العنوان اللسان العربي- التذكير والتأنيث.. في الكون وفي اللغات!
الكاتب عبدالوارث سعيد
تاريخ النشر الثلاثاء 04-أبريل-1995
مشاهدات 55
نشر في العدد 1144
نشر في الصفحة 57
الثلاثاء 04-أبريل-1995
قضية «الزوجية» من المحاور الأساسية في نظام الخلق
الإلهي، (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون) (الذاريات: 49). (وَمِنْ كُلِّ
شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (يس: 36)، (وَمَا خَلَقَ
الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى) (الليل: 3). لهذا كان طبيعيا أن تكون ظاهرة
«المذكر-المؤنث» في اللغات إحدى الملامح البارزة المعبرة عن تلك القضية الكونية.
تعرف هذه الظاهرة في الدراسات اللغوية بقضية النوع
«gender»، وللغات منها مواقف مختلفة.
هناك لغات تكاد تخلو من هذه الظاهرة فلا تفرق بين
المذكر والمؤنث في نظام تركيب الجملة، ومن أمثلة ذلك:
الإنجليزية: The Man
Is Good، The Woman Is Good اللهم إلا في بعض الضمائر مثل: he took
his, she took her book
السواحيلية -اللغة الرئيسية في شرق إفريقيا- لا
تفرق تماما بين النوعين:
ذهب الرجل إلى السوق- «mwana ke
alikwenda sokoni»
ذهبت المرأة إلى السوق- «mwanam
ke alikwenda sokoni»
وهناك لغات قسمت الكائنات إلى ثلاثة أنواع: مذكر
ومؤنث ومحايد (لا مذكر ولا مؤنث)، وأشهرها في ذلك الألمانية، وليس وراء هذا
التقسيم منطق واضح، وإنما هو عرف لغوي محض، ويكون التمييز بين الأنواع باستعمال
أداة معينة لكل نوع قبل الاسم، ولواحق معينة في الصفات...إلخ. للمحايد das، للمؤنث die،
للمذكر des، وفي الإنجليزية شيء من ذلك للمحايد It، للمؤنث She،
للمذكر He.
فماذا عن اللسان العربي؟
أ- التزمت العربية بالتقسيم الإلهي الكوني
للموجودات «الزوجين-النوعين»، فكل اسم فيها إما مذكر أو مؤنث، وكل منهما إما:
حقيقي «في الأنواع الحية، كالبشر والحيوانات ونحوها» وإما مجازي «لغوي» كالجمادات
ونحوها، وليس في العربية شيء محايد «بدون نوع»، وما كان من الأحياء مذكرا يبقى
مذكرا حتى لو حمل علامة التأنيث:
«حضر طلحة وأسامة ومعاوية وقتيبة» ولم نقل: حضرت.
والعكس أيضا: «جاءت هند ودعد وأمل وصباح: أسماء مؤنث» ولم نقل: جاء.
ب- وأصرت العربية على إبقاء التمايز بين النوعين في
كل ما يتعلق بهما من أجزاء الجملة:
الأفعال والصفات والضمائر الشخصية والإشارية
والموصولة، حتى لو كان النوع غير حقيقي، تأمل الجمل التالية:
1- الرجل الذي قابلته أمس كان شريكا لي في تجارة.
2- المرأة التي تزوجتها كانت زميلة أختي في الدراسة.
3- الكتاب الذي أعجبت به أثر في كثيرين قبلك.
4- الرسالة التي أرسلتها إلي أثلجت صدور الجميع.
جـ- اعتبرت العربية أن التأنيث فرع عن التذكير،
فصيغة المذكر هي الأصل، وتحول إلى المؤنث بإضافة علامة التأنيث مسلم/مسلمة.
وإذا أريد التعبير عن النوعين معا بصرف النظر عن
العدد الموجود من كل منهما، اعتمدت صيغة المذكر التي هي الأصل:
-
حضر
الطلاب «شاملا الذكور والإناث»، فإذا قلنا: حضرت الطالبات، كان للإناث وحدهن.
-
«طلب
العلم فريضة على كل مسلم» (حديث شريف).. لا حاجة إلى أن نقول: ومسلمة كما يحرص
البعض؛ لأن الحديث جاء على منهج العربية الأصيل.
فإذا نص على المؤنث بعد المذكر الذي يشمل النوعين
أشار ذلك إلى شيء زائد وتركيز خاص مقصود على الإناث، كما في قوله تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ
قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ
نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ) (الحجرات: 11).
جاء هذا في موضوع السخرية فقط، أما في بقية الآية
فاستعملت صيغة المذكر للجميع، (وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا
بِالْأَلْقَابِ) (الحجرات: 11)، وكذلك فيما بعدها من آيات، (الحجرات: 11-13).
فاللسان العربي -في هذا الباب- أكثر اللغات انسجاما
مع النظام الكوني الذي أبدعه الخالق العليم الذي اصطفى هذا اللسان ليوحي به إلى
عباده منهجه الخاتم!
(*) مدرس بجامعة الكويت
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل