يناديه فينزل ثلث الليل الآخر قائلا سبحانه: «هل من مستغفر فأغفر له»، وفي ذلك اطمئنان له وشعوره بأن الله حسبه شرف له أي شرف!! وشعوره أنه عزيز عند الله ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون:٨) يكسبه عزة ما بعدها عزة!!
إن ترقب الخاتمة الحسنة هو أمل المسلم ومبتغاه، حيث يحل عليه رضوان الله وينال مثبوته والدار الآخرة.