العنوان اللاجئون بين التحسين والتوطين
الكاتب أحمد أبو شلال
تاريخ النشر الثلاثاء 30-نوفمبر-1999
مشاهدات 83
نشر في العدد 1378
نشر في الصفحة 33
الثلاثاء 30-نوفمبر-1999
خلاف بين اللاجئين حول تطوير المخيمات وتحسين مستوى المعيشة فيها...
المؤيدون: هل كوني لاجئًا يعني بقائي فقيرًا بائسًا حتى يتعزز مطلبي في العودة؟!
المعارضون التطوير يسهم في تصفية القضية.. وينطوي على أبعاد سياسية خطيرة في مرحلة مفاوضات الحل النهائي
في هذا التقرير نفتح الباب على مصراعيه لمناقشة قضية حساسة كثر الحديث فيها في الآونة الأخيرة ألا وهي قضية تحسين وتطوير البنية التحتية داخل مخيمات اللاجئين ومدى تأثيرها على حق العودة وما حدود ما يمكن أن نفعله لتحسين الظروف دون الوقوع عن غير قصد في مستنقع التوطين؟
تساؤلات كثيرة تطرح وتزايد طرحها خاصة في ظل قيام دائرة شؤون اللاجئين بتنفيذ عدد من مشاريع داخل المخيمات الفلسطينية في الضفة والقطاع، وما تشهده المخيمات الفلسطينية في الأردن مما يعرف بحزمة الأمان الاجتماعي لإعادة البنية التحتية في المخيمات بتكلفة مالية تتجاوز ١٦٠ مليون دولار بالإضافة إلى الأوضاع البائسة في المخيمات اللبنانية وعدم سماح الحكومة هناك بتحسين أوضاع اللاجئين خشية ما تدعيه من أن ذلك من شأنه العمل على توطينهم.. تساؤلات كثيرة سنحاول أن تتوقف عندها ونطرح أراء المؤيدين والمعارضين لها
بادئ ذي بدء تجمع كافة الجهات المعنية والمهتمة والمتابعة لقضية اللاجئين بأن الأوضاع المعيشية والإنسانية داخل المخيمات الفلسطينية أوضاع قاسية بائسة تزداد شقاء بحجم التقليصات الكبيرة في الخدمات المقدمة من قبل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين «الأونروا».
تحسين الخدمات مطلب للاجئين
يؤكد الداعمون لفكرة ضرورة تحسين الخدمات في المخيمات أن هذا المطلب هو مطلب جماعي يؤكده الواقع وتعززه نتائج استطلاعات الرأي التي كان منها نتائج استطلاع الرأي الشهري الثامن الذي أجراه مركز البحوث والدراسات الفلسطينية في نابلس بتاريخ ١٩٩٤/٤/١٩م والذي خلص إلى أن ٤٢ %من اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات الضفة الغربية وقطاع غزة يؤيدون بقاء مخيماتهم مع تحسين الظروف السكنية والمعيشية مقابل ٢٢,٧% هم أولئك الذين أبدوا بقاءها كما هي حتى يتم التوصل لاتفاق نهائي.
ويدعمون هذا الطرح بما تتضمنه مطالب فعاليات اللاجئين الرسمية والشعبية عبر مراسلاتها وبياناتها، ومن يقرأ الرسالة الأخيرة الموجهة إلى ممثلي الدول المانحة في عمان بتاريخ ١٩٩٩/٩/٢٠م من قبل اللجان والاتحادات الشعبية والرسمية الممثلة لقطاعات اللاجئين يجد تأكيدًا ومطلبًا واضحًا بضرورة تحسين الأوضاع الصحية والبيئية والسكنية، وكافة مجالات الخدمات في المخيمات عبر وكالة غوث، وبذلك تجمع أوساط اللاجئين الفلسطينيين على ضرورة الاهتمام بالمخيمات الفلسطينية وتنميتها وتحسين ظروف الحياة وتطوير الخدمات الأساسية فيها. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو من هي الجهة المخولة بتقديم هذه التحسينات والخدمات؟
الجهة المخولة بتقديم الخدمات
وفي ظل التراجع المستمر في حجم ونوعية الخدمات المقدمة من قبل «الأونروا» واقتصارها على جوانب محدودة تشمل التعليم والصحة والبيئة كان التساؤل التالي: ماذا عن الخدمات الأخرى «شبكات المياه والمجاري- تعبيد الطرق- المنشآت.... إلخ» أي بمعنى الخدمات التي لا تشملها خدمات الوكالة؟ وهنا تبرز معضلة هي لب الخلاف الدائر بين المؤيدين والمتشككين...
ويقول الدكتور أسعد عبد الرحمن رئيس دائرة شؤون اللاجئين لقد أقرت فعاليات اللاجئين مبدأ تقديم الخدمات لتحسين أوضاع العيش البائسة والمرعبة في المخيمات شريطة ألا تتقاطع هذه المشاريع مع خدمات الأونروا، فالحفاظ على استمرارية وبقاء وكالة الغوث واستمرارها في تقديم خدماتها يمثل إجماعًا شعبيًا ورسميًا.
خطورة هذا الطرح
إن قدرة اللاجئين على تحسين ظروفهم المعيشية المختلفة تبدو ضعيفة، أما اهتمام الوكالة المنصب على تقديم الخدمات في مجالات الصحة والتعليم والإغاثة دون أن يكون هناك تركيز على الجوانب الأخرى فهذا يتضح من خلال توزيع ميزانية وكالة الغوث.
إن عملية تطوير المخيمات والتدخل في حل المشكلات وخاصة المشكلة السكنية بصورة جذرية في الوقت الحاضر ينطوي على أبعاد سياسية خطيرة في هذه المرحلة بالذات والتي بدأ الحديث فيها عن مفاوضات الحل النهائي بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل والتي تشكل قضية اللاجئين أحد المحاور الأساسية والمهمة فيها.
ويتعزز هذا التخوف من أن المشكلة الرئيسة لعملية التحسين والتطوير داخل المخيمات تكمن في التمويل اللازم لهذه العملية والجهة التي ستقوم بها، وإذا أخذنا بعين الاعتبار العجز المالي الذي تعاني منه «الأونروا» فإن تمويل هذه الأنشطة سيغطى من خلال دعم الدول المانحة والمضيفة ولا يخفى على أحد أن التمويل الخارجي والغربي تحديدًا يندرج تحت سياسات وتوجهات لا يمكن تجاهلها بحال من الأحوال أو الإقرار بنزاهتها، ولعل هذا ما دفع بأوساط اللاجئين للتأكيد على ضرورة أن يكون تطوير المخيمات وتحسين الأوضاع المعيشية فيها يتركز على الجوانب الإنسانية التي لا تنطوي على دوافع سياسية.
لماذا الآن؟!
وسرعان ما يأتي التساؤل التالي لماذا الحديث عن التحسينات في هذا الوقت تحديدًا والذي يتم فيه الحديث عن تصفية قضية اللاجئين وتطالعنا فيه التقارير الإخبارية عن مشاريع التوطين هنا وهناك هل استيقظ الداعمون لفكرة التحسين والتطوير على معاناة اللاجئين بعد ٥٠ عامًا عن النكبة؟ وهل هذه الخدمات من شأنها السعي لتوطين اللاجئين؟
توجهت بالسؤال لأبي خليل اللحام فأجاب:
ما نقوم به هو حق طبيعي للاجئ الفلسطيني في وجود بنية تحتية، وما تقدمه من خدمات لا يزال دون المستوى المطلوب، أما لماذا الآن.. فنحن نتحدث عن واقع جديد في ظل وجود السلطة الوطنية الفلسطينية وإعادة تفعيل دائرة شؤون اللاجئين في منظمة التحرير الفلسطينية، ومن حق الناس أن تعيش ظروفها وتتلقى خدمات في الماضي كان هناك تخوف من أن تركيب حنفية داخل حمام يعني توطينًا. إن وجود رياض للأطفال أو نادي للشباب لا يمس فكرة التوطين ولن يغير من صورة المخيم في شيء.
ويتساءل آخر إلى متى سنبقى أسرى الشك القاتل ننظر بالريبة والشك تجاه أي طرح جديد لابد من التحرر من هذا الخوف وعبارة لماذا الآن هي عبارة كثيرًا ما تتردد مع كل طرح جديد وبناء، نحن قادرون أن ندافع وأن نحافظ على قضيتنا وحقنا وسيبقى مخيمنا وإصرارنا على العودة الصخرة التي تتحطم عليها المؤامرات.
ذهبت الخيام وبقي المخيم
وفي هذا المضمار يطرح تخوف مفاده أن هذه التحسينات من شأنها تغيير صورة المخيم وتركينته... فتأتي الإجابة على النحو التالي لقد مر المخيم بمراحل قاسية وبقي المخيم هو المخيم ولن تنفي عنه هذه الخدمة أو تلك صفته كمخيم، وعلى سبيل المثال لقد استخدمت الخيام في البداية كمساكن للعائلات اللاجئة ومدارس لأطفالهم وبما أن الخيام لا تكفي لأن تكون سكنًا مناسبًا يفي بأبسط المتطلبات الأساسية للعيش بالإضافة إلى أن عمرها الزمني لا يتجاوز على أحسن التقديرات السنتين كما أن ارتفاع أسعار الخيام يوم ذاك كان حافزًا للتفكير في بدائل سكنية حيث قدر سعر الخيمتين بحوالي ٩٠ دولارًا، وهذا المبلغ يكفي لبناء غرفة سكنية من الطوب والأسمنت بمساحة ۱۲-۹ مترًا مربعًا.
حل مرفوض
وحول مدى تأثير قضية تحسين مستوى الخدمات وتأثيرها على اتجاهات اللاجئين الفلسطينيين في الحل الدائم، فواهم من ظن أن من شأنها التأثير على اللاجئين من أجل قبول التوطين أو التعويض أو التخلي عن حق العودة، ومما يؤكد هذا الطرح نتائج دراسة قام بها الباحث رياض عويضة في رسالة للحصول على درجة الماجستير قدمت إلى جامعة بير زيت عام ١٩٩٨م وحملت العنوان التالي «اتجاهات اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات الضفة الغربية نحو الحل الدائم لمشاكلهم» خلصت إلى نتائج مفادها:
لقد عارض اللاجئون الاقتراح الداعي إلى تحسين مستوى الخدمات في المخيم رغم اقترانه بالتعويض، وتنبع هذه المعارضة من كون اللاجئين غير مستعدين للبقاء في المخيم حتى لو أخذوا التعويض، فخيارهم خيار واحد هو «العودة» فاللاجئ لا يريد البقاء طيلة عمره في المخيم حتى ولو كان تحت إشراف السلطة الفلسطينية، أما إذا ظن البعض أن هذه التحسينات من شأنها التأثير على قرار اللاجئين وخاصة التي لم تعايش محنة اللجوء، فقد أثبتت الدراسة أن الفئة العمرية «١٨- ٣٤ »عامًا هي الأشد معارضة المختلف البدائل والاقتراحات التي تسقط حق العودة فحق العودة حق ثابت أصيل لا يسقط بالتقادم.
ويقول الدكتور أسعد عبد الرحمن في مقابلة سابقة العودة لقد رفعنا في الدائرة شعار «أن العودة السليمة في اللاجئ السليم» نحن لا نرى أن: تلوث مياه المجاري بمياه الشرب وتسمم الناس يزيد من إصرارهم على العودة ونقول بعكس ذلك إن اللاجئ المعافي هو أكثر تصميمًا وإصرارًا وقدرة على إحقاق مبدأ العودة ويجب دائمًا أن يكون الإطار الصلب لهذه الخدمات هو الإطار السياسي القائل بحق العودة.
ويؤكد الدكتور هشام مفارجة في ورقة مقدمة المؤتمر اللاجئين في منطقة بيت لحم في ١٩٩٦/٧/٥م «اللاجئون الفلسطينيون بين العودة والاندماج- خيارات وأفاق يؤكد فيها على أهمية إحداث تغيرات جذرية في حياة اللاجئين اقتصاديًا، واجتماعيًا ونفسيًا، وسكنيًا وصحيًا، وخدميًا، دون أن يعتبر ذلك مناقضًا لممارسة حقهم في العودة، ووفقًا لاستطلاع الرأي الأخير الذي أجرته الهيئة العامة للاستعلامات في سبتمبر ٩٩ يرى ٦٤,٥% من المبحوثين أن تحسن أوضاع المخيمات لا يمس حقهم في العودة.
ويتساءل أحد الداعمين لطرح التحسينات والتطوير.. هل كوني لاجئًا يعني أن أبقى فقيرًا وأحيا حياة بائسة إن أولئك الذين يطالبوننا بذلك يطلبون منا الانتحار والموت ونحن أحياء ويتساءلون: هل إصابة ٩٠٠ لاجئ في مخيم عين بيت الماء، نتيجة اختلاط مياه الشرب بمياه الصرف الصحي ستعزز من وجودهم داخل المخيم وتدافع عن حق العودة، وبذلك لم يغفل اللاجئون عن التذكير بأن مثل هذه التحسينات يجب ألا تؤثر على النتيجة النهائية للحل ولا على مستقبل قضية اللاجئين الفلسطينيين من الناحية السياسية وخاصة حقهم في العودة.
جيوب للفقر
ويؤكد الداعون للتحسينات أن المخيمات الفلسطينية تحولت إلى جيوب فقر تنتشر فيها المشكلات الاجتماعية المختلفة، مما ما دفع الكثيرين من أبنائها للخروج منها والسكن في القرى والمدن وأن بقاء الأحوال البائسة على صورتها الحالية من شأنه أن يفرغ المخيمات من أبنائها خاصة إذا علمنا أن عدد اللاجئين الذين يسكنون مخيمات الضفة الغربية على سبيل المثال هو نحو ٧٥ ألف لاجئ، في حين يسكن ١٦٠ ألفًا خارجها، وإن عمليات التحسين والتطوير من شأنها أن تعزز استقرار اللاجئين في مخيماتهم، وبالتالي توطينهم خارج المخيمات.
يقول رياض عريضة في رده على الذين يحاولون التفريق بين لاجئ يسكن داخل المخيم وآخر خارجه إن التجزئة إلى لاجئ يسكن في المخيم وآخر يسكن خارجه يعني معاقبة الإنسان الفلسطيني الذي أستطاع أن يحسن ظروفه رغم قساوة العيش، وكان اللاجئ يجب أن يبقى أسير حدود المخيم، وإن الخروج من هذه الحدود يعني فقدان اللاجئ أن يكون مشمولًا بالحل الدائم، وإن إطلاق كلمة توطين على هؤلاء الذين تمكنوا من العيش خارج المخيم هي محاولة تضليلية نابعة من عدم إدراك القضية.
ويقول أبو خليل اللحام إن اللاجئ الذي يعيش في أوروبا أو أمريكا ويمتلك شركة لا ينتقص ذلك من حقه وكونه لاجئًا.
ويتشكك البعض في أن الدعوة إلى تحسين الأوضاع المعيشية داخل المخيمات وتطوير البنية التحتية فيها هي دعوة جميلة تتخذ ذريعة لتمرير العديد من المشاريع الأخرى والتي منها إنشاء مخيمات جديدة والدعوة للمشاركة في الانتخابات البلدية وغيرها من المشاريع، ويعتقدون أن أي عملية للتطوير ستبقى محدودة نسبيًا في ظل واقع وتركيبة المخيم الحالية.
بل إن هذه التخوفات تحذر مما قد تحمله الأيام القادمة من دعوات تطالب بإزالة وهدم أجزاء من المخيمات تحت غطاء تطويرها وبذلك يتحقق المطلب الإسرائيلي بإزالة المخيمات الفلسطينية ويدللون على ذلك بأن حكومات الكيان الصهيوني سبق وأن هدمت العديد من المنازل داخل المخيمات الفلسطينية في قطاع غزة بدعوى شق الطرق وتوسيعها، كما تم هدم أجزاء كبيرة من بعض المخيمات الفلسطينية في الأردن لشق وتوسيع طرق.
وتجدر الإشارة هنا إلى قضية جوهرية وهي مطالبة قطاعات واسعة من اللاجئين بضرورة حل مشكلة الازدحام والكثافة السكانية داخل المخيمات خاصة أن هذه المخيمات أقيمت على أراض بقيت على حالها دون توسع ودون مراعاة للنمو السكاني ومنذ ٥٠ عامًا، ولكن هذا المطلب مقرون بالشرط التالي وهو أن يتم استخدام أو استثمار أراض أخرى تقوم وكالة الغوث باستئجارها والإشراف عليها من أجل استيعاب الزيادة السكانية والعدد الزائد، تنشأ هذه بإشراف من الوكالة على كافة الخدمات فيها، وليس توفير السكن بمعنى أن يتم إنشاء مناطق سكنية محددة ويتم ترحيل سكان المخيمات إليها.
ويبقى الحل الجذري لقضية اللاجئين الفلسطينيين كامنًا في تطبيق حق العودة هذا الحق الأصيل والثابت هو الذي يجب أن يشغل تفكير كافة اللاجئين والمعنيين لإيجاد آليات لتطبيقه على أرض الواقع، أما ماعدا ذلك فهو بمثابة حبوب مسكنة للألم وليست أكثر.
هذا الملف
قام بإعداد هذا الملف مركز العودة الفلسطيني وهو مؤسسة فلسطينية تعنى بقضية فلسطينيي الشتات والمطالبة بحقهم في الرجوع إلى ديارهم، وهو يشكل مصدرًا إعلاميًا واكاديميًا يسعى إلى أن يكون رديفًا للمعلومات والنشاط السياسي للقضية الفلسطينية، وخصوصًا مسألة العودة.. ويتخذ لندن مقرًا له.
ومن أهداف المركز:
1- إبراز قضية حق العودة الفلسطيني باعتبارها قضية سياسية وإنسانية أيضًا.
2- العمل على الحفاظ على هوية الشعب الفلسطيني العربية والإسلامية والحيلولة دون ذوبانه في المجتمعات التي يعيش فيها ومقاومة مشاريع التوطين البديلة.
3- تسليط الضوء على معاناة الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده
4- تعريف الرأي العام في أوروبا وخاصة بريطانيا بالأبعاد الحقيقية للقضية الفلسطينية وتسليط الضوء على الحقوق الضائعة.
العنوان:
CROWN HOUSE
NORTH CICULAR ROAD
LONDON NW 10 7PN U.K
Tel: 00441814530919
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل