; المأساة في عامها السابع: الخميني هل ينهي المأساة | مجلة المجتمع

العنوان المأساة في عامها السابع: الخميني هل ينهي المأساة

الكاتب عبد الرحمن الناصر

تاريخ النشر الثلاثاء 16-سبتمبر-1986

مشاهدات 67

نشر في العدد 783

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 16-سبتمبر-1986

حين بدأت الحرب العراقية- الإيرانية لم يكن يدور في خلد أي إنسان أن تتحول هذه الحرب إلى مأساة إنسانية تتتابع فصولها الدامية شهرا بعد شهر وسنة بعد أخرى.. ولم يكن هناك من يظن أن هذه الحرب ستدخل نفقا مظلما بدايته معروفة ونهايته مجهولة.. وما من أحد كان يعتقد أن تلك المعارك الحدودية التي اندلعت بين العراق وإيران في سبتمبر عام ۱۹۸۰ ستتحول إلى مجزرة تحصد الأنفس والأموال وتضع العالم الإسلامي بأسره على حافة الانهيار الشامل..

ومع دخول هذه الحرب المأساوية عامها السابع يتكرر السؤال الذي كانت الأمة تطرحه مع بداية كل عام من أعوام تلك المجزرة.. من يوقف هذه المأساة.. وكيف.. ومتى؟

الرفض الإيراني المستمر

رغم مرور تلك السنوات من عمر الحرب ورغم رفض القيادة الإيرانية لكل المبادرات والنداءات الخاصة بالجنوح إلى السلم فإننا لم نقطع الأمل في أن تستجيب هذه القيادة يوما ما لتلك النداءات وتتجاوب مع الرغبة الملحة التي يبديها العالم الإسلامي بكافة هيئاته ومؤسساته الرسمية والجماهيرية في إيقاف الحرب.. إلا أن مطلع العام السابع للحرب كان قاطعا لهذا الأمل ومتجاوزا لتلك الرغبة ووضح ذلك من خلال الهجوم الذي شنته القوات الإيرانية في بداية شهر سبتمبر في المناطق الشمالية من العراق، والهجوم الذي شنته على أحد الموانئ النفطية العراقية في منطقة رأس البيشة.. ورغم ما أذاعته وكالات الأنباء حول فشل الهجوم الذي أطلقت عليه القيادة الإيرانية اسم (كربلاء ٢) فإننا نعتقد أن الهجوم كان عبارة عن رسالة عسكرية موجهة من القيادة الإيرانية للإعلان عن تصميمها على مواصلة القتال.. كما كان خطاب رئيس الجمهورية الإيرانية علي خامئني الذي ألقاه في مؤتمر دول عدم الانحياز الذي انعقد في مدينة هراري عاصمة جمهورية زيمبابوي الإفريقية عبارة عن رسالة سياسية حيث ضمن خطابه رفض القيادة الإيرانية القاطع لقبول أية مبادرة لإيقاف الحرب بين العراق وإيران.. وكان خامئني بذلك يقطع الطريق على أية مساع يمكن أن يقوم بها مؤتمر عدم الانحياز من أجل إيقاف الحرب وإحلال السلام..

والرسالتان الإيرانيتان السياسية والعسكرية اللتان تزامنتا مع بداية العام السابع لمأساة الحرب الخليجية تؤكدان على استقرار منهج الرفض داخل عقلية القيادة الإيرانية.

لماذا ترفض إيران؟

إن الرفض الإيراني المستمر لأية محاولة لإيقاف الحرب وإحلال السلام يعني أن هناك أسبابا في غاية الأهمية تدفع القيادة الإيرانية نحو القتال المستمر.. ويمكن حصر تلك الأسباب من خلال استقراء الأوضاع الإيرانية..

طبيعة المنهج الذي يوجه القيادة الإيرانية دفعت هذه القيادة إلى ربط الحرب باستراتيجيتها ومنهجها ولذلك فإن مجرد التفكير في إيقافها يبدو وكأنه محاولة من هذه القيادة للتخلي عن ذلك المنهج وتلك الاستراتيجية.. والمسميات التي تطلقها القيادة الإيرانية على هجماتها مثل كربلاء واحد وكربلاء٢... إلى غير ذلك من المسميات ذات الطابع العقائدي تؤكد على هذا المنحى..
- سيطرة بعض الأحلام التاريخية على عقلية تلك القيادة تدفعها إلى الإصرار على مواصلة القتال بهدف تحقيق هذه الأحلام..

- المتاعب التي تواجهها القيادة الإيرانية في الداخل يدفعها إلى توجيه أنظار الجماهير للخارج ولذلك كان الاستمرار في الحرب.

- الخلافات المستمرة بين الجيش النظامي الإيراني كقوة لها تقاليدها وطبيعتها الخاصة وبين الحرس الثوري الذي يعتبر القوة المباشرة لمساندة النظام..

- الأوضاع الاقتصادية المتدهورة نتيجة الانخفاض الحاد في أسعار النفط وانخفاض الصادرات النفطية.. إضافة إلى الإنفاق العسكري الكبير.. وهذه الأوضاع تنعكس سلبا على الجماهير الإيرانية..
- الأوضاع الاجتماعية الناتجة عن إفرازات الحرب المستمرة حيث تقدر الخسائر البشرية للحرب بما يزيد على المليون قتيل وجريح وأسير.. الغالبية من الإيرانيين.. وهذا يعني مئات الآلاف من الأرامل والأيتام.. و..

ولذلك فإن إصرار القيادة الإيرانية على الاستمرار في الحرب ما هو إلا ورقة رابحة في يدها تدفع عنها كل المتاعب والمشاكل التي تواجهها في الداخل..

الآثار المأساوية للحرب

ما نظن أن حربًا جرت في منطقة العالم الإسلامي وحتى في معظم أنحاء العالم -إذا ما استثنينا الحربين العالميتين- قد أفرزت آثارا مأساوية كتلك الآثار التي أفرزتها ومازالت تفرزها الحرب العراقية- الإيرانية.. وما من مقال نشرته المجتمع عن هذه الحرب إلا واستعرضت خلاله بعضا من هذه الآثار وتكرار هذا الاستعراض إنما يهدف إلى وضع الصورة المأساوية أمام أعين الجميع بمن فيهم أولئك الذين يملكون زمام الأمور في إيران علهم ينظرون إلى تلك الحقيقة البشعة بعقولهم فتمتد أيديهم إلى عجلتها ليوقفوا دورانها الذي طال أمده.

1- الخسائر البشرية التي زادت عن مليون شخص بين قتيل وجريح، وهذا العدد الكبير يفوق مجموع الخسائر في أكبر حربين وقعتا في العالم -باستثناء الحربين العالميتين- وهما الحربان الكورية والفيتنامية وأيضا تزيد كثيرا عن كل الحروب التي جرت في منطقة الشرق الأوسط..

2- الخسائر الإنسانية التي تنتج عن ذلك العدد الكبير من الخسائر البشرية.. وهذه الخسائر أبعد أثرا في المجتمع من الخسائر البشرية لأن آثارها في المجتمع تستمر إلى سنوات طويلة.. فالترمل واليتم والتشرد، والحاجة و.. تبقى آثاره ونتائجه من أكثر المعوقات أهمية لدى أي مجتمع إنساني..

3- الخسائر الاقتصادية: فسنوات الحرب الطويلة أكلت الأخضر واليابس في إيران والعراق.. ورغم أن البلدين هما من البلدان المنتجة للنفط فإن القتال المستمر بينهما استهلك واردات النفط بأكملها وترتب على ذلك توقف المشاريع الاستثمارية التي كانت قائمة قبل سنوات الحرب، وأيضا توقفت الدولتان عن إنشاء المشروعات التنموية خلال سنوات الحرب نظرا لأن الأولوية في الإنفاق أصبحت للمجهود الحربي.. والخسارة المالية خلال سنوات الحرب زادت عن الألف مليار دولار.. هذا بالنسبة للدولتين المتحاربتين، ولابد هنا أن نشير إلى أن الآثار الاقتصادية امتدت إلى الدول المجاورة أيضا وإلى العديد من الدول العربية الأخرى نتيجة الإنفاق العسكري ونزوح الأموال بعيدا عن الخطر وارتفاع أسعار السلع المختلفة بسبب ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وانخفاض مستويات المساعدات المالية التي كانت تقدمها الدول النفطية..

4- انقسام العالم الإسلامي: فاستمرار الحرب سوف يؤدي إلى ما هو أبعد من الانقسام السياسي الذي توضحه صورته من خلال وجود معسكرين سياسيين أحدهما يقف إلى جانب العراق والآخر يقف إلى جانب إيران.. والذي نخشاه أن نجد الانقسام الطائفي قد تجاوز الانقسام السياسي وهذا من شأنه أن ينعكس على الأفراد والدول ومن ثم يؤدي إلى انهيار العالم الإسلامي..

5- احتمالات التدخل الأجنبي: ونعني بذلك توافر إمكانية عودة الحركة الاستعمارية للمنطقة من جديد من خلال ما تدعيه الدول الكبرى من وجود تهديد للأمن الدولي أو من خلال تأمين خطوط الملاحة الدولية وضمان تدفق النفط أو حتى تأمين الحماية..

6- ضياع القضايا الإسلامية: حيث إن انقسام العالم الإسلامي من شأنه أن ينعكس سلبا على وجود أية إمكانية لنصرة القضايا الإسلامية ودعمها.. وخاصة القضيتان الإسلاميتان الرئيسيتان الفلسطينية والأفغانية والملاحظ أن هاتين القضيتين تضررتا ضررا بالغا نتيجة استمرار الحرب العراقية الإيرانية.

وبعد ذلك كله يحق لنا أن نصرخ في وجه الجميع من يوقف هذه المأساة.. وكيف؟ ومتى؟

الرابط المختصر :