العنوان المجتمع الثقافي (العدد 1891)
الكاتب حسين مسار حسين
تاريخ النشر السبت 27-فبراير-2010
مشاهدات 65
نشر في العدد 1891
نشر في الصفحة 44
السبت 27-فبراير-2010
اللغة العربية في أفريقيا وعقبات النهوض
د. حسين مسار حسين
- الهجرة إلى الحبشة كانت أول لجوء سياسي ومنذ ذلك العهد ظل التواصل قائمًا بين العرب وأفريقيا.
ضاقت فرنسا ذرعًا بالتقدم المتسارع للغة العربية في تشاد أمام ثقافتها الفرنسية، التي أرادت لها أن تسود بصفتها المستعمرة السابقة مما يدعو للتساؤل: هل استقلت تشاد فعلا عن فرنسا؟ والجواب: إن الشعب التشادي بطبعه مستقل، وهو ينفر من أية وصاية أجنبية عليه لكن الطامة الكبرى في النخب التشادية المثقفة التي تربت في أحضان الاستعمار وأصبحت وكيله المعتمد.
نحن لسنا ضد اللغة الفرنسية كلغة بل نحب الانفتاح على ثقافات الآخرين من باب اكتساب الفنون والعلوم وغيرها، لكن لكل أمة شخصيتها الحضارية التي لا تكاد تنفك عنها، فالتشاديون مهما تكالبت عليهم القوى الاستعمارية القديمة والجديدة يبقون كما هم بفطرتهم وانتمائهم الحقيقي لمحيطهم العربي والإسلامي واعتزازهم بأفريقيا هذه القارة العربية المقبلة، كما وصفها بعض المفكرين ليس من باب التمني إنما لما تشهده من نهضة عربية ناشئة من اعتزاز الأفريقي بماضيه العريق، فالأوروبيون قدموا إلى أفريقيا عبر السفن والشركات الاستعمارية عابرة القارات من أجل الظفر بخيراتها.
أول لجوء سياسي
أما العرب فقد أتوا بتجارتهم ويحملون معهم أعظم رسالة للعالمين، ولم يكن ذلك من محض الصدفة، بل بتوجيه نبوي كريم حيث قال: «اذهبوا إلى الحبشة، فإن بها ملكا لا يُظلم عنده أحد»، فأول لجوء سياسي للمسلمين كان في أفريقيا، ومنذ ذلك العهد وقبله ظل التواصل ممتدًا بين العرب وأفريقيا، وعُزز بالهجرات العربية عبر القوافل التجارية، وقد حظيت تشاد بنصيب وافر من هذه الهجرات لترسم حضارة ضاربة الجذور، تتمثل في الممالك الإسلامية التي كانت تحكم تشاد، وتخضع تحت سيطرتها مساحات شاسعة من أفريقيا أضعاف أضعاف حجمها الحالي لما يعرف قديمًا بتشاد بمفهومها التاريخي، وأرست قواعد العلاقات دولية وتجارية وثقافية، يكاد لا يعلم الكثيرون أن تشاد قد أنشأت رواقًا علميًا في القاهرة بمنطقة ابن رشيق لتعليم طلبة العلم من أفريقيا المذهب المالكي، ومازالت الممالك التشادية تحتفظ بأوقاف لها في مكة المكرمة والمدينة المنورة لما كان يقوم به سلاطين تشاد من أدوار دينية وثقافية، منها كسوة الكعبة المشرفة وتسهيل سفر الحجيج من أفريقيا إلى الديار المقدسة ومن آثار هذا المجهود العظيم مازالت كثير من الجاليات الأفريقية تحتفظ بأحياء باسمها في العاصمة التشادية أنجمينا، كـ «الحي السنغالي» و «حظيرة هوسا» (قبائل نيجيرية).
أين الجهود العربية؟
الشيء المخزي أن ما تواجهه اللغة العربية في تشاد من تحديات لا تكاد تجد من يدافع عنها إلا أصحاب الضمائر الحية حيث ضاقت فرنسا ذرعًا من المؤسسات التعليمية العربية التي نشأت في تشاد، ووجدت إقبالًا غير مسبوق من المجتمع لأنه ينجذب بفطرته إلى ثقافته الأم، فأصبحت هناك جامعات عربية ومعاهد ناهيك عن المدارس المنتشرة في كافة ربوع الوطن بالجهد الشعبي؛ مما مكن العربية وجعلها - حقيقة واقعة ليس على المستوى الشعبي فقط بل بحكم القانون - اللغة الأولى إلى جانب الفرنسية؛ لذلك اندفع السفير الفرنسي في تشاد ذات مرة إلى وزير الإعلام التشادي ليستهجن ما يشاهد ويسمع من برامج عربية في الفضائية التشادية ينتجها خريجو الجامعات العربية حيث قال: أين الكوادر التي أنفقت عليها فرنسا الأموال في التدريب والتأهيل؟ وهذا يذكرنا بتقرير للسفارة الفرنسية في تشاد إلى الحكومة الفرنسية أن أدركوا لغتكم قبل أن يأتي يوم تتحول تشاد كلها عربية، وذلك عندما رأوا ازدهار جامعة عربية واحدة في تشاد، قبل أن تفتح أخريات بفضل توافد الخريجين من الكوادر العربية ونخوة بعض المحسنين العرب.
إذا كان الفرنسيون يتحركون لإنقاذ لغتهم لمجرد مشاهدتهم لبرامج عربية في الفضائية التشادية.. فأين العرب من كل هذا؟ ألا يتحتم عليهم النهوض بالعربية في تشاد وأفريقيا عمومًا.
لا نستطيع إغفال الجهود العربية والتي بفضلها نهضت كثير من البلدان الأفريقية لكن ذلك أصبح لا يكفي، فالتحدي كبير والغزو الثقافي تجاوز الخيال فأصبحت أفريقيا محط أنظار كثير من الدول الغربية والتنافس بدا على مواردها وخيراتها النفطية في حين كان حريًا بالعرب أن يأتوا إلى أفريقيا قبل أن يغزوها الأوروبيون.
طيبة الطيبة
شعر: تامر إسماعيل محمد حميدي
فِي وَصْفِ حُسْنِكَ كُمْ جَادَتْ عِبَارَاتِي * * * وَكَمْ تَوَسَّطْتِ أَشْعَارِي وَلَوْحَاتِي
وكم بآثارِكَ الغَرَاءِ مِنْ شَجَنِ * * * في النفس حرك أفراحي وآهاتي
سافرتُ في أَبْحُر الأنوار مُتَّخِذًا * * * شعري وَحُبِّي وَأَشْوَاقِي شِرَاعَاتِ
وَرُحْتُ فِي لِجَةِ الْأَمْوَاجِ أَعْبُرُهَا * * * لكَيْ أُقَدِّمَ مَدْحِي باعتذاراتي
وَلَسْتُ أوفيك مَهْمَا قُلْتُ مَنْزِلَةَ * * * فَذَا مَقَامُكَ فِي أَعْلَى الْمَقَامَاتِ
يَا بَلَسَمَ الرُّوحِ كُم بِالرُّوحِ مِنْ عِلل * * * دَاوَيْتِهَا لا تَدَاوَى بالعلاجات
رَسَمْتُ حُبَّكِ لَوْحَاتِ مُزَيَّنَةً * * * ففي رُباك بَسَاتِينِي وَجَناتِي
فَحَدِّثِيْ يَا بُحُوْرَ الشَّعْرِ عَنْ قِصَصِي * * * في هذه الْأَرْضِ وَارْوِي عَنْ حِكَايَاتِي
غَنَّيْتُ (طَيْبَةَ) لَحْنَا خَالِدَا عَطَرَا * * * بذكر (طَهُ) جَزِيلًا بالكرامات
وَقَلتُ: (طَيْبَةً) طَابَتْ فِي النُّفُوسِ لَهَا * * * نَبْضُ الفُؤَادٍ يُغَنّى فِي مَسَراتِ
وَزُرْتُ (طَيْبَةً) وَالْأَشْوَاقُ تَغْلِبُنِي * * * فَلَسْتُ أَدْري أَشَوْقِي زَارَ أَمْ ذَاتِي؟
يَا مَأْرزَ الدِّينِ وَالإِيْمَانِ قَدْ عَبَرَتْ * * * لكَ القُلُوبُ وَعَادَتْ بِالسَّعَادَاتِ
إِلَيْكِ هَاجَرَ رَكْبُ الخَيْرِ فَانْطَلَقَتْ * * * مِنْكِ الْجَحَافِلُ تَمْحُو لِلْخُرَافَاتِ
سَكَنْتِ فِي القَلْبِ لَكِنِّي سَكَنْتُ هُنَا * * * في حضنك الغَضُّ قَدْ حَقَّقْتُ غَايَاتِي
فَأَنْت عَاصِمَةُ الإِسْلَامِ مُنْطَلَقُ * * * لدَعْوَةِ الْحَقِّ فِي كُلِّ اتِّجَاهَاتِ
وَأَنْتِ سَيَّدَةُ الدُّنْيَا وَبَهْجَتُهَا * * * ومهبط الوَحْيُ مِشْكَاةُ الهدَايَات
حُبي لأرْضك يَجْري في دمي شغف * * * حَتَّى لَقَدْ ذَابَ فِي نَبْضِي وَدَقَاتِي
إن المدينة والدُّنْيَا تُضِيءُ بِهَا * * * كَالشَّمْس قَدْ نَوَّرَتْ وَجْهَ السَّمَاوَاتِ
بَلْ أَشْرَقَ الكَوْنُ مِنْهَا فَهِيَ مُشْرِقَةٌ * * * بكُلِّ حُسن تَبَدَّى بالفُيُوْضَاتِ
لَوْلَمْ تَكُنْ خَيْرَ أَرْضِ مَا أَقَامَ بِهَا * * * خَيْرُ البَرِيَّةِ فِي حُب وَمَرْضَاةِ
مَدِينَةُ العِلْمِ وَالْإِيْمَانِ قَدْ شَهِدَتْ * * * بِفَتْهَا القَدْ بُلْدَانُ الحَضَارَاتِ
وَتَرْجَمَتْ بِالْمَعَالِي كُلَّ مَلْحَمَةِ * * * عَصْمَاءَ حَتَّى غَدَتْ أَرْضَ الْبُطُولَاتِ
وَتَوْجَتْ ذَاكَ بِالْمُخْتَارِ يَسْكُنهَا * * * فِي أَرْضِهَا نَزَلَتْ خَيْرُ الرِّسَالَاتِ
وَجَاءَ أَحْبَابُهَا يَبْغُوْنَ رَوْضَتَهَا * * * وَهُمْ يَحُومُوْنَ فِيْهَا كَالفَرَاشَاتِ
وَيَرْشُفُونَ رَحِيقَ المِسْكِ مِنْ عَبَقِ * * * أَنْفَاسُ (طَهُ) بِهَا أَزْكَى العطورات
عَلَى ثَرَاهَا مَشَى المَختَارُ وَاجْتَمَعَتْ * * * بعَصْرِهِ خَيْرُ أَصْحَابِ جَمَاعَاتِ
وَفِي شَرَاهَا حَوَتْ خَيْرَ الخَلَائِقِ مَنْ * * * بحفظه حَفِظَتْ خَيْرَ الْأَمَانَاتِ
لمَسْجِدِ الْمُصْطَفَى رُوحِي تُسَابِقُنِي * * * نجني رحيقَ الهُدَى مِنْ رَوْضٌ حَلْقَات
أحدٌ أَقَامَ بِهَا حُبَّا وَمَعْرِفَةً * * * لقَدْرِهَا مُسْتَقِيمَا فِي دِفَاعَاتِ
حَبَّ سَاكِنَهَا وَأَحَبُّ أَمْتَهُ * * * وَكَانَ سَدَا مَنِيْعَا فِي العِدَاءَاتِ
هَذَا رَسُوْلَ الهُدَى يَرْقَى لِذروته * * * فَاهْتَزَّ وَهُوَ سَعِيدُ فِي مَسَراتِ
قبَاءُ يَا مَسْجِدَ التَّقْوَى لَقَدْ رَسَخَتْ * * * جُدُورُ فَضْلِكَ فِي قُدْسِ الطَّهَارَاتِ
أُسْسْتَ فَوْقَ رُبَى الرِّضْوَانِ مُكْتَمِلًا * * * بالطَّهر مُسْتَقْبِلَا خَيْرَ الرُجَالَاتِ
فِيْكَ الصَّلَاةُ عَلَى أَجْرٍ مُضَاعَفَةٌ * * * كَعُمْرَةِ وَثَوَابِ فِي زِيَادَاتِ
ذَاكَ العقيقُ عَلَى أَرْضِ مُبَارَكَة * * * تَنَزَّلَ الخَيْرُ فِيهَا حَوْلَ رَوْضَات
فَكُمْ حَكَى الْبَدْرُ فِي أَمْوَاجِهِ قِصَصًَا * * * وَكَـمْ شَدَا الشَّعْرُ الْحَانَا جَمِيلَاتِ
هَذَا البَقيعُ قَصُورٌ لَيْسَ مَقْبَرَةً * * * وَبُقْعَةٌ أُخِذَتْ مِنْ رَوْضِ جَنَّاتِ
فيهِ الصَّحَابَةُ فِيهِ الظُّهْرُ مُجْتَمِعُ * * * لآل بيت النبي خير القَرَابَاتِ
هذي المدينة فِيهَا الحَسْنُ مَكْتَمل * * * وَرَوْضَةٌ جَمَعَتْ أَزْهَارَ وَاحَاتِ
طَابَتْ مَرَابِعُهَا عِنْدي وَمَسْكَنُهَا * * * وَطَابَ فِي ظلها عُمْري وأوقاتي
بهَا تَرَعْرَعْتَ مُرْتَادا مَسَاجِدَهَا * * * وَنَأشنًا بَيْنَ أَحَوَاشِ وَسَاحَاتِ
غَنَّى النَّخِيلُ بِهَا شِعْرِي وَرَدَّدَهُ * * * وَأَنْشَدَ الوَرْدُ والنُّعْنَاعُ أَبْيَاتِي
وَكَمْ أفَاضَتْ عَلَى زُوَّارِهَا حُلَلًا * * * منَ الهُدَى والتَّقَى عِنْدَ المزارات
كُمْ تَابَ فِيهَا إِلَى الرَّحْمَنِ ملتجئ * * * وَكَمْ نَفَتْ مِنْ خَبيث أَوْ خَبِيثَاتِ
مَا بَيْنَ عَيْرِ وَثَوْرِ أَرَضُهَا حَرَمُ * * * وَالله وَاهِبُهَا أَعْلَى الْمَكَانَاتِ
تَارِيخهَا عَامِرُ وَاللهُ جَاعِلُهَا * * * مَنَارَ حَقٌّ عَلَى كُلِّ المَنَارَاتِ