العنوان الكُرة.. والسياسة
الكاتب أحمد عزالدين
تاريخ النشر الثلاثاء 30-يونيو-1998
مشاهدات 75
نشر في العدد 1306
نشر في الصفحة 25
الثلاثاء 30-يونيو-1998
بوسع المرء ألا يشاهد مباريات كاس العالم، لكن ليس بوسعه ألا يتابع تأثيراتها، فقد اصبح مثل هذه اللقاءات الرياضية الدولية ظاهرة سياسية واجتماعية واقتصادية، وقد قدر عدد مشاهدي مباريات كاس العالم الأخيرة المقامة حاليًا في فرنسا بأكثر من ٣٥ مليار شخص «بالنظر إلى تكرار مشاهدة البعض لأكثر من مباراة».
اللقاء الرياضي اصبح مهرجانًا دوليًا للتسوق يربح منه الاتحاد الدولي للعبة والشركات التجارية المليارات في ظرف أيام معدودة، حتى اللاعبين، الواحد منهم أشبه بلوحة إعلانات متحركة، وكل قطعة قماش يلبسها تحمل دعاية لشركة ما، بل كل حركة يصنعها أو يصطنعها في الملعب يعاد استغلالها في نشاط تجاري.
ومهرجان التسوق القائم حاليًا في فرنسا لا يقتصر على فرنسا وحدها -والتي ربحت أيضًا المليارات لقاء تنظيم المنافسة- ولكنه يمتد إلى كل قطعة في الأرض تصل إليها الشركات المتعدية الجنسية، وبخاصة شركات المشروبات الغازية، والملابس الرياضية، وشركات إنتاج التليفزيون، وشركات الدخان، وهذه سعيدة بالتأكيد بنتائج العولمة الرياضية التي أتاحت لها أن تحقق أرباحًا خيالية في فترة زمنية وجيزة لا تتجاوز بضعة أسابيع.
اللقاء الرياضي يكشف أيضًا طبائع الشعوب، وقد رأينا أحداث الشغب التي تسبب فيها المشجعون الإنجليز الذين اصبحوا مبعث قلق أينما حلوا، وذكرونا بمقولة مؤرخ عربي قديم عن شعوب الشمال حين وصفهم بأنهم «أجلاف قساة القلوب» كما انعكس الأثر الاجتماعي للمونديال على علاقات العمل والصداقة، بل وعلى العلاقة الزوجية كما كشف العديد من استطلاعات الرأي.
هناك تناقض ظاهر بين الرياضي والسياسي، فمن حيث المبدأ لا يتصف الأول بالتعصب، وهو يتقبل الهزيمة بروح روح رياضية على عكس حال السياسي، لكن الفصل بين الرياضي والسياسي لم يعد قائمًا، أصبحت الرياضة أحد أدوات السياسة الداخلية والخارجية، وقد اهتم العالم بشكل خاص بلقاء إيران والولايات المتحدة، ورصد المتابعون كل همسة أو إشارة متعلقة باللقاء، ووجه الرئيس كلينتون كلمة قبل المباراة، أملًا «أن تكون المباراة بداية الوقف علاقات النفور التي سادت بين الأمتين الإيرانية والأمريكية» وتوقفت محاكمة عمدة طهران بسبب المباراة إياها.
وتابع الملايين من البشر خاصة في المنطقة العربية والإسلامية هذا اللقاء بشكل خاص، ومع كل تصويبة إيرانية على المرمى الأمريكي كان البعض يصرخ من أعماقه: تسقط أمريكا كان أولئك المقهورون المكلومون من أمريكا وسياساتها في المنطقة على مدى عشرات السنين يتمنون يومًا يرون فيه هزيمة أمريكا ولو في مجال الرياضة، وقد حدث الحال نفسه حين هزمت أمريكا على يد ألمانيا قبل مباراتها مع إيران بأيام، وهذا من باب: ليس حبًا في عمرو: ولكن كرها لزيد.
ولم يكن هذا الشعور عندنا وحدنا، فاليهود أيضًا اعتبروا أن كل هدف يحرزه الأمريكيون في مرمى إيران هدف لإسرائيل، كما قالت صحيفة «معاريف».
وبعد «الانتصار» الإيراني تعالت الصيحات من طهران إلى بيروت إلى فلسطين، بل والقاهرة رغم الموقف الرسمي الذي لايزال متحفظًا بشدة تجاه إيران.
هل نلوم السياسيين على اقتحامهم مجال «اللعبة النظيفة» وتلطيخها بأوحال السياسة؟ الواقع أنه من الصعب التسليم بانعزال الرياضة عن السياسة في عالم تختلط فيه كل الظواهر في علاقة تأثير وتأثر، وإذا لم تكن هناك معارك سياسية أو عسكرية، فاين إذن يتحقق النصر؟
في يوم الثاني من أغسطس القادم من المقرر أن يلتقي فريقا إريتريا وإثيوبيا في مباراة لكرة القدم في أديس أبابا ضمن تصفيات كأس الأمم الإفريقية لعام ۲۰۰۰م، ولا ندري، هل سيتم اللقاء أم لا في ظل الحرب المشتعلة بين الجانبين؟ وإذا حدث وذهب الفرق الإريتري إلى إثيوبيا، فمن سيواجهه في الملعب الفريق الإثيوبي، أم فرقة إعدام!