العنوان الكيان الصهيوني الغموض النووي.. إسرائيل ضربت بميثاق منع انتشار السلاح النووي والضغوط الإقليمية عرض الحائط وقررت المضي في سياسة الغموض النووي
الكاتب عاطف الجولاني
تاريخ النشر الثلاثاء 09-مايو-2000
مشاهدات 108
نشر في العدد 1399
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 09-مايو-2000
■ تقرير للأمم المتحدة: إسرائيل شوكة في حلق ميثاق الحد من انتشار السلاح النووي، ومخزونها النووي هو الأكبر تطورًا في المنطقة.. والولايات المتحدة تعمل كمحامٍ لها.
سلط مؤتمر الدول الموقعة على ميثاق منع انتشار السلاح النووي (NPT) الذي بدأ أعماله يوم الرابع والعشرين من أبريل الماضي في مركز الأمم المتحدة بنيويورك الأضواء مجددا على القدرات النووية الإسرائيلية وعلى الإصرار الإسرائيلي على عدم الانضمام إلى الميثاق والتمسك بسياسة الغموض النووي.
وقد اعتبر التقرير الذي نشره معهد أبحاث الأمم المتحدة لنزع السلاح "يونيدير" قبل أيام من مؤتمر (NPT) أن إسرائيل كانت شوكة في (NPT) لفترة طويلة، وأضاف: إن مخزون إسرائيل هو الأكثر تطورا في المنطقة، وربما المقلق أكثر، وأنها مدعومة من القوى العظمى النووية في العالم وبخاصة الولايات المتحدة التي قال التقرير إنها تعمل دوما كمحامٍ لإسرائيل في مباحثات مؤتمرات الميثاق وتحدث احتكاك لا نهاية له.
ورأى التقرير أن امتلاك إسرائيل للأسلحة النووية يعقد المباحثات في عدد من المشكلات الأمنية الإقليمية، ويوفر مبررا للدول المجاورة لتطوير سلاحها الخاص بالإبادة الجماعية.
لماذا الإصرار على سياسة؟
وقد أدى الجدل الذي دار مؤخرا حول سياسة الغموض التي تتبعها إسرائيل إزاء قدراتها النووية إلى طرح القضية في الأوساط الإسرائيلية، وثارت تساؤلات حول جدوى الاستمرار في هذه السياسة التي قال البعض: إنه تلحق أضرار لا مبرر لها، في حين رأى المؤيدون أن التخلي عن هذه السياسة هو الذي يلحق الأضرار بإسرائيل، وإن كان له بعض الفوائد المحدودة.
المعارضون لسياسة الغموض -وهم قلة في إسرائيل- يقدمون عددا من المبررات للتخلي عن تلك السياسة:
إنه تم حتى الآن كشف معلومات كثيرة ومثيرة عن قدرات إسرائيل في المجال النووي، وبالتالي لم يعد هناك مبرر لمواصلة سياسة الغموض والسرية.
إن إسرائيل بكشف قدراتها النووية ستتمتع بتفوق الرادع النووي.
إن كشف القدرات النووية الإسرائيلية سيمكن من إجراء حوار مكشوف ومنظم حول سياسة استخدام السلاح النووي، وسيخفف الضغوط الدولية من أجل الانضمام إلى ميثاق منع انتشار السلاح النووي.
وفي المقابل، فإن المعارضين للتخلي عن سياسة الغموض يطرحون عددا من المبررات للدفاع عن وجهة نظرهم ومن أهمها:
إذا اعترفت إسرائيل رسميًّا بامتلاك أسلحة نووية فإن هذا سيؤدي إلى فرض رقابة ستطالب مصر ودول المنطقة بنزع سلاح إسرائيل النووي كشرط للتوقيع على اتفاقيات تسوية.
سياسة الغموض النووي لإسرائيل تساعد الولايات المتحدة وحلفاءها في الناتو على مطالبة الروس والصينيين بعدم مساعدة إيران والعراق في التسلح بأسلحة نووية، دون أن تتهم الولايات المتحدة بالتميز.
سياسة الغموض النووي تمكن الدول الصديقة لإسرائيل وفي مقدمتها الولايات
المتحدة من بيع إسرائيل- ودون قيود- مواد ومعدات تستخدم لأغراض مدنية، ولكن يمكن استخدامها لتطوير السلاح النووي مثل الحواسب المتطورة، أما في حالة الكشف عن القدرات النووية، فإن ذلك سيؤدي إلى فرض قيود تجارية على مواد ومعدات إستراتيجية تحصل عليها إسرائيل، فضلا عن تلك المواد الموجودة لديها أصلا، ويضرب المعارضون للتخلي عن سياسة الغموض الهند وباكستان كمثال لما يمكن أن تتعرض له إسرائيل في هذا المجال، فبعد إجراء الدولتين تجارب نووية عام 1998م، فرضت عليهما رقابة دولية مشددة وحظر اقتصادي وقيود تجارية لا تزال سارية المفعول.
وقد حسمت الجهات السياسية الإسرائيلية الجدل سريعا وأعلنت قبيل انعقاد مؤتمر الدول الموقعة على ميثاق منع انتشار السلاح النووي، أنه ا ستواصل سياسة الغموض النووي التي تتبعها منذ عقود عدة.
ولتبرير موقفها تقول إسرائيل: إنها تمثل حالة خاصة، وأن ميثاق منع انتشار الأسلحة النووية هو نظام عالمي لا يتناسب والظروف الخاصة للشرق الأوسط، بسبب التهديدات الخطيرة في المنطقة، وتضيف إسرائيل أن العراق وكوريا وقعتا على الميثاق ولكنهما طورتا تحت مظلته سلاحا نوويًّا في السر على حد زعمها، وترى إسرائيل أن نزع الأسلحة النووية من المنطقة ينبغي أن يأتي ضمن خطة تبدأ باتفاقات سلام وتطبيع بين دول المنطقة، ويليها تقليص للجيوش التقليدية، وفي النهاية يتم التفاهم بخصوص السلاح النووي.
وتهدف إسرائيل من وراء طرح هذه الخطة إلى تبرير الاحتفاظ بقدراتها النووية غير المعلنة، وإظهار نفسها كطرف راغب بالسلام، ومهدد من جيرانه.
وعلى الرغم من ضعف الحجج والمبررات الإسرائيلية، فإن دعم وإسناد الولايات المتحدة غير المحدود، كان كافيا طوال الفترة الماضية لتجنبها أي إجراءات أو ضغوط دولية حقيقية لإلزامها بإخضاع مؤسساتها النووية للرقابة.
فقد عقدت كل من إسرائيل والولايات المتحدة عام 1969م تفاهما تعهدت فيه أمريكا بعدم الضغط على إسرائيل للانضمام إلى ميثاق (NPT) ما دامت إسرائيل تتصرف برباطة جأش ولم تعلن عن امتلاكها للسلاح النووي، ولم تجر تجارب نووية، وكشفت مصادر إسرائيلية أن الرئيس كلينتون قطع لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق بنيامين نتنياهو تعهدا مكتوبا بعدم اتخاذ إجراءات تؤثر على قدرة إسرائيل الردعية.
وقد وفر هذا الدعم الأمريكي غطاء لمواصلة تطوير القدرات النووية الأمريكية الإسرائيلية، وفي العام الماضي أجرت إسرائيل تجارب نووية عدة لاختبار أنواع جديدة من الأسلحة النووية التكتيكية الصغيرة، ونفت إسرائيل في حينه أن تكون التفجيرات التي أجرتها في منطقة البحر الميت نووية، وزعمت أنها تفجيرات عادية لمعايرة محطات الرصد الزلزالي.
ولكن أعضاء كنيست إسرائيليين كشفوا مؤخرا لصحيفة معاريف النقاب عن تجارب نووية عدة أجريت في منطقة البحر الميت، أدت إلى شعور المواطنين في فلسطين المحتلة والأردن ومصر وسورية بهزات أرضية متوسطة القوة.
وتكاد مصر تقف منفردة في التصدِّي لأخطار المشروع النووي الإسرائيلي، حيث تمارس على الصعيد الدولي نشاطا لإخضاع إسرائيل لبرامج الرقابة الدولية، وتضغط مصر من أجل إلزام إسرائيل بفتح مفاعل ديمونة أمام المراقبين تمهيدا لتصفيته، ولا سيما أنه يعد من المفاعلات النووية القديمة على مستوى العالم، حيث أقيم منذ نحو أربعة عقود، ويعاني من مشكلات خطيرة تهدد بتسرب نووي، وقد أدى الخلاف بين مصر وإسرائيل حول البرنامج النووي الإسرائيلي عام 1995م إلى تجميد المفاوضات متعددة الأطراف للرقابة على السلاح.
وفي ظل التواطؤ الدولي، ولا سيما من قبل الولايات المتحدة الأمريكية المهيمنة، وفي ظل العجز العربي، فإن إسرائيل ستواصل تعزيز ترسانتها العسكرية وقدراتها النووية وغير النووية.
فسياسة إسرائيل إزاء السلاح النووي التي لا تزال تتبناها وليس هناك مؤشرات على قرب تغييرها تقوم على ثلاثة عناصر:
-منع الدول العربية -ولو بالقوة- من امتلاك قدرات نووية، والمحافظة على سياسة الغموض حول إمكاناتها النووية لتحقيق هدف الردع والتخويف لكل العرب، ومواصلة تطوير سلاحها النووي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل