العنوان الليبرالية.. وقمع الآخر
الكاتب منير شفيق
تاريخ النشر الثلاثاء 16-يونيو-1998
مشاهدات 72
نشر في العدد 1304
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 16-يونيو-1998
هنالك من يكثرون الكتابة في نقد الأصولية، وهم ينقلون المصطلح الغربي الذي يحمل معنى سلبيًا، ولا يلحظون أن اتهام إسلامي بالأصولية، أمر لا ينكره، بل يدَّعيه، لأن المعنى الإسلامي للكلمة يشير إلى العودة إلى الأصول أو اعتماد الأصول في الاجتهاد والفقه.
على أن مجاراة العيار حتى باب الدار أمر لا مفر منه، كما يبدو، لأن انتشار استخدام المصطلح بمعناه الغربي أخذ يزداد يومًا بعد يوم بسبب ازدياد نفوذ أولئك الكتاب في الصحف العربية الكبرى، لكن مع ذلك لا يسهل أن تعثر على تعريف جامع مانع للأصولية التي ينقدونها، وما عليك إلا أن تبحث المقصود منها، وإن كان ذلك معقدًا في أحيان كثيرة لا سيما حين يتحدث بعضهم عن الأصولية الماركسية والأصولية القومية، والأصولية الدينية ووضعهم تحت جامع واحد وذلك بانطلاق الوعي الأصولي المشترك بينها من انغلاق الوعي الذاتي على ما يعتقد الحق المطلق والتعصب لهذا النوع من الاعتقاد بما يؤدي إلى عدم التسامح مع المختلف والمغاير.
لنطبق هذا الحكم على أرض الواقع من خلال تقديم نماذج واقعية عليه، فعلى سبيل المثال هل يدخل الصحابة -رضي الله عنهم- أو علماء الأمة من التابعين وتابعي التابعين في إطار تعريف الأصولية؟
فلو أخذنا مثلًا أبا حنيفة أو مالكًا، أو أحمد بن حنبل أو الشافعي وغيرهم وغيرهم، وتابعنا فكرهم وسيرهم فهل نجد انغلاقًا في الوعي الذاتي، أو أن الواحد منهم يعتبر أن ما يطرحه من رأي أو اجتهاد هو الحق المطلق الذي يدفع إلى التعصب بما يؤدي إلى عدم التسامح مع المختلف والمغاير؟
وإذا جئنا إلى العصر الحديث فهل يمكن أن يضرب لنا هؤلاء مثلًا حيًّا عن عالم أو علماء يقولون إن رأيهم هو الحق المطلق ويتصرفون بتعصب على الصورة الموصوفة؟ وهل يمكن أن يضربوا مثلًا على ذلك من فكر قيادات العمل الإسلامي، وفي مقدمتهم الإمام حسن البنا؟
والسؤال: هل ثمة فارق بين أن يعتقد المرء بصوابية رأيه ويدافع عنه بقوة من جهة، وبين أن يكون متعصبًا يعتبر رأيه الحق المطلق لا يحتمل الخطأ من جهة ثانية؟
لنفترض أن هنالك بعض الأفراد أو بعض الجماعات يتصرفون من قناعة ينطبق عليها ذلك الوصف فهل يستحق الأمر أن يشار إليهم؟ وهل يستحق الأمر أن يعمم موقفهم على التيار الإسلامي أو التيار القومي التيار الماركسي فيقع التمييز بين المتعصب التعصب الأعمى لرأيه والمعتقد بصوابية رأيه ويدافع عنه بقوة.
هذا التمييز على الرغم من دخوله في إطار العلم والضرورة والاستقامة، إلا أن ثمة إصرارًا عجيبًا على التحدث عن الأصولية وأساسًا الإسلامية، وأقل منها القومية بخلط الأوراق ووضع الجميع في سلة واحدة، لأن مراعاة العلم والضرورة والاستقامة هنا ستفرض على أولئك أن يفرزوا بين الاتجاهات الآخذة بالمرجعية الإسلامية أو المنتسبة إلى القومية العربية، وعندئذ يسقط بأيديهم لأن نقدهم لا يستهدف المتعصبين الفعليين بالأساس وإنما يريدون ضرب الآخرين بجريرتهم.
وإذا ما استقرت التهمة على الجميع، أي التعصب للرأي إلى حد اعتباره الحق المطلق وعدم التسامح مع المخالف والمغاير انتقلوا إلى تعزيزها بتهمة القمع الفكري أو القمع الجسدي إن كانت في خدمة دولة تسلطية تمارس العنف.
وهنا يكثر الاحتجاج على كل إشارة إلى تهم العمالة، أو الخيانة المرادفة في القاموس الديني برأيهم إلى تهم الضلالة، والتكفير؟ ويبدو الآن أن ثمة حملة على الذين يدعون إلى ثقافة وطنية معادية للنزعة الكوزموبوليتية الثقافة العولمية اللا وطنية، ويعتبرون ذلك نزعة أصولية جديدة تعادي كل من ليس معها ويختلف وإياها.
لو قبلنا بقاعدة مبدئية في الحوار تشدد على مناقشة محتوى الأفكار مناقشة علمية، وبروح ودية إن أمكن بعيدًا عن التشكيك والاتهام، فهل يحتمل ذلك أولئك الذين ينقدون الأصولية على تلك الطريقة؟ إن هؤلاء لا يلحظون أنهم حين يتحدثون عن الأصولية والاعتقاد بأن رأيك الحق المطلق هو ما يفعلونه بالذات وبصورة مضخمة ومنتفخة إلى أقصى الحدود، إنهم يصدرون الأحكام في كتابتهم بلا أي تردد ولا تحفظ، ولا يستخدمون حتى ربما وقد وعسى ولعل.
ولا يلحظ هؤلاء حين يضعون كل «الأصوليات» في سلة واحدة ويتهمونها بممارسة الإرهاب الفكري والقمع بكل ألوانه، والعنف بأشد أشكاله أنهم يطلقون تهمًا ربما كانت في محتوياتها أشد من تهم العمالة أو الضلالة، أو على الأقل هي من العيار نفسه.
إذا كان أولئك يبحثون عن أصول القمع والإرهاب والعنف والتعصب وعدم التسامح، فلن يجدوا أبدًا امتدادًا لذلك في المرجعية الإسلامية أو في الأصولية الإسلامية بمعناها الفقهي، وإنما سيجدونها، فيما يمكن أن يجدوها فيه في ليبراليتهم التي تنطلق من العداء للأصولية، وهي في بلادنا العداء للمرجعية الإسلامية بالضرورة، الأمر الذي يضع بصمات التعصب والقمع والإرهاب الفكري والدعوة إلى العنف في تلك الليبرالية منذ الولادة، فما لم تعترف الليبرالية بحق أوساط واسعة من الأمة بأن تحمل المرجعية الإسلامية وتتشكل على أساسها كتيارات واتجاهات وحركات وجمعيات، فإن الليبرالية بالضرورة، ومنذ الولادة في خانة التعصب والقمع والإرهاب الفكري.
وأخيرًا لولا الخوف من الوقوع باللعبة نفسها في خلط الأوراق لما كان أسهل من الحديث عن أصولية الأشد تطابقًا مع التعصب والقمع ورفض الآخر.
(*) كاتب ومفكر إسلامي فلسطيني.