; اللذة الغائبة | مجلة المجتمع

العنوان اللذة الغائبة

الكاتب محمد الشيخ

تاريخ النشر الثلاثاء 20-أكتوبر-1992

مشاهدات 55

نشر في العدد 1021

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 20-أكتوبر-1992

إن المتأمل في واقع الدعوة الإسلامية اليوم يعلم أن الله متم نوره ولو كره الكافرون والمبطلون وأنها دعوة سائرة إلى يوم القيامة وبالغة ما بلغ الليل والنهار كما أخبر بذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأن أصحابها هم صفوة الأمم وخيرة الناس من العامة أو العلماء، ولكن الملاحظ أن القاعدة الصلبة التي نشأ عليها هذا الدين واستقرت بها أركانه لو نظرنا إليها تاريخيًّا نجد أنها تذبل أو تقل صلابتها مع مرور الأيام والسنين ما عدا الفترات الصلبة والمشعة التي تخللتها كعهد الخلفاء الراشدين وعهد عمر بن عبدالعزيز وصلاح الدين وابن تيمية وغيرهم من الخلفاء والأمراء والعلماء عليهم رحمة الله أجمعين، بل قد نجد هذا الشعور ينحدر حتى للملتزم بالإسلام اليوم فتجده يخبرك بحسرة وألم أن ما كان عليه من عبادة وعلم أول التزامه أشد مما هو عليه الآن فهو يشتكي بعد طول العهد عليه في الدعوة من قلبه القاسي المنقبض وقلة عبادته وتقواه ويصبح يكرر هذه الشكوى حتى تؤدي به لإحدى حالتين: إما أن يستمر بهذا الوضع المرير، أو ينحرف ويزيغ عن طريق الهداية ولا يفكر إلا قليلًا في كيفية الخلاص من هذا المرض وتجاوز هذه المنطقة الوعرة.

وإن من المعلوم أن لذة الإيمان وحلاوته لا تنال من خلال القراءة ولا تكتسب من مجرد المعارف والعلوم البحتة، ولكن بالرغم من ذلك لا مانع أن يأخذ الأخ بيد أخيه ليعرفا موطن الداء فيتداركا ذلك بالدواء فيصح سقمنا القلبي وتشفى أرواحنا لنوجد الفرد الصالح والذي على أثره تبنى القاعدة الصلبة للجماعة المسلمة.

إن الداء هنا لا نعني به الفتور الذي يصاب به الداعية إلى الله أثناء سيره في طريق الدعوة فهذه فترة معترضة قد تزول بزوال أسبابها، ولقد تطرق كثير من العلماء والدعاة لهذا المرض بما فيه الكفاية، أذكر على سبيل المثال كتاب الشيخ جاسم محمد بن مهلهل الياسين بعنوان: الفتور آثاره وأسبابه وعلاجه، ولكن فرضنا هنا قد يكون أخطر وهو فقدان لذه الإيمان والطاعة أثناء العمل للإسلام والدعوة إليه فتأتي نتيجة لذلك أعمال غير متقنة ونحقق نتائج ضعيفة وأحيانًا خائبة، فالعجز والخور والكسل ينهش عظامنا وعدم إدراك الواقع والسلبية القاتلة شعار بعضنا، بل قد يتعدى الأمر إلى أن نفقد جزءًا من أخلاقنا ومبادئنا.. إلى أمثال هؤلاء المنتسبين إلى الدعاة نقول: تداركوا أنفسكم قبل الغرق وهبوا لحمل دعوتكم فقد كلت من حملكم واعلموا أن أول العلاج هو أن نقف أمام أنفسنا وقفة صادقة نعريها من ألقابها ونقلل من شأن حسبها ونسبها فنقررها بأخطائها واحدة تلو الأخرى ثم نعقد العزم على سلوك طريق المهتدين والدعاة العاملين ونشهد الله على ذلك، ومن هذه اللحظة ننطلق للعمل الإسلامي لا نؤخر ولا حتى من أجل التفكير، فـ«سوف» أكبر جنود إبليس ولا عيب أن نستفيد من خبرات السابقين ونقتبس من صفات السالكين الأولين من علماء ودعاة ومجاهدين ومن ثم علينا أن ندير للدنيا ظهورنا؛ نخرج ما تبقى منها في قلوبنا وعقولنا.

وأعلم أننا سنبقى كسالى قاعدين بمقدار ما لدينا من حطام هذا الطين وحتى تتحقق اللذة الإيمانية فلابد من تحقيق محبة الله ورسوله والمؤمنين في أنفسنا كما أخبر بذلك الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام وعلينا أن نُهرَع للقرآن فهو خير زاد فنقبل عليه تلاوة وتفسيرًا وتدبيرًا وتطبيقًا، ولابد لنا من محطات إيمانية نزكي بها القلب والجسد فلنكثر من الصوم ولا نغفل عن الذكر والتفكر في خلق الله فهما لأرواحنا شفاء.

وإن ما يعين على تحصيل اللذة الإيمانية الدائمة أن يتصل الداعية بإخوانه العاملين للإسلام اتصالًا وثيًقا يكتسب منهم علمهم وخلقهم ويخدم دينه وأمته بمعاونتهم تحليلًا في ذلك كله بالصبر والمصابرة والمرابطة يقول الشاعر في ذلك:

قالوا السعادة في السكون           

وفي الخمول وفي الخمود

في العيش بين الأهل

لا عيش المهاجر والطريد

في لقمة تأتي إليك

بغير ما جهد جهيد

في المشي خلف الركب

في دعة وفي خطو وئيد

في أن تسير مع القطيع

وأن تقاد ولا تقود

 في أن تصيح لكل وال

عاش عهدكم المجيد 

في أن تعيش كما يراد

ولا تعيش كما تريد

قلت الحياة هي التحرك

لا السكون ولا الهمود

وهي التفاعل والتطور

لا التحجر والجمود

 وهي الجهاد وهل يجاهد

من تعلق بالقعود

وهي الشعور بالانتصار

ولا انتصار بلا جهود

وهي التلذذ بالمتاعب

لا التلذذ بالرقــــــــــود

الرابط المختصر :