; المؤامرة مستمرة.. فمن يتصدى لها؟ لماذا الجامعة الأمريكية الآن؟ | مجلة المجتمع

العنوان المؤامرة مستمرة.. فمن يتصدى لها؟ لماذا الجامعة الأمريكية الآن؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 06-أكتوبر-1987

مشاهدات 73

نشر في العدد 837

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 06-أكتوبر-1987

• لماذا الاندفاع والحرص على صيانة مستقبل أخطر المؤسسات الصليبية التنصيرية في المشرق العربي

أوردت الصحف الصادرة في 25/ 9/ 1987 نبأ مفاده أن مجلس أمناء الجامعة الأمريكية في بيروت عقد اجتماعًا له في عمان تم خلاله مناقشة أوضاع الجامعة الأمريكية والقضايا الأمنية والمعوقات التي تواجه الجامعة.. وتقول صحيفة القبس: إن مجلس الأمناء بحث عرضًا أردنيًّا بنقل الجامعة الأمريكية إلى العاصمة الأردنية بسبب انقطاع الدراسة في الجامعة الأمريكية التي يترأسها الدكتور إبراهيم السلطي، وهو أردني.

لماذا ينبغي أن نولي هذا الموضوع اهتمامًا خاصًّا؟

أثبتت التجارب أن الصليبية واليهودية العالمية تستخدمان في حربهما على الشعوب الإسلامية سلاح التشكيك في عقائد الإسلام والطعن فيها، وأن ذلك التشكيك يعد من أبرز ما يستخدم لعزل المسلمين عن عقيدتهم من خلال برامج ومخططات مدروسة وطويلة الأمد. ولقد سبق للصليبية العالمية أن أقامت بموجب تلك البرامج عددًا من المؤسسات من أهمها: الجامعة الأمريكية في بيروت وذلك إبان فترة الاحتلال العسكري لديار الإسلام في المشرق العربي.. لتكون تلك المؤسسات مدخلًا للنفوذ الغربي وللتآمر على الإسلام من موقع متقدم داخل دياره بإشباع العقول الشابة بالمبادئ والقوانين والأساليب الغربية وصبغها بتلك الصبغة ليكون لها دور أساسي بعد ذلك في تحقيق الهدف المنشود لأعداء الإسلام، وهو تحويل وجهة الشعوب المسلمة عن الإسلام ونبذ مبادئه وقيمه.

والتعليم الجامعي يعد -دون شك- أهم الوسائل وأنجعها للوصول إلى تلك الغاية إذا ما تم صب الفكر الغربي في عقول الشباب مع شحنها بقدر هائل من الإفك ضد الإسلام، والحيلولة دون وصول الإسلام إليها بحيث يترتب على ذلك تخريج أعضاء بارزين في المجتمع ولكن بلا عقيدة ولا قيم ولا أخلاق، وكيف لا يتحقق ذلك عندما تقوم الجامعة باسم العلم والحضارة الحديثة بتلقين الشباب بأن الخمور والمخدرات والعلاقات الخبيثة لا صلة لها بالأخلاق العامة، وأن يدرس معلمون مدربون متمرسون لتلاميذهم أن التعلق بالإسلام ينافي روح العصر والتقدم والعلم.

وللأسف الشديد فقد وقع ما حذر من وقوعه دعاة مخلصون منذ أن أطلت المؤامرة ضد شعوب الإسلام برأسها وسيطرت الصليبية العالمية على التعليم في ديار الإسلام وحولت وجهته بفلسفته وأساليبه إلى الأنماط الغربية، فكان أن جنت الشعوب المسلمة من الثمار على أيدي نفر من أبنائها ممن صاغتهم الجامعة الأمريكية وغيرها من مؤسسات الإرساليات الصليبية، فأصبح الإسلام غريبًا عنهم ومنفرًا متخلفًا في نظرهم فكانوا -كما أريد لهم وربما أكثر- حربًا على دينهم وأوطانهم لا يشعرون بأدنى رابطة لهم بالإسلام ولا بقضاياه وشعوبه، وبذلك نجحت الإرساليات في تخريج معاول إفساد ممن يحاربون كل فضيلة ويناهضون كل إصلاح: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُون (البقرة: 11، 12) صدق الله العظيم.

وأخطر ما في شأن أولئك النفر أنهم يسيطرون على أغلب مراكز القيادة والتوجيه في المجالات التربوية والسياسية والعسكرية والاقتصادية والعلمية وغيرها.. يتفننون من خلال مواقعهم في محاربة شعوبهم وهي تهفو -مع تباشير الصحوة الإسلامية- إلى العودة إلى هويتها الإسلامية، وتشعر أن إبعادها عن هذه الهوية في العقود الماضية قد تم بسبب تسلط المنافقين المخادعين على مقدراتها ممن رضوا أن يحصلوا على مراكز في السلطة ثمنًا لتمكينهم القوى الدولية الباطشة من رقاب شعوبهم والتحكم في مستقبلها.

لقد رأينا أولئك الذين ارتضوا لأنفسهم اعتناق الأفكار الغربية ونبذ عقيدة الإسلام لا يبالون وهم خارج السلطة قليلًا أو كثيرًا بما يجري من خسف لشعوبهم، ويشاركون إن كانوا داخل السلطة فيما يحل بشعوبهم من بطش وتنكيل وتجويع وتقتيل وتشريد وحصار وخنق للحريات.. وتعطيل كامل للجهاد ضد من يحتلون الأرض المقدسة ويذلون شعبها.

وها هو البعض منهم يتحركون في اندفاع وتصميم وحرص بالغ على صيانة مستقبل أخطر المؤسسات الصليبية التنصيرية في المشرق العربي.

ولعله ينبغي علينا أن نعترف بأن الجامعة الأمريكية قد قطعت شوطًا بعيدًا في إنجاز الأهداف التي أنشئت من أجلها وكل ذي بصيرة يرى - كل يوم- النتائج الوبيلة لإقامة حصان طروادة في صورته العصرية وسط ديار الإسلام.

نعم.. لقد أوقعت الجامعة الأمريكية التخريب المتعمد في عقول أغلب الشباب المسلم ممن تلقوا تعليمهم على يديها. ألسنا نرى تلاميذ فيليب حتي وشارل مالك وقسطنطين زريق يتبوءون أخطر المراكز في أكثر بقاع البلاد الإسلامية. ولهذا يراد للجامعة الأمريكية أن تستمر في رسالتها التي تعمل لتدمير القيم العليا عند الشباب المسلم ومصداقًا لهذا القول فلقد رفضت الجامعة الأمريكية في بيروت كل العروض المقدمة من بيروت الشرقية لاستضافتها هناك، فالشباب المسلم هو ميدان عملها.

ما هي الجامعة الأمريكية في بيروت؟

تأسست الكلية السورية الإنجيلية «الجامعة الأمريكية اليوم» في بيروت عام ١٨٦٥، وعينت الإرسالية الأمريكية البروتستانتية القس دانيال بلس رئيسًا لها، حيث ألقى خطابًا في إحدى كنائس نيويورك بمناسبة اختياره لهذا المنصب أكد فيه حاجة الشرق الأدنى إلى أطباء وإلى تعليم ديني تكون التوراة فيه كتاب تدريس دائم. أما عمل الكلية -في تصوره- فيجب أن يكون وضع كتب مسيحية تساعد على الاتصال بملايين الناس في آسيا وإفريقيا «مناطق النفوذ الاستعماري» وعلى إسباغ النعمة المسيحية عليها. كما أعلنت الإرسالية أن الكلية هي مؤسسة بروتستانتية وأنها مصممة على إضفاء الطابع التبشيري عليها وعلى أن يكون كل أستاذ فيها مبشرًا مسيحيًّا.

وفي عام ۱۹۰۹ احتج الطلبة المسلمون على إجبارهم على الحضور إلى الكنيسة، فاجتمعت إدارة الكلية وأصدرت منشورًا جاء فيه: «إن هذه كلية مسيحية أسست بأموال شعب مسيحي وأقيمت لتوجد تعليمًا يكون الإنجيل من مواده لكي تعرض منافع الدين المسيحي على كل تلميذ، وهكذا نجد أنفسنا ملزمين بأن نعرض الحقيقة المسيحية على كل تلميذ، وأن كل طالب يدخل إلى مؤسستنا يجب أن يعرف مسبقًا ماذا يطلب منه».

وأعلن مجلس الأمناء أن الكلية لم تؤسس للتعليم اللاديني ولا لبث الأخلاق الحميدة، ولكن من أولى غاياتها أن تعلم الحقائق الكبرى التي في التوراة وأن تكون مركزًا للنور المسيحي وللتأثير المسيحي، وأن تخرج بذلك على الناس وتوصيهم به.

وحتى عام ١٩٢٢ كانت الجامعة الأمريكية لا تزال تصر على تعليم التوراة لطلابها حيثما تسنح الفرص.

ويقول بنروز رئيس الجامعة الأمريكية لدى تنصيبه رئيسًا لها عام ١٩٤٨: «إن الدلائل قد أثبتت أن التعليم هو أثمن وسيلة استغلها المبشرون الأمريكيون في سعيهم لتنصير سوريا ولبنان، ومن أجل ذلك كان اختيار رئيس الجامعة من مبشري الإرسالية البروتستانتية».

فهل -بعد هذا الوضوح- يمكن لأحد أن يماري في أن للجامعة الأمريكية رسالة تؤديها وأن لهذه الرسالة غاية واضحة المعالم وهي تهيئة البلاد العربية للتبعية للنظم الغربية وعزلها عن أي تأثير للإسلام!

العرب وأمريكا

إن تاريخ العلاقات العربية الأمريكية حافل بالمواقف العدائية من جانب الولايات المتحدة مما لا يمكن تفسيره إلا بالحقد الصليبي والكيد الكافر الذي يملي عليها تلك المواقف، ولطالما مد حكام العرب أيديهم لأمريكا وفتحوا ديارهم وقدموا ثروات أمتهم لها في الوقت الذي لم يجدوا منها -ولن يجدوا- سوى الصلف والعنجهية وكأنها تعامل جماعة من المتخلفين عقليًّا.

فبعد الحرب العالمية الأولى حمت أمريكا تنفيذ وعد بلفور بالشراكة مع بريطانيا؛ وهو الصك الذي استخدم لاقتلاع الشعب الفلسطيني المسلم من دياره.

وفي أواخر أيام الحرب العالمية الثانية قابل الرئيس روزفلت الملك عبد العزيز آل سعود في مصر في فبراير ١٩٤٥، وكان أول مطلب لروزفلت هو السماح لعائلات يهودية بإقامة مستعمرات صهيونية في ضواحي المدينة المنورة، ملوحًا بأنه سيقدم ثمنًا لذلك عشرات الآلاف من الجنيهات الذهبية إن حاز مطلبه القبول، وكانت الجزيرة العربية وقتها تعاني من ضائقة اقتصادية شديدة.. ولقد رفض الملك عبد العزيز رحمه الله آنذاك مجرد مناقشة الأمر.

ثم جاء دور ترومان في إقامة دولة اليهود عام ١٩٤٨وما لحق ذلك من تاريخ حافل بالتمكين والدعم لليهود بالأموال والأسلحة والنفوذ والضغط الدولي والتصدي لكل الحقوق العربية مما يعرفه كل صغير وكبير، ولا حاجة لنا لإعادة سرده... حتى وصلنا مع أمريكا قبل أيام إلى قيامها بإغلاق مكتب إعلام منظمة التحرير في واشنطن؛ رغم أن المكتب يسعى لعرض وجهة النظر العربية بإمكانات هزيلة جدًّا بما لا يغني من الحق شيئًا، فالمسألة لم تكن في يوم من الأيام مسألة شرح عدالة الحقوق العربية! وأنهم يعرفون ذلك؛ لكنه الحقد والكراهية التي لا حدود لها.

والعجيب أنه بعد إعلان إغلاق مكتب الإعلام الفلسطيني لوح ممثل العرب في الأمم المتحدة الدكتور كلوفيس مقصود بأن ذلك سوف تنعكس آثاره على المصالح الأمريكية في المنطقة العربية.

لماذا الجامعة الأمريكية الآن؟

ولنا أن نتساءل: هل فتح الجامعة الأمريكية في عمان وإنقاذها من أزمتها الحالية في لبنان هو إحدى هذه الانعكاسات التي ألمح إليها ممثل الجامعة العربية؟

ويحق لنا أن نعجب -في زمن كله عجائب- كيف مر تدمير جامعة بيروت العربية قبل بضعة أشهر ونسف بناياتها والتفجير المتعمد للمختبرات العلمية بها بما تتجاوز خسائره ۲۰ مليون دولار -حسب تقديرات الصحافة وقتئذ- ولم يتحرك أحد لإنقاذ هذا الصرح العلمي العربي.

لكنها المؤامرة... لا تزال مستمرة وعلى مختلف الأصعدة وكافة الميادين، فمن يتصدى لها؟!

الرابط المختصر :