العنوان اللحية والأزياء
الكاتب الشيخ عثمان الصالح
تاريخ النشر الثلاثاء 25-أكتوبر-1977
مشاهدات 81
نشر في العدد 372
نشر في الصفحة 12
الثلاثاء 25-أكتوبر-1977
بعد الحرب العالمية الأولى انتشرت في البلاد العربية ظواهر غربية بعيدة كل البعد عن التقاليد والعادات الإسلامية، وذلك بسبب التأثر بالمفاهيم الغربية، من تلك الظواهر مثلًا ظاهرة تقصير اللحى أو حلقها بينما كان معظم آبائنا في أوائل هذا القرن ملتحين، وكذلك كان أجدادنا من قبل.
إن الجدال لا يزال دائرًا حول شرعية اللحية في الإسلام فمن قائل إنها سنة ومن يقول إنها من مظاهر المدنية أما السلفيون فيرون وجوب إرسالها وحرمة حلقها عملًا بالحديث المشهور: «جزوا الشارب، وأعفوا اللحى» وقد ورد هذا الحديث بروايات متعددة، وهو موجود في الصحاح والسنن.
وكان آخر ما اطلعنا عليه، «مقالًا بعنوان»: «تعقيب» للسيد في آخر فتواه «سامحه الله» اهـ، مجلة «المجتمع» الكويتية «على فتوى غريبة..» قال المعقب: «نشر في مجلة الوعي الإسلامي الشهرية التي تصدرها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت في عددها -١٥٢- بتاريخ 1 شعبان ۱۳۹۷هـ الموافق 1 أغسطس ۱۹۷۷م في باب الفتاوى في ص -۱۰۱، ۱۰۲- للشيخ عطية صقر: والحق أن أمر اللباس والهيئات الشخصية، ومنها اللحى من العادات التي ينبغي أن ينزل المرء فيها على استحسان البيئة فمن درجت بيئته على استحسان شيء منها كان عليه أن يساير بيئته، وكان خروجه عما ألفه الناس فيها شذوذًا، كذا قال المفتي في آخر فتواه سامحه الله» اهـ، المنقول من مجلة الوعي.
وقد فند المعقب- جزاه الله خيرًا ما نقله مما حوته الفتوى، على أساس «أن من الواجب وزن جميع الأمور بميزان شريعته صلی الله عليه وسلم وسنته وأصول دينه، فما وافق قبل وما خالف رد على قائله كائنًا ما كان، كما ثبت في الصحيحين مرفوعًا من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» ثم حقق القضية على أساس قوله تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾(سورة النساء: 59)، وأنه عليه الصلاة والسلام أمر بإعفاء اللحية وحلق الشارب، وبه يسقط الاستدلال باستحسان البيئة أو مسايرة الناس، قال تعالى:﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾(سورة النور: 63)
وإذا حكم الله ورسوله بشيء فليس لأحد مخالفته»
موجز للنعيب «المجتمع عدد ٣٦٥- 16 رمضان سنة 1397» اهـ.
ونظرًا إلى أن الأخ المعقب قد استدل بعموميات، ولما كان للقضية أهميتها كما سنوضحه إن شاء الله فقد اقتضى الأمر النظر في المسألة هذه بصورة أكثر تحديدًا ودقة في تخريج الحكم فقهيًا فنقول، وبالله التوفيق:
إن من الأمور التي ينبغي التمييز بينها- فيما يخص الأزياء وما أسمي في الفتوى: «الهيئات الشخصية وما إليها. أو لًا: الشكل الذي أصله وضع خلقي- ومنه اللحية، والثاني المصنوع، للستر, والمصنع للتجميل.
فأما الأول- وهو الوضع الخلقي فإن الأصل المحافظة عليه وعدم مساسه إلا بمشروعية، وذلك حماية للفطرة من العبث، وحفاظًا على الطبيعة كما خلقها الله من تشويهات الإنسان لها ومن ذلك اللحية، التي يفترض أن الله تعالى لم يخص الرجل بها دون المرأة عبثًا، وأتى الوحي ليؤكد هذه الحقيقة، حتى اعتبرها الرسول صلى الله عليه وسلم من الفطرة في حديثه المشهور: خمس من الفطرة، وذكر فيه إعفاء اللحية وإحفاء الشارب.
والمسألة- من جانبها هذا تدخل ضمن موضوع الإفساد العام الذي يشمل جوانب الحياة، ويوهم من يعتمد على الأصل القائل «الأصل في الأشياء الإباحة»، والغلط يحصل لجهة الخلط بين أصلين- السابق، وينطبق على ما خلق الله للإنسان مما يصلح مأكلًا أو ملبسًا أو مشربًا باستثناء المحرم، وأصل آخر، يتعلق بأفعال العباد، التي تنتظم أحكامًا شرعية خمسة، ومنها المباح، وإذا كان المباح حكمًا شرعيًا- والحكم الشرعي خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد- وكان مساس اللحية فعلًا، فمن يزعم إباحته فعليه أن يأتي بالخطاب المبيح, أو الإقرار، ولما كان الخطاب جاء مضادًا لهدف المبيح، ولا إقرار البتة أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى من يحلق فسكت عنه، فقد ثبت منع الحلق،
وتوكيدًا لهذا المعنى، جاء قوله تعالى مشنعًا على من يعبث بالفطرة وذلك في قوله على لسان إبليس:﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ (سورة النساء: 119)، ومن ذا الذي يجرؤ على الزعم أن اللحية ليست من خلق الله؟ وهي ظاهرة كونية تميز بها الرجل عن المرأة تكوينيًا؟ وعليه، فلا مجال للمراء في أن حلقها تبديل للخلق، ويحمل معنى تشبه الرجال بالنساء المنهي عنه أيضًا.
ويذهب بعض الشيوخ على أن اللحية من السنن وليس من متعلقات هذا المبحث تبكيت من يزعم هذا ويخالف السنة التي يعترف بها مع أنه قدوة، ولكن نناقش وجهة النظر هذه، من الزاوية الفقهية أيضًا:
إن القول بأنها سنة، مبني على قاعدة تقول: الأصل في الأمر الندب، أو التخيير، أو الطلب، فلا بد من قرينة تعين الوجوب في الأمر دون سواه، ولا مكان هنا للجدال في الأصول، وسنسلم- جدلًا، أن الأصل في الأمر الندب فيكون الأمر للندب في الحديث، أو أن الأصل في الأمر الطلب وثمة قرينة «ولا قرينة في الحقيقة سوى ما أسلفنا مما يرجح الوجوب» ونقول وبالله التوفيق: إن الزعم بأن الأمر- في قوله عليه الصلاة والسلام جزوا الشارب وأعفوا اللحى- هو الندب، مبني على أنه- طالما كان ذلك، فإنه يؤخذ إباحة الحلق لجهة كون المندوب غير ملزم فيكون معنى: من المندوب أن ترخوا اللحى هو: من المباح أن تحلقوها. وصيغة الحكم هذه خطأ بسبب إساءة فهم الحديث النبوي الشريف.
فمن يتأمل روايات الحديث يجدها جميعًا تحمل الأمر بتكبير اللحى وليس بمجرد إبقاء لحية كيفما اتفق.
فنصوص الروايات تقول: وفروا اللحى، أوفوا، أرجوا، أرخوا، أعفوا، وكلها تحمل الدلالة على التكبير، وعلى التسليم بأن الأمر للندب، والحلق لا يقابل التكبير بل يناقضه، ولا وجه لهذا الفهم البتة وعليه يكون معنى قوله عليه السلام: كبروا اللحى- ندبًا، جواز بقاء أصلها- كلحية يصدق عليها هذا الوصف، جوازًا وإباحة، وليس الحلق، كما فهم القائلون بنية الحلق، مجيزين حلقها بموجب فهمهم الخاطئ.
هذا، وأما فيما يتعلق بالإقرار، فقد ورد ما يناقضه، وأذكر في هذا حديثًا لا أعرف مقدار صحته، أن رسلًا جاؤوا نبي الله- صلى الله عليه وسلم- من قبل كسرى حالقي اللحى ذوي شوارب طويلة فسألهم من أمرهم بهذا، قالوا ربنا- يقصدون کسری، فأعرض عن النظر إليهم وقال:
«أما أنا فقد أمرني ربي بقص شاربي وإعفاء لحيتي».
والقضية- كما أسلفنا- لها أهميتها على مستوى الأمة، ذلك لاعتبار اللحية- رغم جزئيتها، من المظاهر الحضارية، ومن المفاهيم المغلوطة التي تشاع، أن العبرة بالجوهر وليس بالمظهر وهذا ضرب من الخداع، لأن كلًا من المظهر والجوهر لا ينفصل أحدهما عن الآخر، والظواهر هي المعبرة عن المضامين، وإلى هذا المعنى يشير قوله عليه الصلاة والسلام: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب»، وبهذا تكتسب المسألة طابع المبدئية.
وأما من يعمل على إسقاط الحكم الشرعي من القضية ففيه جهالة أو خبث أن بعض الأمزجة التي ترغب أن تحول اللحية إلى مجرد «مظهر شخصي» يدخل ضمن حرية الفرد بمفاهيم الديمقراطية، والحريات الشخصية، وهي مذهبية تخالف الإسلام كما هو معروف، وبناء على كل ما سبق لا يصح القول: إن اللحية واجبة من الوجهة الفقهية وبدقة، بل يحرم حلقها أو إنهاكها لدرجة التشويه.
وأما فيما يتعلق باللباس، فإن الإسلام جعله مباحًا بالأصل، بمعنى أنه لم يحدد «لباسًا إسلامیًا» بالمعنى الشائع في المدارس والأجهزة كالألبسة الحزبية أو ألبسة الجند والدرك وغيرها، ولكن الإسلام وضع شرائط اللباس:
الأول: عدم التشبه بأصحاب مذهبية، وذلك حين يخصص أتباع فلسفة لأنفسهم زيًا معينًا، أو رمزًا شارة توضع على الصدر أو سواها، فإن تحريم تقليد هؤلاء- إن كانت فكرتهم غير إسلامية- هو تحريم عقائدي، بمعنى أن تقليدهم يكون كفرًا، وإن كان لا يكفر الفاعل إلا إن أتاه عن إدراك وقصد.
الثاني: ستر العورة, كلًا بحبسه, رجالًا ونساء، والستر ليس للبشرة الجلدية فقط، ولكن للأعضاء التورية أحجامها وأشكالها أيضًا.
الثالث: عدم تشبه الرجال بالنساء والعكس صحيح، وهذا الشرط الأخير قد يخضع للنسبية، بمعنى أنه- إن كان لباس أصله خاص بالنساء ولا يحمل طابع الأنوثة، وانتشر بين الرجال، أو آخر خاص بالرجال ولا يحمل طابع الرجولة، وعم النساء، فلا حرج فيه، يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، وبشيوعه تنتفي علة التحريم، كالسراويل- «البنطلون» مثلًا، الذي عم استعماله، فتلبسه المرأة إن كان فضفاضًا، وترتدي فوقه إزره تستر جسدها حتی الركبة.
ونكرر: أن التبادل جائز بشرط ألا يحمل الثوب ملامح الأنوثة للرجال، أو الرجولة للإناث.
فمن وفى بالشروط السابقة، كان لباسه شرعيًا، ولا جناح عليه بعد ذلك أن يتخير الهندام الذي يحلو له- رجلًا أو امرأة، مع مراعاة الذوق الإسلامي فيما يتعلق بالألوان ونوع القماش، واختيار ما كان ملائمًا للبيت فللبيت، أو ما كان ملائمًا للخروج فهو للخروج.
وختامًا، نذكر ما قدمنا لبيان الحكم الشرعي الفقهي الذي يرسم حدود الحل والحرمة، وهذا لا يمنع أن يكون في الأمة من هم أكثر ورعًا، ولكن مع الحرص على أن يكون الدين ثوبًا يستر تحته الرياء والنفاق، والله سبحانه وتعالى أعلم. وصلى الله على محمد نبيه الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.