; الافتتاحية: اللُعْبَة السياسية لرفع الحظر عن العراق | مجلة المجتمع

العنوان الافتتاحية: اللُعْبَة السياسية لرفع الحظر عن العراق

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 13-سبتمبر-1994

مشاهدات 78

نشر في العدد 1116

نشر في الصفحة 5

الثلاثاء 13-سبتمبر-1994

رفع الحظر عن النظام العراقي ولعبة التطبيع

تتردد الآن بقوة تقارير عن محاولات رفع الحظر عن النظام العراقي الغاشم مقابل قيام هذا النظام بتطبيع علاقاته مع "إسرائيل"، وذكرت تقارير متعددة بأن هناك شركات أجنبية فرنسية وألمانية وأمريكية وشركات حكومية روسية، ونحو 200 شركة تركية ويابانية وصينية وبريطانية، تتسابق لإبرام عقود مع النظام العراقي لمرحلة ما بعد رفع الحظر عنه.

وقد ذكرت تلك التقارير أيضًا أن ديون النظام العراقي تقارب 1400 بليون دولار، وهو ما يعادل ثمن الاحتياطي المقدر لنفط العراق، وهو 100 بليون برميل، وهذه الديون تتشكل من 100 بليون دولار للبنوك الغربية، و240 بليون دولار تعويضات للكويت و900 بليون دولار تعويضات لإيران، و160 بليون دولار وافقت عليها الأمم المتحدة في الشهر الماضي كتعويضات لمليون ونصف متضرر من غزو العراق للكويت.

وتُلقي عملية التطبيع والاستسلام العربي المذل "لإسرائيل" بظلالها على الموضوع حيث إن رفع الحظر عن النظام العراقي ارتبط بالاتصالات العراقية- "الإسرائيلية" ومحاولات هذا النظام دخول عملية التطبيع والاستسلام لليهود مقابل رفع الحظر عنه. وعملية رفع الحظر عن النظام العراقي في إيجاد معادلة سياسية واقتصادية يأتي دورها في الوقت المناسب، فاللوبي اليهودي في الإدارة الأمريكية والضاغط على الرئيس كلينتون يمهد للخطة المناسبة حتى يستطيع إدخال النظام العراقي في لعبة التسويات الاستسلامية في المنطقة، ولهذا فإن الإدارة الأمريكية إلى هذه اللحظة تعارض وبشدة رفع الحظر عن النظام العراقي حتى يتمكن المسار السوري- "الإسرائيلي" من تحقيق الإنجاز المطلوب منه.

وتضع الولايات المتحدة شروطًا لتخفيف هذا الحظر من أهمها: انسجام النظام العراقي في نظام إقليمي جديد يقوم على مبدأ حماية المصالح الأمريكية في المنطقة مع تحقيق سياسة الانفتاح المزدوج لكل من إيران والعراق والحفاظ على تدفق النفط وبأسعار زهيدة إلى الغرب. إن عملية رفع الحظر عن النظام العراقي والتي تتردد بشكل مستمر هذه الأيام تشكل خطرًا على شعوب المنطقة بما فيها الشعب العراقي نفسه، فالولايات المتحدة ومنظومة الدول الغربية "وإسرائيل" لا تريد تحقيق استقرار فعلي، وإنقاذ إنساني لشعوب المنطقة وللشعب العراقي، ولا تنتهج حلولًا جذرية وواقعية لإسقاط هذا النظام الذي هو سبب البلاء والتشرد والكوارث للشعب العراقي ولشعوب المنطقة.

وإن إبقاء النظام العراقي بنفس سياساته العدوانية (داخليًا على شعبه، وخارجيًا على جيرانه) هو هدف ثابت كما يبدو ليكون ورقة رابحة تحقق أكبر قدر من تحقيق المصالح الغربية في المنطقة، كما أن عملية رفع الحظر عن النظام العراقي لن تفيد إلا النظام العراقي وحده، وستقوي موقفه أمام القوى الشعبية المتزايدة ضده في العراق، والتي تسعى إلى تغييره وإسقاطه، ويمكن للقوى الغربية أن توفر الأمن المعنوي والإنساني بدعمها حلولًا عملية وتحت إشراف الأمم المتحدة لحماية السكان في العراق، وتخفيف ضغط النظام عليهم وإزالة آثاره المدمرة اجتماعيًا واقتصاديًا كما فعلت في متابعتها الدقيقة لتحطيم السلاح الكيميائي والتدميري للنظام وكما فعلت في حمايتها للشمال.

إن التلاعب السياسي الذي نراه هذا اليوم لاستثمار موضوع الحظر ليس من مصلحة شعوب المنطقة فلا تزال هناك قضايا لم تحل كقضية الأسرى: الكويتيين والخليجيين والإيرانيين، وفي العراق لا يزال هناك الشعب العراقي أسير هذا النظام، ولا تزال الكويت وجيرانها مهددين من طغيانه وبطشه، حيث لم يقبل بتعهد دولي لاحترام المواثيق الخاصة بترسيم الحدود بينه وبين الكويت. فأمريكا وإسرائيل تعتبران عملية تطبيع العلاقات ورفع الحظر مجرد مسألة توقيت مناسب ولو كان هذا على حساب القضايا العادلة لشعوب المنطقة، كما أن عملية إبقاء التوازن غير المستقر والذي يحقق المصالح الكبرى "لإسرائيل" وأمريكا معًا هو إستراتيجية ثابتة لا تتبدل بالرغم من المآسي الإنسانية للشعب العراقي في الداخل، والكوارث التي قد تصيب دول المنطقة في المستقبل.

إن على الشعب العراقي أن يتحرك ليزيل هذا النظام الذي تسبب في تشريده وتبديد مقدرات بلاده، وعلى دول المنطقة أن تتحرك بقوة لإفشال كافة المحاولات التي تستهدف دعم استمرار النظام البعثي الغاشم في العراق، وأن تحاول التصدي لمحاولات تذويب الأمة وإضعاف كيانها لصالح "إسرائيل" وسيطرتها على المنطقة، فلعبة المصالح التي تتحرك الولايات المتحدة بها هي التي أبقت النظام البعثي في العراق حتى الآن، وهي التي يمكن أن تسمح برفع الحظر عنه، وهي التي تدفع "إسرائيل" للسيطرة والهيمنة على دول المنطقة. كما أن لعبة الغرب لرفع الحظر عن العراق مقابل تطبيع علاقاته مع الكيان الصهيوني هي لعبة خاسرة لن يخسر فيها الغرب مصداقيته لدى الذين لا يزالون يصدقونه فحسب، بل إن شعوب المنطقة سوف تفيق من غفوتها وتبحث أيضًا عن مصالحها التي غفلت عنها وحينئذ ستكون "على نفسها جنت براقش".

 

الرابط المختصر :