العنوان المؤامرة وفضيحة كلينتون
الكاتب منير شفيق
تاريخ النشر الثلاثاء 01-سبتمبر-1998
مشاهدات 67
نشر في العدد 1315
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 01-سبتمبر-1998
دأب البعض على رفض أي إشارة إلى وجود مؤامرات في الحياة السياسية والدولية، وما إن يشار إلى مخططات تآمرية ضد العرب والمسلمين، أو إلى أي قضية حتى لو كانت جزئية، أو فردية، تفوح منها رائحة تآمر إلا وانبروا يصرخون هذه نظرية المؤامرة في تفسير التاريخ والأحداث السياسية، وأحياناً راحوا يسمون ذلك بتعليق أخطائنا ونواقصنا ومشاكلنا على مشجب الخارج، ووصل بهم الأمر أن ينكروا وجود المؤامرة والتآمر من حيث أتى، وبهذا تحولوا إلى الوجه الآخر للعملة نفسها، من حيث الإطلاقية ومعاندة التاريخ والوقائع.
وإذا كانت نظرية المؤامرة مخطئة تماماً، فإن تجريد التاريخ وكل وقائع الصراعات والأحداث من التآمر والمؤامرة سيكون النهاية المنطقية لوجهة النظر المعاكسة تلك، حين تغرق في الإطلاق، وتغلق الباب أمام دراسة كل حالة دراسة موضوعية، تفرز من ناحية ما هو اتجاهات تاريخية، أو صراعات سياسية، أو اجتماعية وثقافية وعقدية واقتصادية نابعة من السنن الحاكمة في حياة الأفراد والمجتمعات والدول والاتجاهات التاريخية، بما في ذلك تدخل الوحي والغيب، وتلك السنن، وما يدخل من جهة أخرى، في مجال المؤامرات والتآمر، وبهذا يصبح تفسير التاريخ والأحداث خاضعاً للسنن وموازين القوى ولا سيما عند تحديد الاتجاهات الأساسية التي طبعت التاريخ بطابعها، وقررت مصير الأحداث والوقائع الكبرى وهذا غير ما يحدث في الجزئيات، حيث يجد التآمر له مكاناً مرموقاً، أو مكاناً ما، أو لا يجد مكاناً، وفقاً لكل حالة.
هنا يستقيم الأمر بين غلوين على خطأ أكيد.
بعض الذين لم يكتفوا برفض أي حدث عن مخططات تآمرية دولية، حتى على مستوى وعد بلفور أو اتفاقات سايكس - بيكو السرية، نقلوا رفضهم إلى تبرئة كل السياسات الدولية التي تتعرض لها بلاد العرب والمسلمين في زماننا هذا من تهمة المخططات التآمرية، بل نقلوا رفضهم حتى إلى حالة فردية مثل مقتل عماد الفايد والأميرة ديانا، بالرغم من أن التحقيق دام أسابيع وشهوراً، وهو يبحث إن كانت ثمة مؤامرة، فيما جرى، وبالطبع ليس بالضرورة أن تكون ثمة مؤامرة أكيدة في هذه الحادثة، لكن لا يمكن للتحقيق أن يستبعدها، كما لو كانت حادثة سير عادية ولا يمكن أن يمتنع الكثير من الناس العاديين، في مصر خصوصاً، من إبداء الشكوك حول احتمال وجود مؤامرة ما، ولا سيما التاريخ الحديث يعج بجرائم واغتيالات تمت لقادة وشخصيات بارزة وكشف النقاب عنها ولم تعد في عالم الظن، لكن هؤلاء سلقوا الذين أبدوا شكوكاً، بألسنة حداد، واتهموهم بأنهم من أصحاب نظرية المؤامرة.
وحدث الأمر نفسه بالنسبة إلى الفضائح التي تلاحقت حول الرئيس الأمريكي كلينتون، بل صمت أولئك حتى بعد أن أعلنت هيلاري كلينتون أن زوجها يتعرض لمؤامرة يمينية، لكن بعد أن تطورت قضية علاقته بمونيكا لوينسكي إلى حد اعترافه بما سبق وأنكره، الأمر الذي راح يتهدده بالإقالة أو الاستقالة راحوا يتحدثون عن مؤامرة يتعرض لها كلينتون.
يبدو أن المنهج الغلط ينقل المرء من خطأ إلى خطأ كمن يمشي في الطين، فهو يرفع قدمه من طين ليضعها في الطين من جديد، وهذا ما حدث مع أولئك، حين تناولوا موضوع من الذي يتآمر على كلينتون؟، فقالوا: إنهم اليمين المسيحي، وأقصى اليمين الجمهوري والمتطرفون العنصريون مثل عصابات الكوكلوكس كلان، أي أنهم اختاروا قوى هامشية نسبياً، عدا اليمين المسيحي القوي المتحالف مع عدد من المنظمات الصهيونية، وهذا التحالف لم يذكر في تصريح هيلاري كلينتون، لأن ذكر أي دور لمنظمة صهيونية يدخل في المحظور، ولم يسألوا أنفسهم من وراء مونيكا لوينسكي، وهي ليست من اليمين الجمهوري ولا المسيحي، والكوكلوكس كلان، فقد كانت جزءاً من حزب كلينتون في معركته الانتخابية، والذين من ورائها كانوا بالضرورة مثلها ؟
طبعاً ثمة أطراف كثيرة منخرطة في التآمر على كلينتون، لكنه لماذا لا يُشار إلى الطرف الصهيوني، لا من قريب ولا من بعيد؟ ولماذا لا يسأل ماذا كان يعني نتنياهو حين هدد كلينتون بحرق البيت الأبيض، ويقال إنه هدد بحرق واشنطن على رأسه؟ أو لماذا لا يسأل على من كان يعتمد في إطلاق هذا التهديد؟ ثم لماذا أزكمت بعض الأنوف من أن تشم رائحة الحريق تنبعث من البيت الأبيض عندما كان كلينتون يعترف بإقامته علاقة غير لائقة بمونيكا لوينسكي؟
وأخيراً كيف يمكن أن يتعرض رئيس الولايات المتحدة لمخططات تآمرية، ويُنكر على بلاد العرب والمسلمين أن يُقال إنها تتعرض لمخططات تآمرية هنا أو هناك، أو بين الفينة والأخرى.